"فورين بوليسي": فيروس كورونا أسوأ فشل استخباري في تاريخ الولايات المتحدة

إن الكارثة أكثر وضوحاً من هجوم بيرل هاربور وهجمات أيلول / سبتمبر، وكل ذلك خطأ قيادة دونالد ترامب.

  • "فورين بوليسي": فيروس كورونا أسوأ فشل استخباري في تاريخ الولايات المتحدة
    الرئيس السابق جورج دبليو بوش وزوجته مع ترامب وزوجته في لقاء في واشنطن في العام 2018.

كتب الباحث السياسي الأميركي ميكا زينكو مقالة في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تناول فيها تجاهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته تحذيرات الاستخبارات الأميركية المبكرة بشأن مخاطر فيروس كورونا بتجاهل إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش والإدارات التي سبقته لتحذيرات وكالات الاستخبارات بشأن احتمال وقوع هجمات بالطائرات وذلك قبل هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.
وقال الكاتب إنه في أيلول / سبتمبر الماضي، قابل نائب الرئيس للمخاطر لشركة "فورتشن 100" في العاصمة واشنطن، وهو الذي كان سابقاً محلل استخبارات لمدة طويلة فطرح عليه سؤالاً: "ما هو أكثر ما يقلقك؟" فأجاب هذا المسؤول التنفيذي قائلاً: "فيروس شديد العدوى يبدأ في مكان ما في الصين وينتشر بسرعة". وأوضح نائب الرئيس هذا، الذي تمتلك شركته مكاتب في جميع أنحاء شرق آسيا، الخطوات الوقائية التي اتخذتها الشركة لمواجهة هذا التهديد المحتمل.
وأضاف الباحث أنه منذ أن اجتاح فيروس كورونا الجديد العالم، كنت أفكر في كثير من الأحيان في حساب المخاطر الواضحة لهذا الشخص. إذ يفتقر معظم القادة إلى القيام بمسح روتيني للمخاطر، ولا يزال عدد أقل منهم يطورون خطط الطوارئ المطلوبة. والأكثر ندرة بينهم هو القائد الذي لديه البصيرة لتحديد التهديد الأعلى بشكل صحيح كفاية بحيث يقدم على تطوير وتنفيذ الخطط لمواجهة هذه التهديدات.
وتابع زينكو: يكفي أن نقول أن إدارة ترامب قد فشلت بشكل تراكمي، سواء في أخذ تحذيرات مجتمع الاستخبارات المحددة والمتكررة على محمل الجد بشأن تفشي فيروس كورونا وفي متابعة مبادرات الاستجابة للوباء على الصعيد الوطني بقوة بما يتناسب مع التهديد المتوقع. فالحكومة الفيدرالية وحدها تمتلك الموارد والسلطات لقيادة القطاعين العام والخاص لمواجهة الأضرار المتوقعة التي يسببها الفيروس. لكن لسوء الحظ، اتخذ مسؤولو ترامب سلسلة من الأحكام والقرارات (التقليل من مخاطر الفيروس ورفض العمل بالسرعة المطلوبة) التي جعلت الأميركيين بلا داعٍ أقل أماناً.
ورأى الكاتب أن إدارة ترامب فرضت مفاجأة استراتيجية كارثية على الشعب الأميركي. ولكن على عكس المفاجآت الإستراتيجية السابقة – هجوم بيرل هاربور، الثورة الإيرانية عام 1979، وخاصة هجمات 11 أيلول / سبتمبر - فإن المفاجآة الحالية نجمت عن اللامبالاة غير المسبوقة، وحتى الإهمال المتعمد. وفي حين، ألقى تقرير لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر باللوم في هجمات تنظيم القاعدة على إدارات الرؤساء من رونالد ريغان وصولاً إلى جورج دبليو بوش، فإن أزمة فيروس كورونا التي تتكشف بشكل كبير هي المسؤولية الوحيدة للبيت الأبيض الحالي.
وكان الفصل 8 من تقرير لجنة 11 أيلول / سبتمبر بعنوان "النظام كان يومض باللون الأحمر". جاء الاقتباس من مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق جورج تينيت، الذي كان يميز صيف عام 2001، عندما أشارت مجموعات التقارير المتعددة في مجتمع الاستخبارات إلى هجوم إرهابي وشيك للطيران داخل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من التحذيرات والجهود المسعورة التي بذلها بعض مسؤولي مكافحة الإرهاب، حددت لجنة التحقيق قائلة "إننا لا نرى سوى القليل من الأدلة على أن تقدم المؤامرة قد أعيق بسبب أي إجراء حكومي... لقد نفد الوقت".
وقال الكاتب إنه في الأسبوع الماضي، تحدثت صحيفة واشنطن بوست عن التحذيرات المستمرة بشأن فيروس كورونا التي قدمتها أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى البيت الأبيض في كانون الثاني / يناير وشباط / فبراير الماضيين. لم يكن لهذه التنبيهات تأثير كبير على كبار المسؤولين في الإدارة ، الذين تأثروا بلا شك بسخرية الرئيس دونالد ترامب المستمرة من الفيروس، والتي بدأها في 22 كانون الثاني / يناير قائلاً: "لدينا السيطرة الكاملة. شخص واحد قادم من الصين، وهو تحت سيطرتنا. سيكون كل شيء على ما يرام".
وأشار زينكو إلى أن هناك ثلاث ملاحظات واضحة مؤلمة حول أسلوب قيادة ترامب تفسر تفشي جائحة فيروس كورونا الذي يواجهه الأميركيون الآن. أولاً، هناك حقيقة أنه بمجرد أن يؤمن ترامب بأي شيء على الإطلاق - بغض النظر عن مدى سوء التفكير أو عدم الإطلاع أو عدم الدقة - فإنه يظل متعلقاً تماماً بهذا الانطباع أو الحكم الأولي. ورغم أن القادة هم عادة متغطرسون وغير واثقين، بالنسبة بالنسبة للكثيرين منهم، فإن حقيقة صعودهم إلى مستويات عالية من السلطة دليل على حكمتهم المتأصلة. لكن القادة الحكماء يطلبون التعليق والنقد بشكل أصيل على قراراتهم وسلوكهم، وهم مفكرون منفتحون، وقادرون على تغيير رأيهم. لكن بكل المقاييس، يفتقر ترامب إلى هذه الكفاءات القيادية.
ثانياً، إن أحكام ترامب قابلة للعدوى إلى حد كبير، مما يؤثر على تفكير وسلوك كل مسؤول أو مستشار تقريباً على اتصال بالناقل الأول. فمن غير المستغرب أن يحيط الرئيس نفسه بأناس ينظرون ويفكرون ويتصرفون مثله. ومع ذلك، فإن تعليقاته غير الدقيقة أو التي لا جدال فيها لديها أيضاً قدرة رائعة على إعادة التدوير من قبل قادة عسكريين واستخباراتيين وقادة أعمال سابقين. وإذا لم يقم شخص ما باستمرار بترداد كببغاء تصريحات الرئيس بكثافة كافية، فسيتم فصله، أو تسريب أن طرده قد يكون وشيكاً في أي وقت، وعلى الأخص التقرير الأخير عن نفاد صبر الرئيس مع أنتوني فوشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية.
وثالثاً، سرعان ما تلوث الأحكام السيئة جميع أذرع صنع السياسة للحكومة الفيدرالية من دون أي مقاومة تقريبًا أو حتى مساءلة معقولة. وعادة، يقود الوكالات الفيدرالية هؤلاء المسؤولون الذين يعتقد البيت الأبيض أنهم قادرون على تنفيذ السياسة على أفضل وجه. يتمتع هؤلاء المسؤولون عادة بدرجة من الحكم الذاتي. لكن ليس في عهد ترامب. فحتى المناصب القيادية للأمن القومي أو المناصب الحيادية الاستخباراتية غير الحزبية تاريخياً تم شغلها من قبل أشخاص متحالفين أيديولوجياً مع البيت الأبيض، بدلاً من تمتعهم بالخبرة اللازمة للإجابة عن المخاوف التي أثارها الموظفون غير السياسيين، أو تفسيرها.
وبالتالي، فإن الافتراض أو التصريح غير الصحيح الذي يطلقه ترامب بداية يتسلسل إلى تنفيذ السياسة اليومية في الإدارة.
فقد تضمن تقرير "واشنطن بوست" نفسه المقطع المذهل التالي من مسؤول أميركي لم تكشف هويته يقول: "ربما لم يكن دونالد ترامب يتوقع ذلك، ولكن الكثير من الأشخاص الآخرين في الحكومة توقعوا ذلك، لكنهم لم يتمكنوا من حمله على فعل أي شيء حيال ذلك. وكان النظام يومض باللون الأحمر". هذا المقطع الأخير هو إشارة واضحة إلى تلك النتيجة المركزية المذكورة أعلاه لتقرير لجنة 11 أيلول / سبتمبر.
وحيث أن ترامب قد خلص في وقت مبكر إلى أن فيروس كورونا ببساطة لا يمكن أن يشكل تهديداً للولايات المتحدة، ربما لا يوجد شيء يمكن لمجتمع الاستخبارات أو الخبراء الطبيين الذين يستخدمون نماذج وبائية أو مسؤولي الصحة العامة أن يخبروا البيت الأبيض بأنه كان سيحدث أي فرق. 
وخلص الكاتب إلى أن انفصال البيت الأبيض عن الواقع وعدم مبالاته خلال المراحل الأولى لتفشي فيروس كورونا سيكونان من أكثر القرارات تكلفة في أي رئاسة حديثة. وقد عُرضت على هؤلاء المسؤولين تحذيرات واضحة ونقاط القرار الحاسمة قبل فترة كافية بما يكفي لتجهيز البلاد بشكل أفضل. لكن الطريقة التي بددوا فيها نعم البصيرة والوقت لا يجب أن تُنسى أبداً، ولا ينبغي أن يُنسى سبب تبديدهم: كان ترامب مخطئاً في البداية، لذا فإن دائرته الداخلية روجت لهذا الخطأ بلاغياً وانتهجت سياسات غير ملائمة لفترة طويلة جداً، إلى اليوم. وسوف يدفع الأميركيون الآن ثمن ذلك لعقود مقبلة.
ترجمة بتصرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً