رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

بعد مذبحة نيوزيلندا: الإسلاموفوبيا في زمن (داعش ) مُجدَّداً!

أُعيد الحديث عالمياً ومُجدّداً عن ظاهرة الإسلاموفوبيا (أو كراهية الإسلام) في غالب دول الغرب ، وفي الواقع وبعد أن هدأت المشاعر الحقّة لدى عموم المسلمين من جرّاء جريمة نيوزيلندا ، نحتاج إلى مُقاربة هادئة وأكثر عُمقاً لما جرى وما قد يجري تحت العنوان الكبير لتلك الظاهرة الخطرة ؛ ظاهرة الإسلاموفوبيا.

بعد مذبحة نيوزيلندا: الإسلاموفوبيا في زمن  (داعش ) مُجدَّداً!
بعد مذبحة نيوزيلندا: الإسلاموفوبيا في زمن (داعش ) مُجدَّداً!

بعد المذبحة المُروِّعة التي وقعت في مسجدي نيوزيلندا يوم 15/4/2019 وراح ضحيّتها 50 شهيداً وعشرات الجرحى والتي ارتكبها مُتطرِّف عُنصري غربي ؛ أُعيد الحديث عالمياً ومُجدّداً عن ظاهرة الإسلاموفوبيا (أو كراهية الإسلام) في غالب دول الغرب ، وفي الواقع وبعد أن هدأت المشاعر الحقّة لدى عموم المسلمين من جرّاء جريمة نيوزيلندا ، نحتاج إلى مُقاربة هادئة وأكثر عُمقاً لما جرى وما قد يجري تحت العنوان الكبير لتلك الظاهرة الخطرة ؛ ظاهرة الإسلاموفوبيا . بداية ينبغي التأكيد أننا نخفي رؤوسنا في الرمال ، إذا ما قلنا اليوم(2019) وبعد أن هُزِمَ تنظيم داعش في البلاد التي نشأ فيها _العراق وسوريا_ إن صورة الإسلام في عقل الغرب وسياساته بل وجمهوره ، أضحت ناصِعة البياض ، الواقع أنه قد شابها تشويه كبير بفضل داعش وأخواتها من تنظيمات الإرهاب بإسم الدين والمُمَّولة في أغلبها خليجياً وأميركياً ، وأن ظاهرة الإسلاموفوبيا كما استقرّت تاريخياً في ذهنيّة الغرب ؛ قد أُعيد إنتاجها بقوّةٍ أكثر من ذي قبل . وهو الأمر الذي بات يحتاج إلى جهودٍ جبارةٍ من النُخَب الإسلامية والعلمائية والإعلامية في شرقنا الإسلامي لمُعالجة الآثار السلبية التي لحقت بصورة الإسلام والمسلمين بسبب هذه التنظيمات الإرهابية ورُعاتها الاقليميين والدوليين . في هذا السياق دعونا نُحرِّر المفاهيم المتّصلة بالظاهرة ؛ ظاهرة الإسلاموفوبيا ، قبل أن نقترح جملة من الوسائل لمواجهتها. بداية يُحدِّثنا التاريخ القريب أنه في أجواء ما أُطلِق عليه (ربيع الثورات العربية) ، ازداد الخلط الغربي أموراً وعن عمد منه ، تجاه أمور وقضايا تتصل بشرقنا الإسلامي ،لا يمكن أن تجتمع في نسقٍ قِيَمي أو معرفي واحد وهي أن الإسلام دين للعنف والإرهاب ، وهذا غير صحيح ، تاريخياً وواقعياً ، أو أن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال مثل المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان ، هي إرهاب ديني وسياسي ، أو أن كل ما جرى في المنطقة خلال العام 2011 (ثورات) ، في حين أن الحقائق على الأرض الإسلامية العربية تؤكّد أن كل ما يلمع ليس ذهباً ، وأن بعض ما جرى ثورات بالفعل والبعض الآخر (مؤامرات) لحلف الناتو ، أو أشواق للإصلاح والتغيير ركب عليها الغرب والأدوات التي صنعها ومنها داعش والإخوان المسلمين ، لتحقيق حماية طويلة المدى ، ومُتجدّدة الروح ، لأهم مصلحتين استراتيجيتين له في المنطقة ؛ (نهب النفط) و(حماية أمن إسرائيل) .
* إن خلط الحقائق والقضايا ، عمداً ، لهو سمة ثابتة وغالبة (إلا من استثناءات قليلة) في رؤية الغرب ، ساسة ومفكّرين ، تجاه الشرق الإسلامي وقضاياه الرئيسة ، خلال المائتى عام الأخيرة ولقد زادت هذه السِمة وضوحاً في أيامنا هذه نظراً إلى طبيعة الأحداث والثورات المُتلاحِقة التي تلمّ بالمنطقة .
* ومن بين أبرز القضايا التي تمّ فيها غربياً خلط المفاهيم ، قضية (الخوف من الإسلام) أو (العداء للإسلام) ما اصطُلح على تسميته بـ (الإسلاموفوبيا) ؛ والتي تعني فى أبسط معانيها ، أن الإسلام ، دين للعنف وأن المسلمين دُعاة تعصّب ، وكراهية للآخر ، وأن الحضارة الإسلامية ، حضارة ترفض الحرية والعدل وقِيَم الحق والجمال ، على النقيض تماماً مما دعا إليه هذا الدين ومارسه أتباعه من المسلمين ، عبر تاريخهم الممتد وبنته حضارتهم من نماذج مُنيرة لأنبل القِيَم الإنسانية.
* إن (الإسلاموفوبيا) ولا شك تحتاج منا إلى تقصٍ دقيق لعلاقة الإسلام (ديناً وحضارة) بالغرب ، وأسباب هذا العداء الغربي للإسلام خاصة في زمن داعش وأخواتها ، والذي ولَّد هذه الحال من الخوف منه (الإسلاموفوبيا) ، وما هي سُبل المواجهة لهذه الظاهرة التي ، أُعيد إنتاجها على أيدي تنظيمات الإرهاب بإسم الدين والتي هي بالأساس ، وكما تأكّد اليوم بعد هزيمتها المرحلية ؛ كانت مُجرّد أدوات في أيدي هذا الغرب ذاته وفي أيدي أجهزة مخابراته .
إذا كانت ظاهرة الإسلاموفوبيا لها أسبابها الروحية / العقائدية ، والتاريخية والاستراتيجية ، ، فإن مواجهتها أو علاجها يتطلّب أن يكون على نفس المستوى من التحدّي ، وعليه فإننا نقترح جملةً من الخطوات والآليات لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا يمكن تلخيصها في الآتي :
- تقديم الإسلام الوسَطي :
الوسطية دعا إليها القرآن الكريم في قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}[البقرة143].
والوسطية هي المنهج القرآني ، وهي منهج النبي( ص)، فإنه كان وسطاً في منهجه ، وفي موعظته ، وفي خُطبه ، وفي دعوته ، وفي سلوكه ، بل وفي عبادته .
- البُعد عن التعصّب المُفرِّق للأمّة : خاصة بين السنّة والشيعة فهذا التعصّب هو الذي أعطى للغرب صورة مشوّهة عن الإسلام ، وكانت داعش والقاعدة ومَن شابههما خير مِثال لهذا التعصّب المولِّد بالضرورة للعنف المُسلّح والإرهاب الأعمي .

- الاهتمام بالإعلام لتقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام المُحمّدي الأصيل وأن ثمّة فوارق كبيرة بينه وبين إسلام داعش الذي يُصرّ إعلام الغرب في أغلبه على تصديره إلى العالم خاصة بعد ربيع ما سُمّي بالثورات العربية ، على أنه هو الإسلام ، وهذا مُخالِف للتاريخ وللعقل .
- نَشْر التاريخ المُضيء للحضارة الإسلامية وتوثيقها عن طريق العلماء والحكماء والمُحقّقين : خاصة أن الجزء الغالب من الكتابات الغربية عن الإسلام والمسلمين يشوّه حقيقة التاريخ ، إلا بعض المستشرقين القلائل ممَن أنصفوا الإسلام وتاريخه.
- ينبغي أن نعمل من أجل التقارُب بين المسلمين عامة والعرب خاصة ، بهدف التعاون في إيجاد خطاب فكري وسياسي واحد نسبياً مع الغرب .
- ضرورة تبيان وكشف الدور الصهيوني في تشويه الإسلام كعقيدةٍ وعبادةٍ وشريعة ، وتشويه المسلمين وتصويرهم كشعوبٍ مُتخلّفة لا تمّت للحضارة في عقيدته وفكره وثقافته.
- ينبغى أن تقوم المؤسّسات الإسلامية والعربية ذات الخطاب المَعرفي المُستنير بدورها في التواصل مع المؤسّسات الغربية المُشابهة. - إيجاد خطّة على المستوى الثقافي والفكري للاستفادة من المسلمين الذين يعيشون في الغرب والسعى إلى تفعيل مؤسّساتهم ومراكزهم الفكرية والثقافية ، بهدف تبيان حقيقة الإسلام وأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحضارية والأخلاقية.
- إن الأمل كبير بدور المساجد والمراكز الثقافية والمُنتديات والجمعيات الإسلامية التي ترعى المسلمين ثقافياً ودينياً في الغرب ، في مواجهة هذه الحملة المُمنهَجة لتشويه الإسلام والمسلمين ، وطَمْس معالِم الحضارة الإسلامية .
هذه هى بعض الآليات والوسائل لمواجهة ظاهرة العداء أو الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) وهي تحتاج إلى مَن يؤكّدها ، ويُفعّلها ، فإذا ما تمّ ذلك فإن هذه الصوَر النمطية والعدائية للإسلام والمسلمين ، خاصة في مرحلة ما بعد داعش وأخواتها ؛ سوف تنتهي ، وسيبدأ من جديد النهوض العربي / الإسلامي الحقيقي ، مُبرَّءاً من سلبيات التاريخ ومِحَن الحاضر والتي أنتجها الإرهاب بإسم الدين والذي رعاه الغرب وموَّله ، طيلة السنوات الثماني الماضية . رحم الله شهداء نيوزيلندا وشهداء الأمّة في فلسطين واليمن وسوريا الذين ماتوا بأسلحة وتمويل وتخطيط غربي بامتياز . والله أعلم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً