صلاح الداودي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي، منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية.

أزمة الحكومة في تونس أم أزمة التبعية والحُكم؟

مع احتدام أزمة نظام الحُكم الوجودية في تونس التي تركّزت في أزمة عدم الخروج من تنازع صلاحيات ومصالح وتصوّرات رئاسة الجمهورية والاتحاد العام التونسي للشغل، وشق من نداء تونس وبعض المنظمات الوطنية الأخرى مثل اتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين من جهة ورئيس الحكومة المُعيّن يوسف الشاهد وحركة النهضة من جهة أخرى، علاوة على الكتلة البرلمانية المساندة للشاهد والتي تكوّنت حديثاً من جملة انشقاقات وصراع سياسة حزبية، وحول التصرّف في شؤون الحُكم وتسيير البلاد وتحقيق تطلّعات الشعب، خاصة في واقع عدم الوصول إلى حلول دستورية أو توافقية، تتفاقم أضلع الأزمة الأخرى الأخطر، علاوة على الجانب السياسي منها، ونعني البعدين الأمني والاقتصادي.

اجتماع لأعضاء حركة "نداء تونس"
اجتماع لأعضاء حركة "نداء تونس"

تتفاقم تبعيّة تونس الأمنية والدفاعية نتيجة ما أقدمت عليه عن طريق رئيس الجمهورية الحالي السبسي، ورئيس حزب مشروع تونس الحالي مرزوق من إمضاء اتفاقية ما يُسمّى الحليف غير العضو من خارج حلف الناتو وعدم أخذها مسافة مما يُسمّى الحلف الأطلسي الذي يدّعي مكافحة الإرهاب هو ووكلاء المنطقة، والحال إن أمر صناعتهم للبؤر الإرهابية وتشكيلهم لمعسكرات العدوان الإرهابي بات مكشوفاً على طول الجغرافيا المقصودة بالتفكيك والإخضاع. هذا إضافة إلى موضوعات الهجرة غير النظامية وجريمة الاتّجار بالبشر وغيرها من الجرائم المنظمة، نتيجة تهيأة بيئة الفوضى الضرورية منذ العدوان الإرهابي العسكري الغربي على ليبيا، بما  فيه من أدوار لعبت من عدّة دول وشبكات عربية وغير عربية، بما في ذلك الدور التونسي. وعليه، وهو أمر قديم جديد في الواقع، تتّجه السياسات الأمنية والعسكرية الأوروبية والأميركية وفق عقائدها الاستراتيحية إلى مزيد وضع تونس وحدودها تحت السيطرة والتبعية التي تصل حد تدخّل المارينز في التراب الوطني التونسي بعناصر ومهام وقواعد عسكرية حسب ماذكره موقع ناشونال انترست مؤخراً، فضلاً عن التحكّم الاستخباراتي. هذا ويرجّح مزيد تدخّل القوى البحرية الأوروبية (سوفيا) بدعوى مكافحة الهجرة من خلال توسيع الرقعة الجغرافية لهذا التدخّل طبقاً لتقرير اللجنة الأوروبية لتقييم ومتابعة السياسة الأوروبية في مجال مقاومة الإرهاب الصادر في 26 حزيران/ يونيو 2018، والذي يشير إلى حد إمكانية استصدار قرار من مجلس الأمن للعمل في مياه تونس الاقليمية، مستنداً أيضاً إلى اتفاق الشراكة من أجل الحركية الموقّع في آذار/ مارس 2014. وبلغة أخرى وبوجه عام، فإن اتجاه الأمور إلى مزيد إطلاق اليد الاستعمارية ومخطّطاتها في المنطقة هو الأرجح طالما هذه هي سياسة محور الإرهاب والانتداب هذا وهذه هي سياسة محور التبعية والتطبيع هذا بحكوماته وبلدانه وشبكاته.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن كل المؤشّرات الاقتصادية فائقة السلبية وعالية التهديدات خاصة إذا ارتبطت بما يُسمّى برنامج الإصلاحات الكبرى (المفاسد والاستباحات في الحقيقة)، التي تمليها الصناديق الدولية وهي أدوات ستعمّق رهن وارتهان البلد وانهيار مقدّراته راهناً ومستقبلاً، وعلى وجه الخصوص في واقع زحف مفاعيل التفويت والتفريط وولاء الحكومات للمشغّل الغربي واللوبيات المحلية، ونذكر أساساً ما تُسمّى اتفاقية الشراكة المعمّقة مع الاتحاد الأوروبي والتي يجمع الخبراء الموثوقون أنها ستنزع سيادة البلد بشكل نهائي، وستقضي على فرص النهوض ويؤكّدون أنها قيد التنفيذ كسياسة أمر واقع لاسيما بأسسها القانونية والتشريعية، وبإجراءاتها التنفيذية إلى جانب التعهّدات، بدلاً من تبني سياسات اقتصادية ومالية وطنية بديلة في مجالات قيمة الدينار والمديونية والتوريد الفوضوي والشراكة غير المتكافئة...الخ. زيادة على سياسة حق الاعتراض وحق الرفض والتفاوض التي يؤكّد عليها العارفون الخبراء من نوع السيّدات والسادة جنات بن عبد الله وجمال الدين العويديدي وأحمد بن مصطفى وغيرهم في مقالاتهم ومحاضراتهم، في هبّة فكرية وطنية طليعية تستحق كل الاحترام. وهنا نشير أيضاً إلى جانب التونسيين، نشير إلى تقرير الجمعية الدولية للتقنيين والخبراء والباحثين إيتاك الصادر في نيسان/ أبريل 2016 تحت عنوان "الاتحاد الأوروبي-تونس: ديكتات اللبرلة التجارية أم شراكة أصيلة؟" والذي يؤكّد في تشخيصه وتحليله وتوصياته على نفس التوجّهات والاستنتاجات المضرّة بتونس التي يسار بها نحو دولة فاشلة كما يريد الأميركان والأوروبيون ووكلاؤهم الخليجيون في المنطقة في صيغة ما يسمّى "النظام العربي الجديد" كما جاء في تقرير معهد كارنيغي في تقرير 16-8-2018.

في جو الأزمة الوجودية والانسداد السياسي هذا، وأمام استحقاق الإنقاذ الوطني نجد أنفسنا أمام سؤال المعارضة الوطنية ومسائلتها. والمقصود بالمعارضة الوطنية هنا تلك المعارضات التي ناضلت لعقود ضد استبداد وتبعية نظام بورقيبة وضد نظام بن علي وكذلك ضد حكومات ما بعد 2011 والتي تواصل نهج التبعية بنوع من الاستبداد الناعم المدعوم من المنظمات المالية والاقتصادية الدولية ودولها ، وكذلك بعض أنظمة الاقليم وشبكاتها. وتتألف هذه المعارضة من أحزاب وجبهات على غرار الحزب الجمهوري وحزب حركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي والحزب الاشتراكي والجبهة الشعبية وأحزاب ومنظمات مدنية أخرى، تعاني كلها من غياب الفاعلية والتأثير ومن انعدام التنسيق الجماعي والعمل المشترك الأدنى في ظلّ أزمة نصفها بالأخطر في الأبعاد الثلاثية السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمر بها البلد والتي ذكرناها أعلاه.

وعليه، فإن إنقاذ المعارضة كخيار ضرورة حتمية للإنقاذ الوطني لا يمكن أن يتم إلا على أرضية أطروحة وطنية جامعة لا على أساس أي مشروع أحادي يدّعي ما يشاء أن يدّعي. وإن أيّ أمل ثوري وتحرّري ووحدوي لا يرى النور إلا بتحصيل سلطة معنوية للمعارضة تجعل منها قوّة معارضة  أو قوّة أساسية قادرة على تحقيق ثقة غالبية المنهوبين والمهدورة حقوقهم والمعدمين ومقتدرة على قلب موازين القوى وتحقيق المهمات الوطنية المطلوبة.

بالمقابل، تظلّ أية معارضات قائمة في صورة اللامبالاة الشعبية بالمعارضة لكونها معارضة ولأسباب أخرى ذاتية وموضوعية طبيعية. نحن نظن أنه من حق الشعب مهما قلت عنه، من حقه مراقبة المعارضة واختبارها مرة وأكثر، لعلّها تبادر أو تغيّر أو تنجح في شيء ما. ومن حقه أيضاً الالتفات عنها وقتما يشاء. فهو مشدود بواقعه أما إلى المقاطعة وأما إلى أحزاب الحُكم  وماكيناتها وارتباطاتها.

يبدو لنا على الأرجح أن تونس الحالية في أكبر اختبار وأصعب ظرف على منعرج سنة 2019. وفي الحقيقة، غالبية الشعب ليست هي المعارضة وليست معارضة كالمعارضة. والشعب ليس معارضاً بصفته شعباً. أما إذا عارض وانتفض في ظرف ما، فسيعارض الجميع بمّن فيهم المعارضة، وهذه حال تكاد تكون سائدة. إلا إذا نجحت المعارضة موحّدة وكمشروع معارض، إذا نجحت بالحد المطلوب في تمثيل كتلة وازنة منه (أي من الشعب) في تطلّعاته من دون أن يكون معها بالضرورة.

تبقى أسئلة مهمة وملّحة تتعلّق بقواعد إنقاذ هذه المعارضة لنفسها وفرض نفسها كمعارضة مشروع مقابل مشروع ومشروع مقنع مقابل مشروع فاشل، بالأحرى. هاهنا، ليس المشكل في الأفكار والأطر والآليات والحاجة والرغبة الشعبية، بل في إرادات المعارضات. هذا ونظن أن التعجيل بإمضاء ميثاق إنقاذ وطني للمعارضة وللوطن يضمّ أربع نقاط ويتباحث الآليات التنفيذية للضغط وفرض مسار تصحيحي أمر ضروري وممكن كما يلي:
1- إتمام بناء المؤسّسات الدستورية
2- وقف المضي في فرض اتفاقات التبعية
3- وقف النزيف الاقتصادي
4-  إطلاق مؤتمر حوار استراتيجي للمعارضة الوطنية حول برنامج الحد الأدنى المشترك الاقتصادي والاجتماعي وخلق استقطاب وطني حوله.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً