خالدة غوشة

روائية فلسطينية

أسرانا أنبل مكوّنات مجتمعنا الفلسطيني

رغم كل الضغوطات التي يتعرض لها أسرانا إلا أننا نشاهد همّة لهم ما بعدها همّة، فمنهم من حصل على الشهادات العليا وهو داخل أقبية السجون، ومنهم من نجح في تأليف العديد من الكتب والروايات والدراسات.

  • أسرانا أنبل مكونات مجتمعنا الفلسطيني

إن الحركة النضالية للشعب الفلسطيني هي الأطول في العالم، فهو الشعب الوحيد الذي لم يحكم نفسه بنفسه منذ أكثر من مئة عام فهو ينتقل من هيمنة إحتلالية إلى أخرى ولو إختلفت المسميات، إلى أن كان الإحتلال الإسرائيلي الأطول والأخطر. فهو لا يعتبر إحتلالاً كلاسيكياً، إنما وبحسب رأي الشخصي، هو إحلال فهو يعمل جاهداً ليحل مكاننا في كل شيء، فهو يحل مكاننا في الأرض ويحل نفسه على مقدساتنا بل يعمل على قدم وساق ليحل تفكيره علينا يريد أن يحتوينا أو ينفينا. إنه إحتلال متواصل، إحتلال ضم وتوسع. لهذا فإن الحركة الوطنية والإسلامية في فلسطين تطورت في أدائها على مر زمن الإحتلال لأنها أيقنت أن هذا الإحتلال سيكون طويل الأمد وبالتالي نضالنا لا بد أن يكون طويل الأمد.

لكل ذلك، كان لا بدّ من ظهور حركة أسيرة لا تشبه غيرها من الحركات، لذلك تمكنت من تحويل معتقلات الإحتلال إلى قلاع وكليات نضالية خرّجت الاَلاف من المناضلين المؤمنين بقدسية قضيتنا وعدالتها. لهذا فأنا أرى الأسير الفلسطيني أنبل مكوّنات المجتمع الفلسطيني وتحديداً في العشرين عاماً الأخيرة من مسيرة النضال الفلسطيني، كون الأسير الفلسطيني والمقاوم الفلسطيني اليوم يعيش أصعب مراحل الحركة الأسيرة.

وللتوضيح أكثر فإن المجتمع الفلسطيني بأغلبية مكوناته أصيب بالإحباط والإنكسار، في ظل ما يعرف بـ"إتفاقية أوسلو" التي اُبرمت بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الغاصب منذ أكثر من عشرين عاماً، وتلك الإتفاقية أخفقت في علاج موضوع الأسرى الذين إعتقلوا قبل العام 1994 حيث نصّت الإتفاقية على ضروروة الإفراج عنهم. ولكن دولة الإحتلال وكعادتها تتنصل من التزامها بالإتفاقيات، فلم تلتزم ولم تنفذ الإتفاق الخاص بهم ولم تفرج عنهم، ليبقى الأمل لدى آسرانا البواسل بعمليات التبادل التي ساهمت بالإفراج عن اَلاف الأسرى على مدى عمر المقاومة الفلسطينية.

إن الأسرى الفلسطينين اليوم يعيشون على أمل التحرر عبر المقاومة. وهم يعيشون في أقبية السجون في مواجهة دائمة مع المحتل في محاولة للحفاظ على الإنجازات التي تم تحقيقها على مدى عشرات السنين. فحال الأسير الفلسطيني في حالة إشتباك دائم منذ كان مقاوماً قبل الإعتقال إلى أن أضحى مناضلاً داخل أقبية السجون خاصة وأن الإحتلال الإسرائيلي يتفنن في مواجهة الأسير الفلسطيني من معتقلات في الصحراء مثل نفحة، إلى معتقلات أخرى ذات إدارة عنصرية مثل باقي المعتقلات أمثال: عسقلان والجلمة وبئر السبع.

لذلك ترى أن الأسير الفلسطيني لا يعيش همّه الشخصي فقط داخل المعتقل بل يعيش مأساة عائلته التي اتخذها الإحتلال رهينة. وما ذلك إلا للضغط على الأسير الفلسطيني. فما أن يلتقي الأسير في الزيارات بعائلته لمدة 45 دقيقة تبدأ معاناته لحظة التقائه معهم كونه يلمح مظاهر التعب والإرهاق على وجوه محبيه الذين أجبروا على الإستيقاظ في ساعات الفجر الأولى، ليقطعوا مئات الكيلومترات في الصحراء ليصلوا إلى المعتقل. فهذه الزيارة التي يفترض أن تبعث الأمل لديه وتزيل عنه هموم السجن والسجان فتراه يعود إلى زنزانته مثقلاً بالهموم لكل ما شاهده، وإن كان المعتقل لا يبعد سوى عشرات الكيلو مترات من مكان سكن العائلة.

ما إن تصل إلى بوابة المعتقل حتى تتعرض لكل أنواع الذل والإهانة من شتائم وتفتيش جسدي مذل ومهين. فما أن يلتقوا بإبنهم أو والدهم أو إبنتهم يلمح الأسير ملامح الإنكسار في عيونهم، وهو عالم بما جرى معهم دونما يسأل. لكل هذا أعتبر أسرانا أنبل مكوّنات مجتمعنا فهم يتحملون كل ذلك بصبر وثبات وهمة، بل هم من يبعثون الأمل في أهاليهم.

المطلوب منهم كثيراً، فبعدما قاوموا وأُسروا وحُوكموا لا يزال المطلوب منهم الكثير في المقاومة والثبات. وأصعب ما في حياة أسرانا أنهم حين يُحاكمون يُحكمون لمئات السنين. فهناك من أسرانا من هو محكوم بمئتي عام أو مئة وخمسون عاماً. لهذا ترى نضالهم يستمر لعشرات السنيين فهناك من دخل المعتقل وعمره 17 عاماً وغادرة وعمره 53 عاماً. عمر كامل داخل غرفة لا يتغير فيها شيء على مدى أربعين عاماً أو خمسين عاماً.

ولا ننسى وكما قلت أن الهم الأكبر لهم هو الأهل فهم دوماً يفكرون في من تركوهم في الخارج لتأتي إدارة السجون وتمنع زيارة الأهل أو تمنع بعضهم فتخيل أن تحيا في نفس الوطن مع والدتك ولا تراها على مدى عشرة أعوام وقمة الإنتقام للمحتل من أسرانا حين تتوفى الوالدة أو الوالد الذي لم ترَه على مدى عشر سنين.

نعم أسرانا أنبل مكوّنات مجتمعنا الفلسطيني. والأصعب في ملحمة البطولة للأسرى حين يجتمع أشقاء في غرفة واحدة، مرة شقيقان أو ثلاثة أو أربعة أشقاء، تلك ملحمة ليس لها مثيل فتخيل أن والداً محكوم 15 عاماًَ كان عمر إبنه حين أعتقل عام ليلتقي معه بعد 15 عاماً في المعتقل.

أعتقد أن هؤلاء يملكون شيئاً لا يمكن لأي منا أن يمتلكه. فهم يفكرون بالكل لا بالفرد، يفكرون أن الخلاص جمعي وليس فردي. وأعتقد أن المواجهة مع الأسرى لم تقف عند هذا الحد، فقد دخلوا اليوم في مواجهة أوسع حين طالبت سلطات الإحتلال السلطة الفلسطينية بوقف رواتب أهالي الأسرى، وبالطبع بدعم أميركي كامل. وهنا أصبح الأسير الفلسطيني يعيش تحت عشرات المطارق، فها هو يعيش هم أبنائه وزوجته أو والده ووالدته، خاصة إذا كان المعيل الوحيد لتلك الأسرة.

ورغم كل تلك الضغوطات إلا أننا نرى ونشاهد همة لهم لا بعدها همة فمنهم من حصل على الشهادات العليا وهو داخل أقبية السجون، ومنهم من نحج في تأليف العديد من الكتب والروايات والدراسات. وإذا قُدر له أن يغادر تلك السجون، تراه أكثر نضالاً وأكثر ثورية ليمضي عاماً أو عامين في الحرية ليأتي الإحتلال ويعيد اعتقاله فتراه داخل المعتقل أكثر همة وثباتاً، لهذا سأنهي مقالتي بعنوانها: أسرانا أنبل مكوّنات مجتمعنا الفلسطيني.