جريمة العرض العسكري الإيراني في الأهواز.. لمصلحة من؟

بالحديث عمّا شهدته مدينة الأهواز، فقد اتّهمت إيران على لسان أعلى المسؤولين فيها دولتين خليجيتين لم تسمّهما، بالوقوف وراء الهجوم على العرض العسكري في الأهواز.

من تشييع أحد شهداء هجوم الأهواز (أ ف ب)

بَينما نحن على نغماتِ موسيقى عسكرية.. معها أفواجٌ من الحرسِ الثوري الإيراني تسير في صفوفٍ مُتناسِقة، في عرضٍ عسكري في إقليم الأهواز، ذلك قبل أن يُباغِت إطلاق نار كثيف العرض، ما أسفر عن سقوطِ شهداء معظمهم من الحرس الثوري، فضلاً عن إصابة عشرات آخرين. نعم هو عرض لسنواتٍ خلَت يُقام في العاصمة طهران وكل المحافظات؛ وذلك بمناسبة ذكرى اندلاع الحرب مع العراق بين (1980- 1988).

بالحديث عمّا شهدته مدينة الأهواز، فقد اتّهمت إيران على لسان أعلى المسؤولين فيها دولتين خليجيتين لم تسمّهما، بالوقوف وراء الهجوم على العرض العسكري في الأهواز. وجاء ردّ الفعل الإيراني سريعاً، عندما ربط المُرشِد الإيراني السيد علي خامنئي، الهجوم بحلفاء أميركا في المنطقة. وأن هذه الجريمة استمرار لمؤامرات دول المنطقة (لم يسمّها)، وهي دُمى في أيدي أميركا، وهدف تلك الدول هو انعدام الأمن في إيران. كذلك المُتحدّث باسم القوات المُسلّحة الإيرانية، أرجعَ الاعتداء لأربع دول، إثنتان منها في منطقة الخليج، تقف وراء الهجوم المُسلّح. وأن منفّذي الهجوم تلقّوا تدريباً وتمويلاً من دولتين خليجيتين، وأن المُهاجمين لديهم صِلة بأميركا و"إسرائيل".

الحقيقة أنه جاءت على الخط الساخِن ما يسمى بحركة "النضال العربي لتحرير الأهواز"، وهي جماعة عربية مُناهضة للحكومة الإيرانية، تبنَّت الهجوم مُتحدِّثة بـ"أن منظمة المقاومة الوطنية الأهوازية، التي تضمّ عدداً من الفصائل المُسلّحة، هي المسؤولة عن الهجوم". فهل هذه هي الحقيقة؟ بالعودة نجدها حركة تأسّست في 1999 من قِبَل مجموعة من عرب الأهواز المُقيمين في أوروبا، وتتّهم إيران بعمليات تهجير قَسْري لسكان الأهواز العرب، بينما صنّفتها طهران على أنها "جماعة إرهابية". وبدأت الحركة نشاطها المُسلّح منذ 2005، وأعلنت مسؤوليّتها عن عددٍ من الهجمات المُسلّحة في 2015 و2017، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 اغتيل رئيس الحركة أحمد مولى أمام منزله في لاهاي في هولندا، وحدث بعدها تبادُل الاتهامات.

يتعلَّل البعض بأن صنّاع الأعداء للنظام في إيران كُثُر! داخلياً وخارجياً. وأن منظمة "مجاهدي خلق"، لديها شبكة معارضة أهوازية عربية بشتّى الألوان، كذلك منظمة النضال الأهوازية إحدى فصائل العمل الأهوازي التي تبنَّت العملية، لديها معارضة في الداخل الإيراني من داخل الخيمة الجمهورية، أبناء "الحركة الخضراء"، وكذلك الكرد وما حدث لمقار الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق.

لقد جاءت مُسارعة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف للتلميح إلى دولٍ خليجيةٍ ودولٍ أخرى اقليمية، كما وصفها، وطبعاً أميركا، بالوقوف خلف الهجوم، من خلال "داعش"، وأنهم عملاء للعاصمتين الخليجيتين أو واشنطن، هكذا هي رواية إيران، خصوصاً تجاه هؤلاء. ذلك عندما خرج عنوان صحيفة "كيهان"، ورئيس تحريرها حسين شريعتمداري مُستشار المرشد، يتوعَّد بالردّ عليهم! الغريب أن هذه العواصم جمعاء تتجاهل الحادث، وكأن المنطقة في حاجةٍ لمثل ذلك.

في الوسط مازال ترامب يتوعَّد بالمزيد، وغالباً ما يُخصِّص شطراً من خطابه في الأمم المتحدة عن النظام الإيراني. هذا ما سبق أن نقله صديقه ومحاميه الشخصي، عُمدة نيويورك السابق رودي جولياني، حيث قال خلال اجتماع قبل أيام (إن العقوبات الأميركية على إيران ستفضي لـ"ثورة"). فهل هذه "المجزرة" هي "الثورة" التي تمّ الوعد بها؟، خاصة بعد فشل الإنهيار الاقتصادي ومعه النووي. قد يكون التخطيط جاء من البعض مُبكراً، فقد سبق صناعة أزمة اقتصادية عبر (الريال الإيراني) والاتفاق النووي، حيث هوى كل منهما إلى مستوياتٍ متواضعة، بعضها تسبَّب فيه قرار ترامب، حيث قرار الانسحاب من الاتفاق المتعلّق بالبرنامج النووي لطهران ما غذَّى المخاوف من أزمةٍ اقتصاديةٍ سابقةٍ في إيران.

الحقيقة أن هذه الأزمات في إيران، تأتي لسَكْبِ وقودٍ على نار، فبينما الريال في طريقه السابق، وافق السيد خامنئي، على السماح لطهران بالتفاوض على إنقاذ الاتفاق النووي بعد الانسحاب الأميركي منه، لكنه طالب بـضماناتٍ جدّيةٍ لبقاء بلاده فيه. حيث أعلن الرئيس روحاني قبل ذلك، إن وزير خارجيته ظريف سيُجري مفاوضات مع الدول الخمس الأخرى الموقِّعة على الاتفاق (ألمانيا والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا) لمعرفة ما إذا كان يمكن إنقاذه.

هنا يبقى أنه من المُبِكر التكهُّن بالمساراتِ التي خطَّط لها البعض من أجل انهيار تفاوض إيران النووي، وكذلك ردّ الفعل الإيراني الداخلي حول الخِطط الخارجية لأحداث الأهواز، ولأن مَن يُعطِي السلاح يساعد في القتلِ. فيبقى أن مَن خطَّط لما في الأهواز، سيستمر يُخطِّط كثيراً لشهورٍ بل سنواتٍ قبل إحداث انهيارٍ مُتكامِلٍ من وجهةِ نظره، سبق له أن رسمَ الخطط لهذه اللحظة، إنما مسيرة التغيير بدأت في الداخل الإيراني وتُحفّزها عوامل داخلية واقليمية عدّة متعاونةً مع الجمهورية الإسلامية، ذلك حتى لا يبقى المواطن الإيراني بعيداً على الهامش تكنولوجياً واقتصادياً واجتماعياً في بلاد غنيّة بثرواتها وتاريخها وحضارتها.

نعم خطَّط البعض كي تأتي الثورات ليست للخبز فقط، ولكن يجب أولاً أن تحدث على مَن تسبَّب في مجزرة وسط المشهد العسكري السابق، من خارج وداخل البلاد، ليزرع إسم إيران في كل "محاور الشر" مع منطقة يكفي ما فيها من صراعاتٍ داخلية، لتحصد الشعوب كل هذه التكلفة، ويُتوَّج الأمر بفشلٍ سياسي ذريعٍ. فهل ينجح هذا المُخطَّط، رغم أنه تم كشفه وفضحه مُبكراً؟ وهنا يبقى السؤال الذي يبحث عن إجابة: لمصلحة مَن هذا الذي نفّذ ودبّر، وسبقه مَن خطَّط لـ"مذبحة العرض العسكري الإيراني في الأهواز"؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

إقرأ للكاتب

تونس.. كلمة الشعب وطريق الرئاسة

يبقى في النهاية أن مُلخَّص الحال عرضته صحيفة "لوكوتيديان" التونسية اليومية الناطقة بالفرنسية...

"كامب ديفيد" في عقدها الخامس.. ماذا عن مصر الآسيوية والإفريقية؟

تبقى سيناء في عقد كامب ديفيد الخامس، معزولة يرتع فيها إرهاب لا يُعرَف مصدره.. وقد باتت أشبه...

علماء مصر والموساد.. بين "نوبل" و"مستودع الأموات"

يبدو أن العلماء في مصر نوعان: عالِم يحصل على جائزة نوبل، وآخر يكون مصيره المشرحة و«مستودع...

نهاية محتومة.. لا بد من عدن وإن طال السفر

في حب صنعاء كتب الدكتور عبد العزيز المقالح قائلاً: "لابد من صنعاء وإن طال السفر.. صنعاء إن أغفت...

لبنان الكرامة والشعب العنيد

بذلك يصحّ على لبنان وعلى شعبه ومقاومته وجيشه ما كتب فيه الأخوان الرحباني بأنه "لبنان الكرامة...

لَا تَقْرَبُوا العِراق

عادةً ما يُلفَظ إسم دولة العراق بكَسِر العين (عِراق) وفي الأجنبيّة (IRAQ) وبالكرديّة (عيراق)،...