بايدن والسياسة الخارجية.. بين العقبات الحالية و"أخطاء ترامب"

يعد سلسلة الفوضى التي خلَفتها سياسات ترامب في علاقاته مع الخارج، العالم في ترقّب للسّياسات الخارجيّة التي سيتّبعها خلفه جو بايدن لإنقاذ علاقات أميركا الخارجيّة، فهل سيتمكّن بايدن من ذلك؟

  • هل سيتمكّن بايدن من إعادة أميركا إلى لواجهة؟
    هل سيتمكّن بايدن من إعادة أميركا إلى الواجهة؟

بعد تسلّم الرّئيس الأميركي جو بايدن منصب الرّئاسة، أصبح العالم في ترقّب لما سيقوم به، وأي سياسات سيتّبعها لإصلاح العلاقات الخارجية، وفق ما صرّح به خلال حملته الانتخابية، بهدف إعادة الولايات المتّحدة الأميركية على رأس الطاولة إثر الفوضى الّتي خلّفتها سياسات سلفه دونالد ترامب، واضعة أميركا في مأزق كبير أمام العالم.

في هذا الخصوص، نشرت صحيفة "فورين أفيرز" الأميركية سلسلة من المقالات ضمن ملف "تراجع وسقوط"، والتي مفادها أنّ أمام جو بايدن الكثير من العمل والجهد، إذ إنّ هذه الفترة هي أكثر فترة رئاسية "نموذجية"، حيث ستُكرَّس السياسة الخارجية خلال عهد بايدن لإلغاء جبل من أخطاء سلفه، ما يستهلك ليس فقط الوقت والجهد الدبلوماسيين، ولكن أيضاً رأس المال السياسي. 

لكنّ الصّحيفة تساءلت حول ما إذا كان بايدن قادراً على استعادة ثقة العالم، خصوصاً وأنّ العودة للوقت المعهود قبل ترامب صعب جداً، فلقد تغير العالم، والولايات المتحدة، كثيراً، لذلك أشارت الصّحيفة إلى أنّ على بايدن اتّباع سياسة خارجية جديدة مبنية على علاقة سليمة استراتيجية مع الصين وروسيا، كما أنّ عليه استعادة الحلفاء ولا سيما أوروبا والناتو.

فما هو واقع السياسات الخارجيّة الأميركيّة في الوقت الرّاهن؟ 

واقع العلاقات الأميركية الروسية

في عهد ترامب، وصلت العلاقات الأميركيّة-الرّوسية إلى حدّها الأدنى، بعد فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على موسكو في إطار ما سمّي بـ"مواجهة أعداء أميركا"، ومنع "انتهاك حقوق الإنسان". وتضمنت هذه العقوبات حظر مجموعة واسعة من الصادرات إلى روسيا، بما فيها التكنولوجيا والإلكترونيات والمحركات، كما فرضت عقوبات على أشخاص وشركات روسية.

لكنّ الولايات المتّحدة ومع تسلّم بايدن منصب الرّئاسة، مدّدت معاهدة "ستارت 3" لخمس سنوات إضافية، لتحافظ على المعاهدة الوحيدة التي تربط البلدين، بعد فشل إدارة ترامب بتمديدها لفرضه شروطاً لذلك، الأمر الذي قابلته روسيا بالرفض.

وتنص هذه المعاهدة على أن يخفض كل جانب ترساناته النووية بحيث لا يتجاوز العدد الإجمالي للأسلحة خلال سبع سنوات وفي المستقبل 700 صاروخ باليستي عابر للقارات، وصواريخ باليستية على الغواصات وقاذفات القنابل الثقيلة. بالإضافة إلى 1550 رأساً حربياً و800 منصة إطلاق منتشرة وغير منتشرة. 

إلّا أن توقيع هذه المعاهدة لم يمنع من نشوء توتّرات جديدة في العلاقات الأميركية-الرّوسية، وذلك بعد أن  هاجم بايدن روسيا ودعاها للإفراج عن أليكسي نافالني المتّهم بانتهاك شروط الرّقابة القضائيّة المفروضة عليه في قضيّة تعود للعام 2014، وبعد اتّهام روسيا السّفارة الأميركيّة بتوفير التغطية للاحتجاجات المؤيدة لنافالني، وقالت إنه إذا ثبت ذلك فستعتبرها "تدخلاً صارخاً" في الشؤون الداخلية الروسية. 

السياسات الأميركيّة اتّجاه الصّين

نظراً لاعتبار الصين منافساً صاعداً بصورة متنامية، وصلت الصين وأميركا في عهد ترامب لمستويات حادّة من التوتّرات، فكانت شنّت إدارة ترامب حربا تجاريّة على الصّين حين فرضت تعريفات جمركية على ثلثي الواردات الصينية، وحين تحركت للحد من الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، وضغطت على الحلفاء لتجنب شراء التكنولوجيا الصينية.

وعلى الرّغم من توقيع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي اتفاقاً تجارياً في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، والذي شكل محطة تاريخية لتعليق الحرب التجارية غير المسبوقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، تعهّدت بموجبها بكين باستيراد سلع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار على مدى عامين، تشمل بضائع تتراوح من السيارات والآلات والنفط إلى المنتجات الزراعية، إلاّ أنّه سرعان ما عادت التوترات بينهما مع ظهور فيروس كورونا الّتي دفعت ترامب لإلقاء خطابات عنصريّة ضدّ الصّين بوصف الفيروس على أنّه "فيروس الصين"، كما اتّهام أميركا الصّين بتصنيع هذا الفيروس في إحدى مختبراتها، ما بدّد الآثار الإيجابية للاتفاق مع تراجع كبير لاستثمارات الصين في الولايات المتحدة الأميركية. 

ويبدو أنّ بايدن يسير على نهج سلفه في ما يخصّ علاقاته الخارجيّة مع الصّين، فهو لم يغير من سياسات ترامب السّابقة، بل يبدو أنّه يتجه نحو إجراءات أكثر تشدّداً تجاهها، فإنّ إدارة بايدن ستقوم بمراجعة جميع القرارات المتعلقة بقضايا الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب، بما في ذلك اتفاق التجارة.

وكان بايدن حذّر في الثاني عشر من الشهر الجاري من أنّ "الصّين ستأكل غداءنا"، خلال اجتماع مع أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ، عقب اتّصال هاتفيّ بنظيره الصينيّ تشي جين بينغ.

كما كتب بايدن على "تويتر" بعد المكالمة: "أخبرته (الرئيس الصيني) أنني سأعمل مع الصين عندما يكون ذلك في صالح الشعب الأميركي". 

حتّى أنّه بلغت مؤشّرات التصعيد والاستفزاز حدّ إطلاق الولايات المتحدة مناورات بحريّة في بحر الصين الجنوبي، وذلك بالتزامن مع إعلان تايوان عن "توغل كبير لقاذفات ومقاتلات صينية" في مياهها المجاورة.

فيما أعلن بايدن سابقاً عن تشكيل فريق عمل في البنتاغون حول الصين. 

ماذا عن العلاقات الأميركيّة-الأوروبيّة وحلف "الناتو"؟

بين عامي 2019-2020 وأثناء ولاية دونالد ترامب، أعلنت الولايات المتحدة زيادة الرسوم الجمركية على المنتجات الأوروبية رداً على مساعدة الاتحاد الأوروبي لشركة "إيرباص". على الرغم من أنها ليست سبباً مباشراً لهذه الحرب التجارية.

وقالت وكالة "بلومبيورغ" المالية، إنّ العقوبات تضمّنت لائحة منتجات من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا بفرض رسوم جديدة عليها تصل نسبتها إلى 100%.

فأوروبا في عهد ترامب لم تكن راضية عن كيفية تعامل الإدارة الأميركية معها، مثل فرض آراء عليها، وعدم التعاون معها فى مسائل مهمة مثل الاتفاق النووى واتفاقية المناخ وغيرها من الأمور.

لكنّ يعد فوز جو بايدن، أصبحت متّطلعة لعلاقات مغايرة أكثر ديبلوماسية، خصوصاً بعد أن تبنّت إدارة بايدن سياسة عودة العلاقات الطبيعية والتعاون الاستراتيجي في جميع المجالات مع الجانب الأوروبى، خاصة في المجالات العسكرية، مع إعادة دعم حلف شمال الأطلسى (الناتو) وإعادة الاتفاقات المشتركة مع أوروبا، وكذا رفع القيود والعقوبات التى تم فرضها على بعض البلدان الأوربية وعلى بعض البضائع.

ما الذي ينتظر الشّرق الأوسط في عهد بايدن؟

شهد معظم الشّرق الأوسط في زمن ترامب توترات وزعزعة استقرار أمني وسياسي، ونزاعات حادّة بين إيران والولايات المتّحدة الأميركية، اشتدّت بعد أمر ترامب باغتيال قائد قوة القدس الفريق الشهيد قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في العراق العام الماضي، عدا عن دعم ترامب لدول الخليج في حصارها وحربها على اليمن. 

لكنّ إدارة بايدن كشفت عن توجّه لتغيير في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، برز ذلك بعد إعلان بايدن في الرّابع من شباط/فبراير الحالي وقف الدعم الأميركي للحرب في اليمن، فيما طلب من فريقه المختص للشرق الأوسط العمل لوقف إطلاق النار لإيصال المساعدات الإنسانية وفتح الحوار. 

أمّا بخصوص إيران، قال بايدن إنّه "لن يرفع العقوبات المفروضة على إيران لإرجاعها لطاولة المفاضات، حتى تلتزم بالشروط التي تعهدت بالتزامها"، رغم أنّ بايدن يسعى لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران. 

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رداً على ذلك، قال إنّ "الولايات المتحدة هي التي تركت الاتفاق النووي وعليها أن تعود، وعلى بايدن أن يختار بين ترك سياسات ترامب المهزومة، أو بناء سياساته عليها". أما رئيس ​منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أكّد أن إيران ستواصل السير في البرنامج النووي السلمي.

فيما أعلن مندوب إيران الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا كاظم غريب آبادي، تسليم رسالة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومطالبتها باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ قرار إيران وقف العمل بالبروتوكول الإضافي بدءاً من 23 شباط/فبراير الجاري.

وفيما يخصّ العلاقات الأميركية-السّعودية، يبدو أنّ بايدن يخطو مسارا مغايراً عن سلفه ترامب بشأن سياساته معها، وبدأ ذلك يطبّق في الواقع مع إعلان البيت الأبيض أنّ بايدن يعتزم التّواصل مباشرة مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وليس مع ولي العهد محمد بن سلمان. 

وفي وقت سابق، جمّدت إدارة بايدن صفقة بيع طائرات (أف 35) إلى الإمارات لـ"إعادة دراستها"، وصفقة سلاح أخرى مع السعودية بسبب الحرب على اليمن. 

وعلى الرّغم من أنّ الرّئيس جو بايدن كان متحمّساً دائماً لـ"إسرائيل"، منذ أن كان سيناتوراً، إلا أنّ الاتصال بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي جو بايدن، لم يحدث حتى يوم أمس حيث أكدت وسائل إعلام إسرائيلية، حدوث الاتصال من دون الإشارة إلى من اتصل بالآخر.   

أما عن سبب تأخر حدوث الاتصال، قال دان شابيرو الذي كان أيّام إدارة أوباما ونائب بايدن، أنّ السّبب وراء ذلك هو أنّ بايدن في أيامه الأولى يعمل أولاً على ترتيب العلاقات مع الحلفاء الذين سيواجهون معه روسيا والصين، و"إسرائيل" ليس لديها دورٌ في هذا. وتابع أنّ "هذا لا يعني أن "إسرائيل" غير مهمة، أفترض أن المكالمة مع "إسرائيل" ستكون في المرتبة العاشرة عالمياً، ستكون في الأسبوع القريب. لا سبب للقلق من هذا".

وكان مستشارو بايدن أوضحوا أنّهم سيدفعون للتطبيع بين "إسرائيل" ودول عربية قدماً، وذلك بحسب ما نقل موقع "والاه" العبري عن مسؤول "رفيع"، بعد سلسلة اتفاقيات التطبيع بين الإمارات، البحرين، السّودان، والمغرب مع" إسرائيل"، والّتي ساهم فيها ترامب. 

هل سيستطيع بايدن النّجاح بمهمته وإعادة أميركا للواجهة؟ 

في الواقع، بايدن أمام تحدّيات كبيرة في علاقاته مع الخارج، خصوصاً بعد سلسلة الإجراءات التي قام بها فور تسلّمه منصب الرئاسة، والّتي كما طُرح، لا تنمّ عن فرق كبير عن سياسات سلفه، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقاته مع الصّين وروسيا، غير أنّه أمام واقع صعب في الدّاخل الأميركي، بعد التأثير الكبير الذي خلّفته جائحة كورونا على الأمن الاجتماعي والغذائي والاقتصادي في أميركا والّذي يعتبر أولويّة له.

ومنذ تسلّم بايدن منصب الرّئاسة، وهو يقوم بتوقيع عشرات الأوامر التّنفيذيّة، إما بإلغاء التحركات التي اتخذتها إدارة ترامب أو دفع السياسة بطريقة كانت مستحيلة مع ترامب في البيت الأبيض، فيما تشمل الأوامر، إعادة الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ، وإنهاء حظر السفر المفروض على الدول ذات الأغلبية المسلمة، ووقف عمليات الإخلاء ومدفوعات قروض الطلاب أثناء تفشي فيروس كورونا وإلزام ارتداء القناع في جميع الممتلكات الفيدرالية.

من الواضح أنّ إدارة بايدن تحاول جاهدة إحراز تقدّم بارز في معالجة مشكلات الدّاخل الأميركي، كما معالجة السياسات الأميركية الخارجية، لكنّ يايدن وإدارته يحتاجان المزيد من الوقت لبلورة سياساتهم وتطلعاتهم تجاه الخارج، والوقت أيضا هو من سيحدّد إن كانت الجهود المبذولة والتي ستبذل في القادم من الأيام سترجع أميركا إلى الواجهة.