ماذا عن المفاوضات النووية في عهد إبراهيم رئيسي؟

تواجه إدارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي عدة تحديات في الداخل والخارج، بينما يُنتظر منها البتُّ في ملف التفاوض بشأن البرنامج النووي في فيينا، وهو الملف الذي سيترتب على نتائجه مستقبلُ إيران في السنوات المقبلة.

  • ماذا عن المفاوضات النووية في عهد إبراهيم رئيسي؟
    تنتظر حكومة رئيسي تحديات، في الداخل والخارج، متعلقة بحسم مسألة مفاوضات فيينا   

أربعة أشهر مضت على بَدء المفاوضات النووية بعد مجيء إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، ولا تزال الأمور متوقفة من دون حسم، على الرغم من الإعلان المتكرر والواضح، من كِلا البلدين المعنيَّين بها على نحو مباشِر (إيران والولايات المتحدة)، بأنهما مستعدان للتوصل إلى اتفاق جديد يضمن تجميد البرنامج النووي الإيراني عند مستوى محدَّد، وعدم حيازة طهران السلاحَ النووي، ويرفع أعباء العقوبات عن كاهل الجمهورية المحاصَرة.

كانت الآمال معلَّقة على نهاية حِقبة الرئيس السابق حسن روحاني، لتكون المحطة الأخيرة في قطار المفاوضات. لكنّ روحاني أغلق باب مكتبه، وسلّم مفاتيحه إلى خَلَفه إبراهيم رئيسي، بينما ظلّت أبواب فيينا مفتوحة أمام جولة مفاوضات جديدة، على بعد أيام. 

فوز رئيس السلطة القضائية، وأحد أبرز وجوه تيار المحافظين في إيران، ترك انطباعات وتوقّعات متفاوتة بشأن مستقبل المفاوضات النووية ومآلاتها. فالبعض رأى أن رئيسي، "الأقربَ من سَلَفه" إلى توجهات المرشد السيد علي خامنئي والذي يسيطر حزبه على مجلس الشورى، سيكون الأقدر على التعبير عن الإرادة الموحَّدة للسلطات الإيرانية، وحسم الخيارات حين تَضِيق مساحة المناورة، بينما اعتبر آخرون أن رئيسي، الخاضع لعقوبات غربية، سيكون ذا نزعة "معادية للغرب"، وأكثر حزماً في التفاوض معه، الأمر الذي سيقلّل فرص التوصّل إلى اتفاق.

لكن، إن كان الاتفاق النووي قضيةً قومية مؤثّرة في مجمل الحياة في البلاد اقتصادياً وسياسياً، فما لا شكَّ فيه أن الحسم يفوق التغيير الراهن في الرئاسة وفريق الحكومة. وإن كان ثمة حاجة أميركية إلى تثبيت قواعد جديدة في الشرق الأوسط، ونزع فتيل الصراع إلى أَجَلٍ ما، فيجب التساؤل، في هذه الحالة: هل يؤثر التغيير في البيت الداخلي الإيراني في الاستراتيجية الأميركية حيال إيران؟

واشنطن لا تملك بدائل واقعية

أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، حسن أحمديان، يرى أن واشنطن "لا تمتلك بدائل واقعية" للاتفاق النووي. وبحسب مسؤوليها، فإن البرنامج النووي "يتطوّر بسرعة غير معهودة". لذلك، تقف واشنطن أمام 3 سيناريوهات:

1- المراوحة، واستمرار الوضع الحالي، وهما خياران غير مقبولَين لإدارة جو بايدن، بحيث سيعني ذلك استمرار التطوّر و"الخطر" النوويَّين الإيرانيَّين، من دون رادع.

2- التدحرج نحو الحرب، وهو خيار لا تشجعه خبرة واشنطن في الشرق الأوسط، ولا خطابُ الرئيس بايدن عن الخروج من المنطقة وعدم التورّط فيها، وإيلاءُ الصين الأهمية الكبرى من جهة أخری. بالإضافة إلى ذلك، فإن التخوّف من قدرات إيران، في حال نشوب حرب، يشکّل أيضاً عاملاً غير مشجّع بشأن الخيار الثاني.

3- خيار التفاوض من أجل العودة إلى الاتفاق، وهو الخيار الأمثل. وتبقی العوائق قائمة حتی الآن، وهي مرتبطة بالعقوبات وطريقة إلغائها، بحيث ترکّز إيران علی ضرورة إلغاء کل العقوبات المفروضة بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، في مقابل عودتها إلى التزاماتها النووية.

التفاوض، اليوم، لا يبدو بالسهولة التي بدت عليها الأمور قبل أشهر، وآفاقه لا تزال رمادية بعد التباشير بقرب التوصّل إلى اتفاق مُرضٍ لجميع الأطراف.

أحد أهم هذه الأسباب، كما ذكر مندوب إيران لدى المنظَّمات الدولية في فيينا، كاظم غريب آبادي، هو ربط الاتفاق النووي بالتفاوض بشأن قضايا إقليمية - على نحو لا يتوافق مع رغبة طهران - وتهرّب واشنطن من تقديم ضمانات بعدم نقض الاتفاق من جديد، كما فعلت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عام 2018.

إذاً ،طُول أمد المفاوضات وتعثُّر الاتفاق على رفع كامل العقوبات (وهو شرط أكّده المرشد، وأقرّه مجلس الشورى)، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى التي ذكرها آبادي، تلقي كلها بظلال سلبية على سَير المباحثات في فيينا. وهذا ما يعكسه كلام رئيسي في حفل تنصيبه رسمياً اليوم، بقوله "نحن نسعى بالطبع لرفع الحظر الجائر، لكننا لن نربط ظروف حياة الأُمة وفقَ إرادة الأجانب"، في تكرار ـ عبر صيغة مغايرة ـ لكلام المرشد في حفل توديع روحاني، والذي أكد فيه أنه "يجب ألاّ نرهن برامجنا الداخلية بالغرب".

يحتاج رئيسي، كما الشعبُ الإيراني، إلى رفع كامل العقوبات، والسماح بتدفُّق الاستثمارات والأموال المجمَّدة، واستئناف تصدير النفط والسِّلَع الإيرانية. فهذا ما سيمنح حكومته القدرة على تنفيذ التعهدات، ومواجهة التضخم الذي بلغ مستويات فلكية، بفعل العقوبات وأزمة وباء كورونا. لكن رئيسي أيضاً أقلُّ اعتماداً على الاتفاق النووي، إذ يعتبر أن سياسة إدارته الخارجية "لن تبدأ بالاتفاق النووي ولن تنتهي به"، في إشارة إلى وجود بدائل تقي بلاده الآثارَ الفادحة لاستمرار العقوبات.

وصول رئيسي سيُقلِّل فرص إحياء الاتفاق النووي

أوضح أحمديان لـ"الميادين نت" أن الحماسة التي بدت عند انتخاب بايدن في إيران "لم تعد في الأجواء، إذ ظهر بوضوح أن الضغط الذي مارسته إدارة ترامب سوف يُستخدم من جانب إدارة بايدن؛ أي أن لا فارقَ بين الإدارتين في تعاطيهما مع إيران، علی المستوی الاستراتيجي"، مشيراً إلى أن صعود رئيسي "سيُساهم أکثر في تقليل الحماسة الإيرانية لإحياء الاتفاق النووي".

يعتقد أستاذ علم السياسة في جامعة طهران أن رئيسي، کما بيّن في حملته الانتخابية، "سيرکّز علی الإصلاحات الاقتصادية، وعلى محاربة الفساد وسوء الإدارة، وسيقلّل الاعتماد علی صادرات الطاقة لإعادة بناء الاقتصاد". وعلى الرغم من عدم نفيه ضرورة الاستمرار في التفاوض مع أطراف الاتفاق، فإن ذلك "لا يعني أنه سيُوْلي التفاوض الأولويةَ القصوی، التي أولته إياها إدارة روحاني".

ويتوقّع أحمديان أن "يعتمد رئيسي علی الداخل والجوار، ويهتم بالمقاومة الفعّالة لحمل واشنطن والأطراف الغربية علی إلغاء العقوبات، أو مواجهة المضاعفات في حال عدم العودة" إلى الاتفاق. فالرئيس الجديد "ينتمي إلی التيار الإقليمي في سياسة إيران الخارجية، وهو الفريق الذي يری أن من شأن حلّ خلافات إيران الإقليمية مع جاراتها، وعودةِ شيء من الاستقرار للملفات الإقليمية، تعزيزَ موقع إيران وموقفِها أمام القوی الغربية".

اخترنا لك