بسكويت وخبز

نحن لا نكتب عن السعادة لأنها تُجاهِر بنفسها. أما الحزن فيختبئ داخلنا كطفلٍ مُغمَّض العينين.

  • بسكويت وخبز (Edvard Munch)
    بسكويت وخبز (Edvard Munch)

استيقظت مذعورة. دقّات قلبها تتسارع وتحسّ بدوار. تتلفَّت يميناً ويساراً. لا أحد هنا غيرها. حاولت تهدئة نفسها. اعتقدت لوهلةٍ أن سبب خوفها هو الكابوس الذي تراه كل ليلةٍ تقريباً. شبح امرأة مجهولة ترتدي ثوباً أبيض وغطاء رأس لا يُظْهِر منها سوى شعر طويل مُنْسَدِل ويدين ناعمتين وطويلتين كعازِفة بيانو. لكن الأنين لا يتوقّف. صوت قَلِق ومُفْزِع! أين هي وكم الساعة؟ لا تدري! تكتفي بمحاولة تهدئة قلبها بالضغط على صدرها!

قلَّة النوم التي تُعاني منها منذ سنواتٍ سترافقها طيلة حياتها وعدم تمييزها المكان والزمان كلما نامت ساعتين أو ثلاث، ربما سيكون نمط حياتها المقبلة. 

إنه هاتفها الجوّال، نعم .. هو مَن يُصْدِر هذا الأنين المُزْعِج. تُكرِّر كلمة واحدة "اهدئي". تلمّست حولها في العتمة. إنها جالسة في فراشها. بدأت تستوعب قليلاً ما يحدث، آه وجدته.

ردَّت بسرعةٍ جنونيةٍ: "شو في؟ مين؟ مين أنت؟" ثم أقفلت الخط في وجه المُتّصل لا تدري لماذا.

وضعت الهاتف جانباً. عاودت إمساكه ونظرت إلى الشاشة. إنها الرابعة صباحاً. المُتّصل هو محسن. هناك 20 مُكالمة فائِتة مُسجّلة باسمه. اتّصل مُجدَّداً ولم يمنحها حتى فرصة أن تردّ قائلة "ألو".

"أنا طالع من سوريا بعد شوي، سامحيني"

"شو، شو عم تحكي؟"

لم يُجبها. اتصلت مرات عديدة لكن خطّه مُقفل. على الأرجح، سيكون كذلك إلى الأبد أو ربما ستبيعه شركة الاتصالات لشخصٍ آخر بعد فترة!

بين الصحو والنوم والخوف والصدمة، تحاول التركيز، جرَّت قدميها نحو النافذة وفتحتها بسرعة. الجو في الخارج بارد جداً، ورغم ذلك ظلَّت واقفة بفستان نومها الخفيف، تنظر إلى اللا شيء! 

تسترجع نبرة صوت محسن، لم يكن حزيناً، بل سعيداً وكلماته كانت مُجرَّد إعلان لنهاية كل شيء بينهما، وكأنه يريد أن يقول لها، لا تنتظريني.

ظلَّت واقفة أمام النافذة إلى أن أشرقت شمس جديدة على حياة ستكون مُغْرَقة في العتمة والتيه والخوف واللوعة. لقاؤهما الأسبوعي الوحيد كان في مكانٍ واحدٍ وهو القيمرية. المكان الأجمل على وجه الأرض. رسما أحلامهما هناك، في قلب المدينة القديمة الذي يحتمي بالأسوار من دون أن يُطلّ على أيٍّ منها. احتميا من عيون الأقارب والجيران ولو لساعاتٍ قليلة، ثم تحوَّلت الساعات إلى أشهر، والسنة إلى تسع سنوات منذ آخر عام لهما معاً في الجامعة. 

هي وجدت عملاً لكن هو لم يوفَّق في ذلك. كان يعيش على حصَّته من المحاصيل الزراعية التي تمتلكها عائلته. لكن ذلك لم يدم طويلاً. فقد أُحْرِقَت أراضيهم بسبب انتمائهم للوطن!

نعم، انعكست الآية. في السابق الخائِن يدفع ثمن خيانته بقَطْعِ رأسه أو إعدامه أمام العامة. أما اليوم فقد أصبحت الشعوب تدفع ثمن انتمائها لوطنها، فيما الخونة يكشفون عن هويّتهم ولا يختبئون أو يتنكَّرون. حتى أنهم يظهرون على نشرات الأخبار.

تحمَّلت الحبيبة المجهولة انتقادات معارفها وشكوك أهلها، بسبب رفضها للزواج، على أمل أن يتجرَّأ محسن ويتقدَّم إلى والديها، لكنه كان يرفض بسبب عدم إيجاده وظيفة في اختصاصه. ظلَّت مُخْلِصة ومُسانِدة لحبيبٍ لتسع سنوات في كل المِحَن التي مرّ بها، وهو تخلَّى عنها عند الساعة الرابعة صباحاً في يومٍ شتائي باردٍ بعبارتين!

بعد عامين من هذه النهاية أصبح بينها وبين النافذة علاقة غريبة. بعدما فقدت الأمل بعودته أو معرفة أخبار عنه، إلى غاية اليوم الذي عرفت فيه مصيره، وما أبشع ذلك المصير!

النافذة كانت خشبة المسرح والجمهور هم المارّة. تخاطبهم كمجنونةٍ، وكيف لا يكون كذلك؟ فما جرى كان تراجيدياً، وأية امرأة أحبّت بهذا الجنون سيصعُب عليها تصديق ما رأت عيناها؟ رأته في فيديو رائِج على مواقع التواصل، وهو يُذْبَح على يد تنظيم إرهابي في سرت الليبية.

خاطبت الجمهور: لماذا تخلّيت عني في مرحلةٍ أكثر ما تحتاج فيه المرأة هو رجل يحميها ويُشجّعها ويؤنِس وحشة الحرب عليها؟ لماذا فضّلت الموت ذبحاً على أن تكون بيننا؟ لا تقل لي إنك لم تكن على دراية بما يجري هناك؟ فـ "الأحوال من بعضها". الإرهاب نفسه اجتاح هذا العالم. العالم الأميركي بامتياز. أصبحت الوطنية مُخَلْخَلة ككرسيّ خشبي قديم مركون في زاوية غرفة يكتفون بالترحّم على أيامه كلما وقعت أعينهم عليه. هل تعلم أنني أرى أنك لست شهيداً؟ فالشهداء يموتون من أجل قضية وما قضيتّك أنت؟ تخلّيت عن كل القضايا بما فيها الحب من أجل المال؟

ذهبت للبحث عن "بسكويت الأجانب الذي اعتبرته خيراً من خبز الوطن". أتذكر استهزأت بي يوم أخبرتك هذه المقولة المعكوسة لفولتير، وقلت إن المثاليات لا تُطْعِم عائلة، وهل التخلّي يُطْعِم عائلة وهل الوطنية مثالية؟ وهل الذين استشهدوا من رفاقك هنا على هذه الأرض مثاليون؟ ربما! وهل المثالية خطيئة؟

صدّقني، البقاء في الوطن كان أفضل لك ولنا جميعاً، نحن مَن أحببناك. هنا على الأقل يستطيع المرء أن يتَّهم الآخرين بكل شيء، وأن يبرِّئ بذلك نفسه كما قال دوستويفسكي يوماً. على الأقل كنت بيننا اليوم، أو على الأقل كنت متّ في أرض تعرفك وتعرف رائحتها وتستسلم لثراها كرضيعٍ في حضن أمّه.

قبل أن أتعرَّف عليك، أعدت فتح دفتر حساباتي العاطفية وعثرت بين السطور على سذاجتي وحماقاتي. حزنت وفكَّرت بالانتقام لكرامتي التي هدرتها أيضاً قبل أن يُهْدَر دمك بسنوات. لكني لم أفعل شيئاً. لقد خطَّطت لشراءِ دفترٍ جديدٍ أدوِّن عليه كل ما يجب التصرّف به، لكني مع الوقت نسيت، وعدت إلى الباب الخطأ مُستثمرة كل ما أمتلك معك، وماذا فعلت؟ تركتني وحيدة، أجادل جدران الغرفة والمارّة، أنا التي أحببتك كما لم تحب امرأة رجلاً.

تسألني دائماً لماذا أحببتك؟ أقولها لك اليوم بعد سنوات من الكرّ والفرّ في علاقتنا وموتك الفُجائي والمُحْزِن والصاخِب.. إنهما عيناك.

لعينيك قصة معي، بدأت منذ تكويني. غريب أن يكون الشبه بينهما إلى هذا الحد الكبير. إنهما مُتطابقتان. عندما أتأمَّل عينيك لا أستطيع إلا أن أرى وجه والدي. لست أدري، لكن هل يمكن أن يكون التقمّص جسدياً؟

لا أدري، هل أشتاق اليوم إلى عينيّ والدي الذي نهش السرطان جسده ثم سلبه روحه؟ أمْ لعينيك اللتين لم أرهما عندما عرضوا ذلك الفيديو المشؤوم على شاشة التلفزيون، بينما هؤلاء السادّيون يذبحونك؟ لماذا اخترت الموت في بلدٍ غير بلدك؟ لم يقف إلى جانبك أحد منهم. تركوك وحيداً. صمتك لم يُنقذك وفضحك وَشْم السيف على زندك.

قتلتك "سرت" مثلما قتلت أحلام الليبيين. فتحوا باب جهنّم على أنفسهم. قسَّموا أرض عُمر المختار واقتتلوا من أجل السلطة تحت تصفيقات وسُخرية الأعداء.

ذلك المشهد الذي تقلّ مدته عن الدقيقتين يُسيطر على تفكيري ويُدْخلني في اكتئابٍ صامت. لم ينفع معي لا شيخ ولا طبيب كما تقول والدتي. أبحث عنك دائماً في المدينة القديمة. أتردَّد على مقاهيها وحاراتها وزواريبها الضيّقة. لم استسلم يوماً في بحثي عنك.

أكتب لك وعنك. لا تقل لي اكتبي عن السعادة التي جمعتنا في تلك الشوارع والمقامات ونحن نتبادل نظرات الحب على حياءٍ من حرَّاس الأماكن!

نحن لا نكتب عن السعادة لأنها تُجاهِر بنفسها. أما الحزن فيختبئ داخلنا كطفلٍ مُغمَّض العينين هاربٍ من تخيّلاته الطفولية. لذلك نكتب عنه لنُجرّده من عدائيّته تجاهنا. الحزن هو قيامة دنيوية تُحاسبنا على كل الخطايا التي ارتكبناها والتي لم نرتكبها. عن الرحيل والغياب والفُقدان والنهايات غير المُتوقّعة. كما نهايتنا التي اقتلعتك من جذورك ودفنتك مع آخرين. 

أنا سأبقى هنا وعندي يقين أنني سأرى عينيّ أبي مرة ثانية. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية