علي أبو الخير

كاتب مصري.

المُصالحة الجغرافية والتاريخية بين حماس ومصر

وهي مصالحة ضرورية بحُكم التاريخ المشترك والجغرافيا الموحّدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، مصر تحتاج لحماس المقاوِمة بقدر ما تحتاج حماس لمصر بثقلها، ونرحِّب بأية محاولة للمصالحة بين الأشقاء، فضلاً عن الوحدة، ضد عدو يريد تمزيق العرب والمسلمين دائماً..

  • من لقاء بين رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية ومدير المخابرات المصرية خالد فوزي في العام 2017 (أ ف ب)

فلسطين في الفكر المصري، الشعبي والرسمي، هي أرض مُقدَّسة مُحتلّة من قِبَل الصهيونية العالمية، وبها أرض الإسراء والمعراج، كما أن العُمق الاستراتيجي لمصر يوجد الشرق حيث الشام ومنها فلسطين، كما  قال الدكتور "جمال حمدان" في كتابه "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" عن الأمن القومي المصري بأنه "يبدأ من البوابة الشرقية لمصر، ويتجاوز سيناء ليصل إلى فلسطين، فمعظم الغزوات التي استهدفت مصر انطلقت من الشرق، من شبه جزيرة سيناء"، فالطريق إلى مصر يمر عبر فلسطين، ومعظم الحروب التي انتصر فيها الجيش المصري، كانت على أرض فلسطين، مثل "حطين" و"عين جالوت"، وبالتالي فإن العُمق الجغرافي الاستراتيجي يبدأ من مصر للشام، وقد حاربت مصر الدولة الصهيونية عدّة مرات، وقدَّمت آلاف الشهداء من أجل نصرة فلسطين، كل هذا معلوم بالضرورة، ولا جديد فيه، فقط لنؤكّد بقاء القضية الفلسطينية حيّة في الضمير والسياسة المصرية، ولكن جرت في المنطقة أحداث كثيرة، منها استشهاد الزعيم الفلسطيني"ياسر عرفات"، الذي وقّع اتفاقيات "أوسلو" عام 1993، وأنشأ السلطة، رغم ما فيها من عيوبٍ استراتيجية، ولكنها في النهاية إطار حاول عرفات التعامل معه بكفاءة، وتعاملت مصر مع الملف من واقع عقدها اتفاقية سلام مع الكيان الإسرائيلي، هذا وقد ظهرت "حركة المقاومة الإسلامية" أو "حماس" عام 1987، وحدثت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي أجبرت القيادة الصهيونية على توقيع "أوسلو" والانسحاب من غزّة، وقد قدّمت مصر المساعدات لأهل غزّة، ولكن ظلّت مصر تنظر إلى "حماس" من منظور هاجِس الخوف من الإسلام السياسي والإمارة الإسلامية ذات السلوك التكفيري، ولكنها أيضاً لم تقم بأيّ عداء ضدّ الحركة، وحاولت جمع الصف الفلسطيني، منذ عام 2005 وحتى اليوم.

ثم حدثت تغييرات في المنطقة، منها اندلاع ما يُسمَّى بالربيع العربي، فحدثت في مصر انتفاضة|ثورة كانون الثاني|يناير2011، وحدث هروب جماعي لقيادات الإخوان المسلمين من السجون المصرية، بمُعاونة أشخاص مسلّحين من غزّة، مازال القضاء المصري ينظر فيها، وشهدت سيناء إرهاباً مُتعدّد الجنسيّات، وبدأت أفواج الإرهابيين تمرّ عبر الأنفاق من رفح المصرية إلى رفح الفلسطينية وبالعكس، وقد كان التهريب عبر الأنفاق يشمل كل شيء، السلاح والمخدّرات والمواد الغذائية والنفطية وحتى كروت الموبايلات، وشهد قطاع غزّة زيارة الشيخ الإخواني "يوسف القرضاوي" يوم 10 أيار|مايو 2013  وشتم وحرَّض ضد الجيش المصري أثناء لقائه مع قادة الحركة، وعندها شعر المصريون أن "حماس" صارت عدوّاً للدولة المصرية وللجيش المصري، كما استدعوا كلمة للرئيس بشّار الأسد قال فيها "كنا ندعم حماس ليس لأنهم أخوان، كنا ندعمهم على اعتبار أنهم مقاومة، وثبت في المحصّلة أن الإخوانجي هو إخونجي في أي مكان يضع نفسه فيه"، لأن حماس أغلقت في بداية المؤامرة على سوريا عام 2011 مكتبها في دمشق، وغادر قادة الحركة سوريا، وكل هذا صبّ في حال تدنّي العلاقات بين الدولة المصرية و"حركة حماس"، التي يُنظَر إليها كذراعٍ إخوانية مسلحة، موجّهة ضد مصر بحُكم القرب الجغرافي.

بدأت بوادر التحسّن النسبي بين مصر وحماس، بعد سقوط "الإخوان المسلمين" يوم 3 تمّوز|يوليو 2013، عندما سعت الحركة إلى العودة لمصر، وكانت دوافعها للتقارُب، أنه مهما استحكمت الخلافات مع الحكومة المصرية، فإن مصر بإمكاناتها البشرية والمادية والتاريخية تظلّ رصيداً للقضية الفلسطينية، وأن دور مصر مقبول لا يمكن الاستغناء عنه في توحيد الصف الفلسطيني، كما تُدرِك "حماس" خطورة استعداء مصر، لكونها المنفذ الوحيد لقطاع غزّة، فكل قيادات "حماس" يسافرون خارج القطاع إلى أية دولة، من خلال معبر "رفح"، وبموافقة مصرية، ومصر هي الوسيط العربي الإسلامي المقبول بين "حماس" وقوّات الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن حماس تحتاج مصر، بعُمقها وتاريخها، وبشعبها.

أما دوافع التقارُب المصري لحماس، فهي تكمن في كون "حماس" فصيلاً مقاوِماً فلسطينياً، وأنها فضّت علاقتها بالإخوان المسلمين، ومصر تحارب الإرهاب بكل ضراوة، وانتصرت عليه، ومازالت تحارب فلوله، وقد أدّى الإرهاب في مصر أن تهدم الأنفاق وتحمي الحدود من المهرّبين والإرهابيين، وهي تحتاج لحماس، سواء في محاربة الإرهاب، أو ضبط الحدود، ثمّ إن القطيعة المصرية مع "حماس" قبيل وبعد سقوط الإخوان، منحت دولاً لملء الفراغ مثل قطر وتركيا، ولكن مصر بمصالحتها مع "حماس" ملأت الفراغ وأبعدت الدورين القطري والتركي عن غزّة، وعن حدود الدولة المصرية.

ثمّ بدأ تحسّن العلاقات بين الحركة ومصر يتصاعد، فبعد أن تقرّبت حماس لمصر، ردّت مصر بإيجابية، فعندما قرّرت محكمة القاهرة للأمور المُستعجلة يوم 28 فبراير/ شباط 2015 اعتبار حركة "حماس" منظمة إرهابية، قامت الحكومة المصرية بتقديم طعن في الحُكم يوم 11 آذار|مارس 2015 وعلّق القيادي الحمساوي مشير المصري حينها، قائلاً "إن قرار الطعن المصري خطوة في اتجاه تصحيح الخطأ التاريخي"، هذا وظل التحسّن في العلاقات يتنامى، فقد أعلن القيادي "إسماعيل هنية"، الذي بقي في القاهرة مع وفد حمساوي ثلاثة أسابيع  في شهر شباط|فبراير 2019 ، أعلن عدم ارتباط حركة حماس مع جماعة الإخوان المسلمين، سواءً في مصر أو غيرها، وقال هنية:"ركّزنا على 5 ملفات لبحثنا ونقاشنا مع مدير المخابرات المصري "عباس كامل" وقيادة المخابرات العامة يتمثل أولهما في الملف السياسي واستعراض التطوّرات السياسية على القضية الفلسطينية، والحديث عن التحديات وصفقة القرن، وما يجري الترتيب له في المنطقة، وانعكاس ذلك على ما تتعرّض له مدينة القدس والقرارات الأميركية، ومحاولات تصفية قضية اللاجئين، ومحاولات الفصل بين الضفة وغزّة، والمخاطر التي تتعرّض لها الضفة الغربية وتغوّل المستوطنين"، ومن هنا يمكن القول إن ما يحدث هو تعاون مشروع قائم غير مُعلَن بين مصر وحماس، وتسعى مصر التقريب بين السلطة الفلسطينية والحركة، خاصة أنهما اتفقتا على رفض صفقة القرن، والرئيس "عبدالفتاح السيسي" في أغلب لقاءاته، يُردّد بأن الأمن في الشرق الأوسط لن يستقر إلا بحل القضية الفلسطينية، وإن مصر لن تقبل إلا بما يقبل به الفلسطينيون، وهو تصريح كان له مردود إيجابي عند قادة الحركة، ثم اتخذت مصر عدّة خطوات خلال شهري آذار|مارس ونيسان|أبريل 2019، تمثلت في فتح معبر رفح أمام المُعتمرين الفلسطينيين، والإفراج عن عددٍ من عناصر الحركة اعتُقلوا عام 2015، وهو ما أسهم كثيراً في رَأْب التصدّعات في العلاقات بين الدولة المصرية وحركة حماس.

وهي مصالحة ضرورية بحُكم التاريخ المشترك والجغرافيا الموحّدة بين الشعبين المصري والفلسطيني، مصر تحتاج لحماس المقاوِمة بقدر ما تحتاج حماس لمصر بثقلها، ونرحِّب بأية محاولة للمصالحة بين الأشقاء، فضلاً عن الوحدة، ضد عدو يريد تمزيق العرب والمسلمين دائماً.. إن شاء الله تكتمل المصالحة بين مصر وحماس، وبين حماس والسلطة، وبين العرب والمسلمين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً