تونس من 2010 إلى 2020.. ما الذي تغير؟

تعالت الأصوات بعد الثورة مطالبة بمجلس وطني تأسيسي، "تونس 2010..تونس 2020"، ما الذي تغير وماذا تحقق لشعب انتفض من أجل كرامة العيش والحرية؟

  • تونس من 2010 إلى 2020، ما الذي تغير؟
    منذ انتخاب البرلمان الجديد في 2019، لم تعرف تونس هدنة سياسية بين الأحزاب الممثلة في البرلمان.

"تونس 2010..تونس 2020"، ما الذي تغير وماذا تحقق لشعب انتفض من أجل كرامة العيش والحرية؟ 10 سنوات مرت على الشعب التونسي منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورته، كان ذلك يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، عندما التهمت نيران الفقر والحرمان وغياب التنمية العادلة جسد محمد البوعزيزي. 

عشر سنوات مرت، سقطت فيها أحلام كثيرة للشعب التونسي، بسبب الفوضى السياسية التي باتت تشهدها البلاد، وتفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة والفقر، إلى جانب غياب الاستقرار الاجتماعي. 

تعالت الأصوات بعد الثورة مطالبة بمجلس وطني تأسيسي، فكان أن انتخب التونسيون في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011، 217 نائباً، وضعوا دستوراً جديداً للبلاد التونسية وأسسوا لجمهورية ثانية.

ورغم ما شهدته تلك الفترة من هزات سياسية واغتيالات طالت رموزا بالبلاد، على غرار اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فيفري 2013، واغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25 تموز/يوليو 2013، فإن البلاد استطاعت أن تعبر إلى بر الأمان وذلك بعد تنظيم حوار وطني في 5 أكتوبر 2013 بين عدة أطراف سياسية تونسية بمبادرة ورعاية "الرباعي الراعي للحوار" وهم الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس.

واتفق المجتمعون على طاولة الحوار أنذلك، على التسريع في المصادقة على الدستور، واستقالة حكومة علي العريض، ثم التوافق على حكومة جديدة تكون حكومة تكنوقراط، ومن ثمة التسريع في إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي والمصادقة على أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمصادقة على القانون الانتخابي.

ونجحت تونس مرة أخرى في إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية سنة 2014 ثم سنة 2019، ورغم نجاح الاستحقاقات الانتخابية في المناسبتين، والمساحة التي حققتها تونس من حيث حرية التعبير، فإنها لم تستطع تطويق الأزمة الاقتصادية والخلافات السياسية وامتصاص غضب المحتجين من العاطلين عن العمل والمطالبين بالتنمية العادلة وتحسين وضعياتهم الهشة.

فمنذ انتخاب البرلمان الجديد في 2019، لم تعرف تونس هدنة سياسية بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، إذ ظهر التصدع منذ انطلاق مسار تشكيل الحكومة الذي كاد أن يدفع بالبلاد إلى أزمة دستورية وقانونية، فبعد فشل حكومة الحبيب الجملي في كسب ثقة النواب جاءت الولادة عسيرة لحكومة إلياس الفخفاخ التي كتب أن يكون عمرها قصيراً بعد أن تم الكشف عن شبهة فساد أو ما عُرف بـ"تضارب مصالح" لدى رئيس الحكومة، فكانت الدعوة إلى سحب الثقة منه، ثم حكومة هشام المشيشي التي تواجه حاليا تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية صعبة.

الخلافات داخل قبة البرلمان لم تهدأ بمجرد انتهاء مسار تشكيل الحكومة، إذ مر البرلمان التونسي بأكثر من أزمة، فقد دخل نواب الحزب الدستوري الحر في اعتصام مفتوح بمقر البرلمان، بعد تعرض رئيسة الحزب عبير موسي للتهديد المباشر من النائب عن ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف، وتقدمت بلائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد العنوشي، والتي تم إسقاطها في جلسة عامة. 

كما شهد البرلمان في أكثر من مناسبة مناوشات وصراعات انتهت مؤخرا، بتبادل للعنف الجسدي واللفظي بين كتلة ائتلاف الكرامة والكتلة الديمقراطية التي تعرض نائبها أنور بالشاهد إلى الضرب ما دفع الكتلة للاعتصام في مقر مجلس نواب الشعب تنديدا بـ "العنف والإرهاب". 

وقد ساهمت موجة العنف وخطابات التحريض والكراهية تحت قبّة البرلمان في الفترة الأخيرة، في خلق دعوات من قبل العديد من السياسيّين إلى تدخّل رئيس الجمهورية قيس سعيد لحلّ البرلمان معتمدا على الامتيازات التي يمنحها له الدستور التونسي.

ولم يمر مشروع قانون إلى الجلسة العامة بالبرلمان إلا وكان محل خلاف كبير من ذلك مشروع قانون المالية التكميلي للعام الحالي في نسخته الأولى، الذي أثار جدلا كبيرا في البرلمان ما أجبر الحكومة على سحبه ومراجعته ثم إعادته إلى البرلمان، ثم الخلاف حول موازنة 2021، والذي رغم المصادقة عليها أثارت انتقاد التونسيين الذين اعتبروا أنها تخدم مصالح الشركات الكبرى وأصحاب النفوذ ولم تنصف الفئات الفقيرة والهشة.

ومقابل التشتت الذي يعرفه المشهد السياسي، تشهد تونس في فترة حكومة المشيشي، موجة من الإضرابات القطاعية على غرار إضراب القضاة وإضراب المحامين والأطباء والصحفيين، إلى جانب الاحتجاجات في كل جهات البلاد بلغت حد غلق المنشآت العمومية (اعتصام الكامور).

وفي سابقة أولى، اعتبرها المتابعون للشأن العام، خطيرة تهدد تماسك الدولة وتمهد للفوضى والنعرات الجهوية، فقد جد خلاف بين مجموعتين من المواطنين من منطقتي بني خداش بالجنوب التونسي حول قطعة أرض أدت إلى سقوط قتيلين وعشرات الجرحى، في تجاوز صارخ لقوانين الدولة وهيبتها.

ولم تستطع الحكومات المتعاقبة على مدى عشر سنوات، من تحسين الحياة اليومية للمواطنين، كما لم تستطع إيجاد حلول جذرية للمناطق الداخلية المهمشة، كما لم تستطع تجاوز الأزمة الاقتصادية وتقليص نسبة البطالة والفقر.

فنسبة البطالة في تونس ارتفعت من 13% في 2010 إلى 16.2% في 2020، كما أن عدد العاطلين عن العمل تضاعف في صفوف خريجي الجامعات من 130.000 في 2010 إلى 300.000 عاطل في 2020.

وحسب تقرير أفاق الاقتصاد العالمي لشهر أكتوبر 2020 توقع صندوق النقد الدولي انكماش نمو الاقتصاد التونسي خلال سنة 2020 ب7 بالمائة وأن تبلغ نسبة التضخم في تونس 5.4 بالمائة سنة 2020 و ان يبلغ العجز 8.3 بالمائة 

كما كشف المعهد الوطني التونسي للإحصاء عن أن 37 % من الشركات الخاصة تواجه خطر الإغلاق الدائم.

ودفع تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد عديد الأطراف إلى الدعوة لعقد حوار وطني من جديد يجمع ممثلين عن الأحزاب والكتل البرلمانية والمنظمات الوطنية، لبحث الحلول والآليات التي تُخرج تونس من أزماتها، وكأن قدر البلاد أن تبقى تدور في "حلقة مفرغة" و"تعود من حيث بدأت" .