استغلال فرنسا للنفط والفوسفات في تونس

سيلاحظ المتمعّنون جيدا في جغرافيا المغرب العربي أن تونس تقع بين دولتين تزخران بالثروات الطبيعية، ليبيا التي تحتوي على ثروةٍ نفطيةٍ هائلةٍ والجزائر صاحبة أكبر أحتياطي للغاز الطبيعي في العالم، فيما لا يتجاوز إنتاج تونس من البترول سوى 60 ألف برميل يومياً حسب أرقام نشرتها وزارة الطاقة إضافة إلى الإنتاج المتواضع جداً من الغاز مُقارنة بهذه الدول.

هل لتونس سيادة على ثرواتها الطبيعية؟

هذه الحقيقة أذكت كثيراً من التساؤلات ظلّت حبيسة عقول كبّلها النظام السابق إلى أن تفجّرت في وجه حكومات ما بعد الثورة. أولى مظاهر هذه التفجّرات الحملة التي أطلقتها منظمات من المجتمع المدني و بعض الأحزاب تحت شعار "وينو البترول" (أين البترول)، هذه الحملة وضعت موضوع الثروات الطبيعية تحت دائرة الضوء ما دفع بالكثير من الحقائق إلى الظهور ودفع الحكومات للاعتراف بوجود تجاوزات في ملف الثروات الطبيعية. لكن تبيّن بعد ذلك أن الامور تتجاوز بعض الخروقات لمستثمرين في الميدان وأصبح السؤال الأهم: هل لتونس سيادة على ثرواتها الطبيعية؟ سؤال أذكته الوقائع على الأرض بالنظر الى إتفاقية استغلال الملح والتي تُكبّد تونس خسائر سنوية إضافة إلى الحقائق التي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة.

ما نشرته هيئة الحقيقة والكرامة كان بمثابة قنبلة في الأروقة الحاكمة، بلاغ بعنوان "هيئة الحقيقة والكرامة تعرض حقائق حول استغلال المستعمر الفرنسي للثروات الباطنية في تونس"، حمل الكثير من الحقائق التي كانت صادِمة بالنسبة للمجتمع التونسي، تشريعات قبل الاستقلال لاستغلال الثروات الباطنية حاول من خلالها المستعمر الفرنسي ضمان استمرار استغلال الثروات الطبيعية حتى بعد الاستقلال، إضافة إلى امتيازات فرنسية في اتفاقية الاستقلال الداخلي لم تلغها اتفاقية الاستقلال التي وقّعت في 20 آذار/ مارس 1956 يتم بموجبها التزام الدولة التونسية بمنح حق الأفضلية للمشاريع الفرنسية عند تساوي الشروط للحصول على رُخَص التفتيش والاستثمار واللزم. كما قامت فرنسا بتكوين شركة "ترابسا" بمقتضى اتفاقية مع البلاد التونسية سنة 1958 لمد أكثر من 510 كلم من إجمالي 775 كلم مربع من قنوات نقل البترول من عين أميناس في الجزائر إلى ميناء الصخيرة في تونس، ولم تكن الدولة التونسية طرفاً في النقاش مع الجانب الجزائري رغم حصول تونس على استقلالها في ذلك الوقت، كما لم تطالب تونس بتحيين قيمة عوائدها من عملية نقل البترول. من جهة أخرى أشارت دائرة المحاسبات وفي تقريرها الصادر في 2013 إلى أن كلفة النقل عبر الأنابيب لا تراعي تطوّر الأسعار، وهو ما يعني خسارة تونس لملايين الدولارات جرّاء ذلك. كما تؤكّد الوثائق المنشورة أن الشركات الفرنسية قد استغلت الثروات الطبيعية التونسية استغلالاً فاحشاً ويعود ذلك إلى تطبيق الفصلين 33 و 34 من اتفاقية الاستقلال الاقتصادية والمالية والتي تضمّنت شروطاً مُجحفة ولم تتم مراجعة أغلبها إلى اليوم.

من جانب آخر تسعى بعض الأحزاب في البرلمان إلى مراجعة اتفاقيات الاستغلال الفرنسي لثروة الملح التونسية، ويُعّد ملف الملح واحداً من أهم الملفات التي تركّز عليه الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بهدف دفع الحكومة إلى التراجع عن هذه الاتفاقيات. ولايزال ملف شركة الملاحات الفرنسية "كوتزوال" محور جدل شعبي وسياسي منذ سنة 2014 بسبب الاتفاقية التي أمضتها مع الدولة التونسية سنة 1949 بشروط مُجحِفة، هذه الاتفاقية تتبعها ملاحق تُحدّد مدة الاستغلال بـ 50 سنة قابلة للتجديد بـ 15 سنة إضافية بشكل آلي إذا لم يطلب من الشركة إنهاء الامتياز، كما تحدّد الوثيقة العوائد المالية للدولة التونسية وقيمة العقد وينصّ الفصل 11 من الاتفاقية على الآتي "سداد حقوق  الاستغلال والأملاك العامة بقيمة 1 فرنك للهكتار الواحد سنوياً لجميع المناطق التي تشملها رسوم الامتياز للمجال العام". وهو ما يعني أن الشركة الفرنسية تستغل الملح التونسي بثمن أقل من دولار للهكتار الواحد، وهو ما يعني فضيحة بكل المقاييس ولا بدّ للإشارة أن الاتفاقية لا يزال يتم العمل بها إلى حد كتابة هذه الأسطر. من جانب آخر  وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر تعهّداً من رئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة بمراجعة هذه الاتفاقية، أمضى وزير الطاقة في الحكومة نفسها أمراً أسند بمُقتضاه امتياز استغلال يتعلّق بسبخة الغرة وسط تونس للشركة العامة للملاحات التونسية كوتيزال، وهو ما يؤكّد تواطؤاً حكومياً مفضوحاً رغم أن وزارة المالية قد أصدرت وثيقة في أيار/ مايو 2013 تؤكّد أن قيمة المستحقات الجبائية للشركة قد تجاوزت 7.5 مليون دينار. في مواجهة كل هذا تسعى حكومة يوسف الشاهد اليوم إلى القطع مع هذه الاتفاقية بعد أن تم تشكيل لجنة تتألّف من ست وزارات تُعنى بترتيب كل التفاصيل لمراجعة الاتفاقية، كما أكّد مصدر من وزارة الطاقة أن النيّة تتّجه إلى عدم التمديد للشركة.

لم تستطع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة الاقتراب من ملف شركة الملاحات الفرنسية كوتزوال رغم  فداحته، وهو ما يؤكّد ضغطاً فرنسياً لا يمكن إنكاره حال من دون مراجعة العقود، لكن المعضلة التي تعاني منها تونس اليوم لا تتعلّق فقط بشركة كوتوزال بل بجدّية الاستقلال الذي أمضته فرنسا قبل 62 سنة بالنظر إلى الوثائق الرسمية الفرنسية التي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة على موقعها والتي لم تحظَ بأيّ ردٍ حكومي إلى الآن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي