هل تسعى إسرائيل إلى الحرب مع إيران؟

الحرب ليست قراراً عقلانياً بالضرورة، وقد حدث كثيراً أن أدى الحمق وسوء التقدير إلى اندلاع مواجهات كبرى، ومنها ما يتعلق بالأزمة السورية، وأما الحرب مع إيران فتُدرك إسرائيل أنها ليست خياراً هيّناً، وتتطلّب منها ومن حلفائها تدبيراً طويل الأمد، دونه صعوبات وإكراهات كبيرة. وهكذا تقف إسرائيل حيال إيران أمام مأزق مُعقّد للغاية، فلا الحرب المباشرة والمفتوحة مُمكنة ولا الانسحاب أيضاً.

تقف إسرائيل حيال إيران أمام مأزق مُعقّد للغاية، فلا الحرب المباشرة والمفتوحة مُمكنة ولا الانسحاب أيضاً

في سياسة إسرائيل وحلفائها تجاه إيران اختلالٌ وعَبَثيّة في تقدير الأمور لا تُخطئها العين، فقد حاولت تجييش الرأي العام ضدها، من خلال ضخّ المزيد من الأكاذيب حول برنامجها النووي ودورها في سوريا والمنطقة، إلا أنها لم تلقَ حتى الآن، تأييداً مُتناسباً مع أهدافها.

تحاول إسرائيل أن تستخدم العداء ضد إيران مدخلاً، قُل ذريعة، من أجل العودة بالمشهد السوري إلى ما كان عليه في بداية الأزمة؛ أو أن تكون الأزمة السورية مدخلاً لاستهداف إيران أيضاً، والنيل من "محور المقاومة" بكليّته. وقد لا يجد الكثير من المتابعين فرقاً بين هذا المدخل وذاك. ويصعب فهم موقف إسرائيل مما يجري، ما لم يؤخذ الاتجاهان أو المدخلان المذكوران بالاعتبار.

وقد غيرّت إسرائيل ما قالت إنه "خطوط حمراء" حيال دور إيران في سوريا، بدءاً من العمل على منع وصول سلاح متطوّر عبرها إلى حزب الله، لكن السلاح وصل؛ إلى محاولة فرض مسافة بين 5 إلى 30 كم بعيداً عن الحدود مع فلسطين المحتلة، لكن ذلك لم يحصل؛ إلى الحيلولة دون إقامة قواعد عسكرية، لكن القواعد قائمة. غير أن الأمور لم تقف عند ذلك.

المواجهة بين إيران وإسرائيل ليست حديثة أو طارئة، إنما هي قائمة منذ زمن بعيد، وما يحصل اليوم هو "استعراض زائد"، بتعبير صحيفة هآرتس؛ وثمة شكوك مُتزايدة في إسرائيل نفسها من أنها غير مستعدّة للمواجهة مع إيران، وأن المخاطر الماثِلة أكبر بكثير من المكاسب المتوقّعة. 

تعلم إسرائيل أنها لا تستطيع إخراج إيران وحزب الله من سوريا، أو الحد من دورهما فيها، فهذا حلم بعيد المنال، إلا أنها تستطيع تأزيم المشهد، من خلال العمل على خلط الأوراق، واللعب على الحافة، والدخول في رهانات خطرة، مع ما يمثّله ذلك من احتمال اندلاع مواجهة مفتوحة ومباشرة. وهنا يجب النظر في أهداف إسرائيل من التصعيد ضد إيران:

  • الضغط السياسي والإعلامي وحتى العسكري.
  • دفع وتشجيع الولايات المتحدة وحلفائها، لأن يتبّنوا سياسات أكثر تشدّداً وخطورة.
  • إظهار الاستعداد لمواجهة مباشرة مع إيران.
  • تعزيز فكرة إرسال قوات عربية إلى شرق الفرات، وتشجيع الأطراف المدعوّة للمشاركة فيها.
  • تعزيز آمال وتطلّعات عدد من دول الخليج والأردن وأطراف أخرى تجاه إسرائيل، بوصفها الطرف الوحيد تقريباً الذي يمكنه –بنظر هؤلاء- أن يفعل شيئاً حيال إيران.

تشعر إسرائيل أن الظرف الاقليمي والدولي مُؤاتٍ لممارسة ضغوط كبيرة على إيران، وأن الأخيرة ليست في وضعٍ مُناسب للدخول في مواجهةٍ مباشرة، وهي حريصة على عدم التصعيد مع الغرب، في لحظةٍ حرجةٍ بالنسبة للاتفاق النووي؛ وفي ظلّ تهديدات أميركية وأوروبية مُتزايدة؛ ويتزامن ذلك مع تحدّيات اقتصادية وتنموية وتجاذبات سياسية داخل إيران؛ كما أن تركيا ربما لن تمانع من استهداف إيران، شريطة ألا تتعرّض مصالحها لأضرار؛ ولدى روسيا أيضاً مخاوف بخصوص إيران نفسها، وقد تجد أن من المناسب "الحد" من دورها في سوريا.

إلا أن تلك المؤشّرات وغيرها، بصرف النظر عن مدى دقّتها، ليست كافية لتقرير مسارات الأمور، ومن ثم فإن إسرائيل إذ تُغامر باندلاع مواجهة مفتوحة مع إيران في سوريا، فلا بد من أن تتحسّب لـ: دروس المواجهة السابقة معها في سوريا ولبنان والعراق وغيرها؛ وإدراك المسارات والتداعيات "غير المتوقّعة" لأية مواجهة مباشرة ومفتوحة معها؛ كما أن عداء الغرب وإسرائيل لـ إيران، يزيد من مدارك التهديد داخل إيران نفسها، ما ينعكس تأييداً مُتزايداً أيضاً لسياستها الخارجية.

كما أن التصعيد ضد إيران يزيد من مدارك التهديد داخل إسرائيل نفسها، وقد شاعت تقديرات هناك بأن ما يفعله نتنياهو حيال إيران هو "من الخارج" و"للخارج"، بتعبير  شلومو بتروكوفسكي قبل عدّة أيام في صحيفة يديعوت أحرونوت. وهذا لا يغفل أن نتنياهو وعصبته بحاجة لافتعال أزمة خارجية بهدف التخفيف من الضغوط التي تواجهه في الداخل.

الحرب ليست قراراً عقلانياً بالضرورة، وقد حدث كثيراً أن أدى الحمق وسوء التقدير إلى اندلاع مواجهات كبرى، ومنها ما يتعلق بالأزمة السورية، وأما الحرب مع إيران فتُدرك إسرائيل أنها ليست خياراً هيّناً، وتتطلّب منها ومن حلفائها تدبيراً طويل الأمد، دونه صعوبات وإكراهات كبيرة. وهكذا تقف إسرائيل حيال إيران أمام مأزق مُعقّد للغاية، فلا الحرب المباشرة والمفتوحة مُمكنة ولا الانسحاب أيضاً.