فورين بوليسي: إسبر حصر قرار اغتيال سليماني في دائرة صغيرة

لم تكن وزارة الدفاع الأميركية كلها متفقة على أن قتل ثاني أكثر الأشخاص شعبية في إيران في مطار دولي في العراق فكرة جيدة.

 

  • وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر ورئيس هيئة الأركان المشتركة خلال مؤتمر صحافي.

كشفت مجلة"فورين بوليسي" الأميركية أنه في الساعات التي سبقت الغارة الأميركية التي اغتالت الفريق قاسم سليماني الأسبوع الماضي، حافظ وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر على سرية قرار الرئيس دونالد ترامب باستهداف قائد "قوة القدس" الإيرانية القوية، مستبعداً بعض كبار قادة البنتاغون الذين تتم استشارتهم عادة على قرارات بهذا الحجم.

وقالت المجلة إنه عادة ما يكون كبار المسؤولين في مكتب وزير الدفاع ورؤساء الأركان المشتركة جزءاً من المناقشة، أو على الأقل يتم إعلامهم قبل الموعد المحدد، على مثل هذا القرار المهم، وهو القرار الذي نظرت فيه إدارتا الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما ورفضتاه. لكن في هذه الحالة، اكتشف العديد من كبار القادة بعد ذلك، وفقاً لمسؤولين حاليين وسابقين على دراية بالمناقشات تحدثوا لـ"فورين بوليسي".

وقال مسؤول في وزارة الدفاع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة القضايا الحساسة: إن "عملية الموافقة المعتادة، وهي عملية صنع القرار، لم تحدث".

وقال مسؤول كبير سابق في الإدارة الأميركية على دراية بالمناقشات إنه حتى بين المجموعة الصغيرة من المسؤولين الذين كانوا في الحلقة، كان هناك خلاف حول ما إذا كان اغتيال سليماني قراراً حكيماً. وقال المسؤول السابق: "لم تكن وزارة الدفاع كلها متفقة على أن قتل ثاني أكثر الأشخاص شعبية في إيران في مطار دولي في العراق كان فكرة جيدة".

تسبب مقتل سليماني، وهو شخصية تحظى بشعبية كبيرة في إيران والعقل المدبر لاستراتيجية الأمن الإقليمي لطهران، في ضربة قُتل فيها أيضاً قائد عراقي هو أبو مهدي المهندس، في تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف من نشوب حرب شاملة. وقد تظاهر عشرات الآلاف من المقاتلين المؤيدين لإيران يوم السبت عبر بغداد مطالبين بالانتقام من الولايات المتحدة، ووقع هجومان صاروخيان بالقرب من القواعد العراقية التي تستضيف القوات الأميركية، على الرغم من عدم إصابة أحد نتيجتهما.

وقد صوّت البرلمان العراقي يوم الأحد على طرد الجيش الأميركي من البلاد، وظهرت تقارير تفيد بأن التحالف المناهض لتنظيم "داعش" بقيادة الولايات المتحدة أعلن وقف عملياته حتى يتمكن من حماية القواعد العراقية التي توجد فيها القوات الأميركية.

وقال الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية حتى أوائل عام 2019: "أصبحت المنطقة أكثر تعقيداً، فستكون هناك عواقب لا يمكن تحديدها الآن".

يقول بعض مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية إن قرار الوزير إسبر بالإبقاء على قرار الضربة سرياً أمر مفهوم. وقال مسؤول دفاعي آخر: "الأشخاص الذين كان يجب أن يكونوا في الغرفة كانوا في الغرفة. الأصوات التي كان يجب سماعها تم الاستماع لها".

افترض المسؤول الأول في وزارة الدفاع أن إسبر يحتفظ بحلقة ثقة أكثر تشدداً، خاصة بعد أن قال مقال في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية الشهر الماضي إن الولايات المتحدة تفكر في إرسال 14000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط لردع إيران، وهو تقرير نفاه إسبر بشدة.

ونفى المسؤول الثاني في وزارة الدفاع هذا الوصف، وقال "إن نشر قصة ملفقة من قبل وول ستريت جورنال لم يكن له أي تأثير على عملية اتخاذ القرار من قبل وزير الدفاع - من السخف قول ذلك".

​لقد دافعت الإدارة الأميركية يوم الجمعة عن قرار اغتيال سليماني، زاعمة أن ترامب أمر بالعملية من أجل تعطيل الهجمات الوشيكة التي كان سليماني يخطط لها على أعضاء الخدمة الأميركية في الشرق الأوسط. وقال روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، للصحافيين إن الإجراء كان مسموحاً به بموجب ترخيص عام 2002 لاستخدام القوة العسكرية (ضد الإرهاب) وبما يتماشى مع "سلطة الرئيس الدستورية كقائد عام للدفاع عن أمتنا". وقد عارض المشرعون الديمقراطيون بمن فيهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي هذا التفسير.

بعد الضربة، أمر إسبر بإرسال حوالى 3500 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً التابعة للجيش الأميركي إلى الشرق الأوسط لحماية المصالح الأميركية، في واحدة من أكبر عمليات الانتشار السريع منذ عقود.

وقد أطلع كبار أعضاء وزارتي الدفاع والخارجية، فضلاً عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب ولجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ يوم الجمعة على التهديدات والهجمات الأخيرة على أفراد ومصالح الولايات المتحدة في العراق.

لكن في العلن، قدم كبار القادة تفاصيل قليلة حول الهجمات المخطط لها منذ ظهور أنباء الاغتيال. وقال مسؤول كبير سابق إن مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع اختلفوا حول كم هي "وشيكة" هذه الهجمات.

وقال بعض المسؤولين إن هناك تصرفات أخرى لم تكن "تصعيدية" وأن قتل سليماني في العراق "سيؤدي فقط إلى مشاكل أكثر مما يستحق" الأمر.

أصبحت الآثار غير المباشرة أكثر وضوحاً يوم الجمعة، حيث دعا المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى "انتقام قوي" لمقتل سليماني. في يوم السبت، رد ترامب، مهدداً بضرب 52 موقعاً في جميع أنحاء إيران - وهو ما يمثل عدد الرهائن الأميركيين الذين احتجزتهم طهران في عام 1979 - إذا هاجمت إيران أصولًا أميركيين أو أصولاً أميركية.

يقول المسؤولون الأميركيون الحاليون والسابقون إن سليماني لديه تاريخ طويل في مهاجمة أعضاء الخدمة الأميركيين وهو المسؤول عن مقتل ما لا يقل عن 600 أميركي في العراق وحدهم. كما أشار أوبراين يوم الجمعة إلى "دعم سليماني لنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا والقمع العنيف للاحتجاجات الأخيرة في إيران".

وقال أوبراين "إن أبرز مثال على أنشطة سليمان الخبيثة في الأسابيع الأخيرة كان الهجوم الذي وقع يوم 27 كانون الأول / ديسمبر 2019 على القاعدة الجوية "كي وان" K1 والذي أسفر عن مقتل متعاقد أميركي وإصابة أربعة من أفراد الخدمة الأميركية.

وقال أوبراين، مدافعاً عن قرار تصفية سليماني: "كان هذا أمراً شعر الرئيس أنه ضروري. لقد تم تصميم هذا (الاغتيال) لمنع المزيد من سفك الدماء. كان هذا عملاً دفاعياً".

وذكرت "فورين بوليسي" أن الإدارة الأميركية قد عرضت الجلوس مع المسؤولين الإيرانيين لمناقشة حل سلمي. لكن حتى الآن، رفضت طهران التفاوض من دون رفع العقوبات الأميركية القاسية. ومن المرجح أن المسؤولين الأميركيين يأملون في أن تؤدي الضربة على سليماني إلى جلب طهران إلى طاولة المفاوضات لتجنب حرب شاملة.

وقال نائب الأدميرال المتقاعد جون ميلر، القائد السابق للأسطول الخامس للبحرية الأميركية، المسؤول عن القوات البحرية في الخليج الفارسي والبحر الأحمر وبحر العرب: "في النهاية، سوف نخرج من غرفة التصعيد. في نهاية اليوم، بالتأكيد لن يكون النزاع الكامل في المنطقة مفيداً للمنطقة وسيكون أيضاً مدمراً لإيران. من المهم أن يقوموا بالحسابات ويفهموا ذلك".

لكن حتى الآن، هناك علامات قليلة على أن طهران ستقبل عرض ترامب بالتفاوض. يوم الأحد، أخبر حسين دهقان، المستشار العسكري للمرشد الأعلى، قناة "سي إن إن" أن رد إيران سيكون بالتأكيد رد فعل عسكرياً ضد المواقع العسكرية".

وقال ميلر: "نحن لا نفهم خطوطهم الحمر تماماً ولا يفهموننا تماماً".

ترجمة: هيثم مزاحم – الميادين نت

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً