أنين الفراشات

تقودني نظراتي المُتمرّدة إلى عالمهم ويتكسّر سكوني وتتحطّم خلوتي المُقدّسة مع البحر.

  • أنين الفراشات (Dale G. Wolf)
    أنين الفراشات (Dale G. Wolf)

تنساب المياه المالِحة على ساقيها العاريتين، وتدغدغ قطراتها خدّيها الحمراوين، وتنتشي بفورة شبابها وحرارة عشق هلامي مُنبثقة من جسمها المُكتنز. تحلّق بأمانيها في الأعالي وتقبل حمرة الشمس الغائبة وترسم بأشعتها الهاربة أجمل الأحلام، وتصول وتجول بين الأزهار، ولا تلمس أبداً تلك الأحراش.

أحبك...

همست بها في أذنه بصوتها الرخيم ونظرت في عينيه بوثوق شديد والتصقت الأجساد في حركة بريئة تصدق اعتقادها في حب أبدي يعبد منعرجات الزمن ويكسر مطبّات الأيام.

هناك فوق صخرة مقابلة لمسرحهما، فراشة أخرى تحلّق بجناحيها فوق السحاب، وترشف رحيقاً ليس كالرحيق، وتُعَلّم الطيور التغريد، وتسبح مع نسمات الربيع في خيالات جميلة، وتنشر في الفضاء وبين النجوم حديث الشوق ولوعة اللقاء ولهفة وداع الحبيب.

وأنا من بعيد أهمس لها بحرقة: التفتي إلى عالمي.

ناديتهم.. هناك وسط الدجى، وخلف الأسوار، وتحت الأشجار، وبجانب الأنهار. كلهم يسبحون في عبقٍ غريب، ولا أحد منهم يريد أن يلتفت إلى عالمي.

من حينٍ إلى آخر تقودني نظراتي المُتمرّدة إلى عالمهم ويتكسّر سكوني وتتحطّم خلوتي المُقدّسة مع البحر. شيء ما بداخلي يُناديني، يهزّني، يحثّني على الوقوف مُنتصباً والصراخ بصوت يزلزل الفلسفة والتاريخ وجميع العلوم والفنون ويصدح في الجموع: التفتوا إلى عالمي.

لكني ألجم هواجسي وأعود لخلوتي ومُناجاة الأمواج، أعاتبها على لطم الصخور وتلومني على طمس ظلمة الذكريات. أتألّم وأتأوّه.. ثم أقوم بحركةٍ لا إرادية بيدي وكل جسدي؛ فأنتبه إلى عيون تراقبني بحذر يكتم شكاً في سلامتي العقلية. 

أنتفض مُتمتماً بكلمات مُبهمة وأخرى واضحة. بصوت خفيت وآخر جهوري، أساءل الأحداث وأستحضر حكاياتي الحزينة وألطمها بابتسامة واهية فتلطمني بآهات قاسية، أقوم منفعلاً وأشتم عالمهم وأترك خلفي مشاهد من أحلامي المُحطّمة فوق رمال عابثة وأكتم صرخة ثائرة في أعماقي، تدعو الفراشات إلى الالتفات إلى عالمي.      

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]