"جرف الصخر".. التي منها أُسقِط مشروع "داعش" في العراق

لم يكن تحرير ناحية "جرف الصخر"، التابعة لمحافظة بابل وسط العراق، من تنظيم "داعش"، في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2014، كتحرير غيرها من المناطق، نظراً إلى المشروع ذي الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والطائفية، والذي أراد التنظيم تنفيذه انطلاقاً منها.

  • بعد هزيمة "داعش" في "جرف الصخر"، تغيّرت فيها أشياء كثيرة، في طليعتها اسمها الذي صار "جرف النصر"

كان اسمها "جرف الصخر"، منذ زمنٍ يعود ربّما إلى عمر الصخور التي سُمّيت، تيمّناً بها، تلك المنطقةُ، الواقعة على ضفاف نهر الفرات، على بعد نحو 70 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من العاصمة بغداد.

بعد هزيمة تنظيم "داعش" ودحره منها، من جانب الجيش العراقي والقوات الرديفة المساندة له، تغيّرت أشياء كثيرة في تلك المنطقة. وفي طليعة هذه المتغيرات، كان الاسم. صار اسمها "جرف النصر"؛ اسماً ذا بُعدٍ عاطفي وواقعي في آنٍ واحد.

بين احتلال الموصل وطرد "داعش"

تزامن سقوط محافظة الموصل الشمالية في يد تنظيم "داعش" مع احتلال هذه الناحية التابعة لمحافظة بابل، وذلك في حزيران/يونيو من عام 2014.

لم تَعِش "جرف الصخر" في كنف التنظيم أكثر من 4 أشهر، بحيث تم تحريرها منه في 24 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، بعد معارك استمرت نحو أسبوعين، تلاها نصرٌ يمكن اعتباره سريعاً، في كل المقاييس، نظراً إلى الأهمية التي كان يُوْليها "داعش" لسيطرته على المنطقة، والمشاريع التي كان يُعِدّها لها وللمناطق المحيطة بها، ونظراً كذلك إلى "الهالة" التي أحاطت بالتنظيم في تلك الفترة، بعد احتلاله سلسلةً من المدن والمناطق في كلٍّ من سوريا والعراق.

بعد الغزو الأميركي للعراق، عانت "جرف الصخر" وغربي العراق عموماً جرّاءَ رزوحهما تحت سيطرة "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، الذي قاتل كلَّ مَن يخالفه وحاول قتله؛ العراقيين، في جميع أطيافهم، قبل الأجانب والاحتلال الأميركي.

منذ تحريرها من "داعش"، لا تزال المنطقة تحت سيطرة قوات الحشد الشعبي و"كتائب حزب الله العراق" ومنظمة بدر، التي قاتلت سابقاً الاحتلال الأميركي، ونفّذت عمليان ضدّه. وحتى اليوم، فإن هذه المنطقة ما زالت خالية من سكانها الذين تهجّروا منها، ولم يعودوا إليها، نتيجة عدة أسباب، على الرغم من تحريرها منذ نحو 7 سنوات، وعلى الرغم من مرور 4 سنوات على إعلان العراق خالياً رسمياً من تنظيم "داعش".

أهمية "النصر" في "الجُرف"

ليس تحرير "جرف الصخر" كتحرير أي منطقة أخرى من قبضة "داعش". هناك مَن يشبّه هذا التحرير، كمدخلٍ لفهم أهميته، بتحرير مدينة القصير السورية، الواقعة في محافظة حمص قرب الحدود الشرقية للبنان، من سيطرة الفصائل المسلحة المعارضة.

لقد أراد التنظيم وأشباهه من هاتين المنطقتين أن تكونا جيبَين معاديين وبؤرتي توتّر وسط مناطق محيطة بهما، ومغايرةٍ عنهما من ناحية الولاء السياسي والرؤى المستقبلية والمعتقدات الأيديولوجية. ومن أهداف وجود التنظيم في هذه المناطق، جعلُ السلطات السياسية والتنظيمات العسكرية، التي تنضوي في إطار محور المقاومة في كل من سوريا والعراق ولبنان، تنشغل به، وتتلهّى بذلك عن مواجهة الاحتلال الأجنبي والاعتداءات الخارجية. وهو أمر يربك أيضاً قوى المقاومة، في سعيها لنقل الأسلحة والمعدات والخبراء نحو الغرب، في اتجاه كلٍّ من جنوبي لبنان وفلسطين.

  • موقع
    موقع "جرف الصخر" في خريطة وسط العراق

وفي ترجمة هذا الكلام ميدانياً، في أرض الواقع، أراد التنظيم المتشدد هذه الناحية منطلقاً لهجماته نحو المدن ذات المكانة الدينية، وخصوصاً مدينة كربلاء، التي تقع إلى الجنوب الغربي منها، على مسافة أقل من 50 كيلومتراً، وكذلك مدينة النجف، الأبعد إلى الجنوب أيضاً. وهي، أي "جرف الصخر"، تقع بالتالي على طريق الحُجّاج المتوجّهين من بغداد والشمال عموماً إلى هاتين المدينتين. وحدثت هجمات كثيرة عليهم، بينهما عمليات انتحارية، بعد سقوط العراق في قبضة الاحتلال الأميركي في عام 2003.

ما يُضاعف أهمية انتصار القوات العراقية في "جرف الصخر"، صعوبةُ المنطقة من الناحية الجغرافية بالنسبة إلى أي قوات مهاجمة، بسبب الأحراج الكثيفة، من أشجار النخيل والبلح، والتي تشكّل مخبأً للقوات المدافعة. بالإضافة إلى أن تحريرها تمّ قبل الانسحاب الأميركي من العراق، على مرأى من القوات المحتلة، التي لطالما وضعت محاربة الإرهاب دوماً في رأس سلّم أولوياتها.

قصف أميركي ومحاولات تسلل لـ "داعش"

تتعرّض القوات العراقية ومقاتلو الحشد الشعبي، الموجودون في "جرف الصخر"، لغاراتٍ من الطائرات الأميركية، على الرغم من أنه أُعلن انسحابُ القوات الأميركية في عام 2011، لكنها عادت في عام 2015 تحت حجّة محاربة "داعش".

ففي آذار/مارس من العام الماضي، استهدفت طائرات أميركية مواقع عراقية في "جرف الصخر"، طالت تحديداً موقع طبابة وموقع آليات عسكرية في السعيدات التابعة للقضاء، بالإضافة إلى استهداف بلدة بلد جنوبي صلاح الدين، ونقاط أخرى عند الحدود العراقية ـ السورية. وأعلنت القوات العراقية "استشهاد عسكريَّين عراقيين ومدني واحد على الأقل".

لم تتوقّف محاولات تنظيم "داعش" من أجل العودة إلى "جرف الصخر" منذ طرده منها، فدائماً ما تحدث محاولات تسلل وهجمات على القوات الموجودة عند حدود المنطقة، وآخرها ما تمَّ الإعلان عنه صباح اليوم الخميس، بحيث أعلن الحشد الشعبي إحباطه محاولة تسلل، كما أعلن أنه "في أثناء عودة القوات انفجرت عبوة ناسفة زرعها داعش في منطقة صنيديج في جرف النصر، أسفرت عن استشهاد شخص".

وفي آذار/مارس الماضي، أعلنت قوات الحشد الشعبي أيضاً العثور على 86 صاروخ "كاتيوشا"، بالإضافة إلى منصاتٍ لإطلاق الصواريخ وأسلحةٍ أخرى، قال "الحشد" إن تنظيم "داعش" كان يُعدّها لشنّ هجماتٍ في شهر رمضان، تحت عنوان "غزوة الفتح الجديد".

عودة الأهالي.. إلى الواجهة

أمّا قضية عودة أهالي "جرف الصخر"، النازحة أغلبيتهم ضمن محافظة بابل نفسها، إلى منازلهم وأراضيهم، وهم الذين يعملون بصورة أساسية في الزراعة، وينتمي معظمهم إلى قبيلة "الجنابين"، فلقد عادت إلى الواجهة منذ نحو شهر، وخصوصاً أنهم يعيشون في خِيام ضمن مخيمات نزوح، مع كل ما يكتنف هذه الإقامة من ظروف صعبة، من حيث انعدام البنية التحتية والحر الشديد وانتشار الأمراض.