بين الكابيتول الأميركي وكونغرس البرازيل.. أوجه الشبه في الاقتحام والتطرف

في سيناريو مشابه لما شهدته العاصمة الأميركية واشنطن، في عام 2021، أنصار الرئيس البرازيلي السابق يقتحمون الكونغرس في برازيليا ومبانيَ حكومية أخرى. فما هي أوجه التشابه والتباين بين الحدثين؟

  • البرازيل
    أوجه التشابه والاختلاف بين اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي ومبنى الكونغرس البرازيلي

في مشهد يذكّر باقتحام مبنى الكابيتول الأميركي، اقتحم مئات من مناصري الرئيس البرازيلي السابق، اليميني المتطرف جايير بولسونارو، أمس الأحد، مقارّ السلطات الرئيسة في برازيليا، ومبنيَي الكونغرس والمحكمة العليا وقصر بلانالتو الرئاسي، متسببين بكثير من الأضرار.

ويحتجّ هؤلاء المتظاهرون على عودة الرئيس إيناسيو لولا دا سيلفا رئيساً للبرازيل بعد تنصيبه رسمياً الأسبوع الماضي، في إثر تقدّمه على بولسونارو في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي جرت في 30 تشرين الأول/أكتوبر.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتسبب فيها أنصار الرئيس السابق بالفوضى في البرازيل، بحيث شهدت العاصمة برازيليا، يوم 13 كانون الأول/ديسمبر، أعمال عنف بعد تصديق المحكمة الانتخابية العليا رسمياً على فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات، في آخر فصل من فصول التصديق النهائية على فوز اليساريّ المخضرم على حساب الرئيس اليميني المتطرّف.

ماذا حدث في العاصمة برازيليا؟

بدأت أعمال الشغب باقتحام مئات من مناصري بولسونارو، أمس الأحد، مقارّ السلطات الرئيسة في برازيليا، ومبنيَي الكونغرس والمحكمة العليا وقصر بلانالتو الرئاسي، حيث صعدوا إلى أسطح المباني وتجمعوا على سطوحها.

وأخلت الشرطة مقرّ الكونغرس الوطني، الأحد، بعد عدة ساعات على اقتحامه من جانب أنصار بولسونارو. وحتى منتصف الليل كانت العمليّات لا تزال جارية لإجلاء مثيري الشغب من مقرّ المحكمة العليا وقصر بلانالتو الرئاسي، بحسب ما نقلت "فرانس برس".

واقتحم أنصار بولسونارو مدخل "الكونغرس"، وحطموا نوافذ واجهة المبنى، بحسب ما عرضت قنوات تلفزيونية برازيلية. وكان مئات المحتجين تقدَّموا، في وقت سابق، داخل مبنى البرلمان ووصلوا إلى سطح المبنى.

وبعد اقتحام الكونغرس، تحرّك أنصار بولسونارو إلى المحكمة العليا، حيث حطّموا نوافذها ودخلوا البهو، ثم دخلوا بعد ذلك إلى المقر الرسمي لعمل الرئيس، بحيث لوّحوا بالأعلام البرازيلية، ودخلوا الممرات والمكاتب، بحسب الفيديوهات التي تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وذكرت وكالة الأنباء الإسبانية "إي أف إي" أن محتجين يرتدون قمصاناً صفراء وخضراء ويحملون أعلاماً برازيلية هاجموا بعض سيارات الشرطة، التي كانت تؤمّن مبنى الكونغرس، ودمّروا حواجز الحماية.

واستخدمت قوات الأمن البرازيلية الغاز المسيّل للدموع من أجل تفريق المقتحمين، لكنّ جهودها فشلت في تفريقهم، الأمر الذي دفع الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، إلى توقيع مرسوم يأمر بموجبه السلطات بالتدخل في مقاطعة برازيليا الفيدرالية.

وأعلنت وسائل إعلام برازيلية أنّ القوات الأمنية استعادت السيطرة على الكونغرس والمحكمة العليا والقصر الرئاسي، بعد ساعات على الاقتحام، مع إيقاف مئات المتورطين في الهجوم.

دور بولسونارو في تأجيج الفوضى

في الأشهر التي سبقت هزيمته في الانتخابات، أثار بولسونارو مراراً الشكوك في شرعية التصويت، من دون الاستشهاد بأي دليل على مزاعمه المتعدّدة. وبعد خسارته في الجولة الأخيرة، صعّد بولسونارو تلك الشكاوى، باحثاً عن دعم لأقواله من جانب المنظمين والمؤسسات البرازيلية.

ورفض رئيس المحكمة الانتخابية البرازيلية حينها التماس بولسونارو لإلغاء بطاقات الاقتراع، ووصف ادعاءات الرئيس المنتهية ولايته، والتي قال فيها إن مجموعة من آلات التصويت تعطّلت، بأنها "سخيفة وغير مشروعة"، و"ظاهرة تآمرية تجاه حكم القانون الديمقراطي".

من جانبها، لم تجد وزارة الدفاع البرازيلية أي دليل على وجود تزوير أو تضارب في العملية الانتخابية، في تقرير لها نُشر في تشرين الثاني/نوفمبر.

ومع ذلك، رفض بولسونارو الاعتراف صراحة بالهزيمة في التصويت، بينما أصر أيضاً على أنه سيمتثل للدستور البرازيلي في أثناء تسليم السلطة إلى لولا. وفي النهاية، هرب من البلاد عشية تنصيب لولا.

وعلى الرغم مما أبداه الرئيس السابق، من خلال دعوته إلى التهدئة عقب أعمال الشغب، فإن مطلعين قالوا إن حملة بولسونارو، التي استمرت أشهراً في زرع الشكوك بشأن الانتخابات، أرست أساس أعمال الشغب التي جرت، وشجعت في النهاية مؤيديه على إطلاق احتجاج يوم الأحد.

اقرأ أيضاً: رئيس البرازيل: بولسونارو شجّع على الغزوات.. وسنعاقب من دعم ذلك

تكرار للمشهد الأميركي!

من حيث السيناريو، ثمة تشابه في المشهد كثيراً بين ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية، حين اقتحم أنصار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبنى الكابيتول، وأحدثوا فيه أعمال شغب، وبين ما شهدته العاصمة البرازيلية، أمس الأحد، من جانب أنصار بولسونارو، الذي خسر الانتخابات الرئاسية البرازيلية أمام لولا دا سيلفا.

فأين تكمن نقاط التشابه بين السيناريو الأميركي والسيناريو البرازيلي؟

أولاً، سعى بولسونارو، الرئيس اليميني السابق للبرازيل، طوال عدة أشهر، لتقويض نتائج الانتخابات التي خسرها، وفق الطريقة نفسها التي تعامل بها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية عام 2020، بحيث هاجم مناصرو بولسونارو المباني الحكومية الرئيسة وفق الطريقة ذاتها التي اقتحم بها مناصرو ترامب الكونغرس الأميركي.

ثانياً، لكل من الرئيسين السابقين، ترامب وبولسونارو، حلفاء كانت مهمتهم التشكيك في نتائج الانتخابات في كِلتا الدولتين. وبلغت هذه الجهود، التي بذلها بولسونارو وحلفاؤه، ذروتها الآن في محاولتهم قلب نتائج الانتخابات البرازيلية، وإعادة الرئيس السابق إلى السلطة.

ثالثاً، بعد ساعات على بدء أعمال الشغب في البرازيل، نشر بولسونارو رسالة في وسائل التواصل الاجتماعي يدعو فيها إلى السلام، مثلما فعل ترامب تماماً، بحيث دعا إلى التهدئة في وقتٍ كانت السلطات أعلنت فعلاً أنها سيطرت على الوضع.

.. وأين يكمن التباين؟

لكنّ الهجومين لا يتشابهان بصورة كاملة، فمثيرو الشغب في الولايات المتحدة حاولوا إيقاف التصديق الرسمي على نتائج انتخابات عام 2020، وهي كانت خطوة نهائية قبل تنصيب الرئيس الجديد، جو بايدن.

أمّا لولا دا سيلفا، الرئيس الجديد للبرازيل، فأدّى اليمين الدستورية قبل أكثر من أسبوع، وتم التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية من جانب المحكمة الانتخابية في البلاد، ثم تمت عملية الاقتحام.

ووفق أستاذ القانون الدستوري في جامعة ريتشموند،  كارل توبياس، فإنّ بولسونارو لم يكن قريباً من العاصمة، حيث أثار مناصروه الشغب في مبانيها الرئيسة. أمّا ترامب فكان أقرب إلى بؤرة الفوضى آنذاك.

ويبدو أن أحداث البرازيل أعادت إلى ذاكرة المشرّعين الأميركيين أحداث الكابيتول، بحيث أجرى عدد منهم مقارنات بين الاقتحامين، مطالبين، عبر حساباتهم في "تويتر"، بالتحرك من أجل معرفة من يقف وراء دعم المتمردين في البرازيل، الذين اقتحموا الكونغرس، وذلك بعد اقتحام الكابيتول سابقاً في الولايات المتحدة من جانب مثيري الشغب.

اقرأ أيضاً: دول أميركا اللاتينية عن أحداث البرازيل: تحرّك فاشي.. ونتضامن مع دا سيلفا

غياب بارز لقوات الأمن البرازيلية!

وكانت الشرطة العسكرية في برازيليا غائبة عن المشهد في أحداث يوم الأحد، ولم يواجه المحتجون معارضة تُذكَر في أثناء سيرهم نحو المباني الثلاثة للحكومة، على غرار ما جرى يوم أحداث اقتحام الكابيتول في الولايات المتحدة.

وفي إثر ذلك، أمر قاضي المحكمة العليا، ألكسندر دي مورايس، بإبعاد إيبانييس روشا، الحاكم الموالي لبولسونارو في المقاطعة الفيدرالية، حيث تقع برازيليا، عن منصبه مدة 90 يوماً، وسط غضب من أن السلطات فشلت في منع الهجوم.

وكتب دي مورايس أن الهجمات "كان من الممكن أن تحدث فقط برضا من جانب سلطات الأمن العام والاستخبارات، أو حتى عبر مشاركة مباشرة منها".

وعلّق لولا أيضاً بالقول إنّ هيئات تطبيق القانون في العاصمة أظهرت "عدم كفاءة، أو سوء نية، أو حقداً" تجاه ردع أعمال الفوضى، متوعداً باتخاذ إجراءات سريعة.

ووفق صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، أمضى المراقبون شهوراً في التحذير من أن المتمردين الداعمين لبولسونارو قد ينظمون نسخة أميركية جنوبية من اقتحام الكابيتول الأميركي على أمل قلب فوز لولا لمصلحة زعيمهم.

وبحسب المراقبين، لطالما ألمح بولسونارو إلى أن الانقلاب العسكري قد يكون قيد الإعداد، وسينفذه مناصروه في حال رحيله.

وقال السفير الأميركي السابق لدى البرازيل، توماس شانون، إنّ الأسابيع التي سبقت تنصيب لولا شهدت إشارتين واضحتين إلى العنف الذي كان سيندلع.

ففي 13 كانون الأول/ديسمبر، حاول المتطرفون اقتحام مقر الشرطة الفيدرالية في برازيليا، وإضرام النار في الحافلات والسيارات في أثناء تحركها عبر المدينة. وقبل ذلك تم القبض على متطرف آخر من مؤيدي بولسونارو، وزُعم أنه اعترف بمؤامرة من أجل تفجير مطار برازيليا، في محاولة لإثارة الاضطرابات التي قد تبرر الانقلاب العسكري.

اقرأ أيضاً: اعتقال أكثر من 400 شخص شاركوا في أعمال الشغب الأخيرة في البرازيل