وداعاَ للعلامات التجارية العنصرية: "العم سام والعمة جميمة" نموذجان

كان شراب "العمة جميمة" وأرز "العم بن" جزءاً من الثقافة الأميركية لفترة طويلة، ولكن سيتم تغيير الشعارات الآن لتتناغم مع الوعي بأهمية حياة السود.

  • شراب
    شراب "العمة جميمة" وأرز "العم بن" نموذجان للنمطية العنصرية في أميركا.

العنصرية متجذرة في جميع الحضارات والثقافات والدول في الشرق والغرب. والنظرة النمطية العنصرية إلى ذوي البشرة السوداء لا تقتصر على قسم من الأميركيين والأوروبيين الذين امتهن أجدادهم اختطاف الأفارقة من رجال ونساء من القارة الأفريقية وبيعهم كعبيد في أوروبا ومن ثم في القارة الأميركية الجديدة. فتاريخ الرق يشمل معظم الحضارات والدول، ولم يتوقف الرق في بعض الدول العربية والإفريقية إلا في أواخر القرن العشرين، ليتحول الرق إلى نوع آخر وتسمية أخرى هي الاتجار بالبشر. وها هو يتجدد اليوم في ليبيا حيث يتم أسر المهاجرين الأفارقة وبيعهم في انتهاك لجميع الحقوق الإنسانية والمواثيق الدولية والشرائع الدينية. وقبل سنوات جدد تنظيم "داعش" الإرهابي عمليات السبي والاسترقاق وخاصة للنساء من الديانات والمذاهب الأخرى في العراق وسوريا، ولاسيما للإيزيديين في بلاد الرافدين.

وإن ارتبطت العنصرية غالباً بمفاهيم شائعة خاطئة كالنظرة الدونية والتحقيرية للأعراق المختلفة وبخاصة العرق الأسود أو الأصفر، فإن الإعلانات التجارية لعبت على هذه الصورة النمطية وروّجت لمنتجاتها باستخدام تعبير "العبد" للأسود على غرار لوح شوكولاتة "رأس العبد" في لبنان، و"سيف العبد" واللذين تغير اسمهما قبل سنوات بعد اعتراض ناشطين حقوقيين عليهما.

وفي الغرب والولايات المتحدة تحديداً، نشأت أجيال بأكملها مع "العم بن" Uncle Ben’s، الرجل الأسود المسن ذي الشعر الأبيض الذي يبتسم لنا من عبوات الأرز، وهو يرتدي ياقة بيضاء مثل تلك التي كان يرتديها الخدم في الولايات المتحدة في الماضي.

على بعد بضعة رفوف في ممر السوبرماركت، يمكن للمتسوقين العثور على منتجات "العمة جميمة" Aunt Jemima للخبز ووجبات الإفطار. هنا، يظهر شعار العلامة التجارية امرأة سوداء بابتسامة مشرقة - شعار تم إنشاؤه قبل 131 عاماً.

"العم والعمّة" هذا ما كانا يطلقان عليه تسمية السود في الجنوب. وتقول الشركات الأميركية التي تقف وراء هذه العلامات التجارية إن منتجات "العم بن" Uncle Ben’s، و"العمة جميمة" Aunt Jemima لن تكون في السوق قريباً. فهي تعترف بأن هذه الإعلانات والتسميات قد خدمت الصور النمطية العنصرية، وفقاً لكريستين كروبفل، نائب الرئيس ومدير العلامة التجارية لشركة بيبسيكو التابعة لشركة "كويكر فودز" Quaker Foods.

على مواقعها على الإنترنت، لطالما قدمت الشركات الأميركية نفسها على أنها صحيحة سياسياً: "العالم الذي نريده غداً يبدأ بكيفية قيامنا بأعمالنا اليوم"، هو شعار التسويق لشركة مارس إنك، الشركة الأم للعم بن. يتكلم عملاق الغذاء ضد "العمل بالسخرة الحديثة" وعمالة الأطفال وغيرها من المعايير غير المقبولة أخلاقياً في سلاسل التوريد الخاصة بها.

الشعارات تحكي قصة

لكن لماذا لا نزال نجد عبوات الأرز المثيرة للجدل التي تحمل شعار "العم بن" على رفوف المتاجر الكبرى حول العالم؟ 

يوضح باسكال لاوشير، رئيس محللي استراتيجيات العلامة التجارية mmntm في ميونيخ السبب قائلاً: "عندما أرى العديد من العلامات التجارية بجانب بعضها البعض على رف سوبر ماركت، أختار العلامة التجارية التي أحبها وأنا على دراية بها"، موضحاً أن هذا هو السبب في أن الشركات تنفق الكثير من المال لبناء تاريخ العلامة التجارية. وأضاف: "لهذا السبب اتبعت الشركات قاعدة التسويق القديمة: (لا تلمس الشعار). إنها واحدة من أهم العلامات المميزة للعلامة التجارية - إنها تروي قصة". ويتابع أنه "لهذا السبب، منطقياً، في ضوء الوضع السياسي، تضطر الشركات إلى تغيير الشعار وبالتالي تغيير القصة أيضاً".

من وجهة نظر لاوشير، تأتي الشركات الأميركية بعد فوات الأوان. كان عليهم أن يجروا تغييرات قبل وقت طويل من وفاة جورج فلويد والاحتجاجات الضخمة ضد العنصرية التي تلت ذلك. ويجادل قائلاً: "تغيير الشعار الآن أقرب إلى القول، حتى الآن لم تكن العنصرية مهمة بالنسبة لي ولم أكن أريد التضحية بالشعار بسبب التمييز ضد الأشخاص ذوي البشرة المختلفة". لكنه يلاحظ أن الناس سوف يلاحظون وسيتساءلون عن ممارسات الشركات.

لقد حاولت الشركات الألمانية بالفعل تجنب الضرر الذي لحق بعلاماتها التجارية. ردت مجموعة باهلسن مؤخراً على اتهامات بالعنصرية للرقائق المغطاة بالشوكولاتة التي تبيعها تحت اسم "إفريقيا". أوضح مصنع البسكويت في آذار / مارس 2020: "أطلقنا هذا المنتج قبل 60 عاماً، وكما هو الحال الآن، لم تكن العنصرية جزءاً من تفكيرنا، ومن أجل تجنب ربط منتجنا بالعنصرية، نحن نعمل بالفعل على إعادة تسميته".

  • منتج ساروتي الألماني الذي يظهر رجلين أسودين.
    منتج "ساروتي" الألماني الذي يظهر رجلين أسودين.

تم تصميم شخصية "ساروتي موهر" Sarotti Mohr الخاصة بشركة الحلويات في "ستولفرك" Stollwerck، وهي شعار يظهر شخصية سوداء تضع عمامة، في عام 1918. وكان لعقود من الزمن من أشهر العلامات التجارية الألمانية، واختفت شخصية "ساروتي موهر" منذ فترة طويلة أي في عام 2004.

قامت شركة "ستولفيرك" بتحويل الشكل إلى شخصية ساحر مغلفة ولكنها ذات بشرة ذهبية في عام 2004. حلوى شعبية من نوع المارشميلو مغطاة بالشوكولاتة تسمى "مورينكوبف" والحلويات المماثلة تسمى "نيغركوس" (قبلة نيغرو) أضحت منذ فترة طويلة "قبلات الشوكولاتة".

يبقى أن نرى إلى متى سيستمر "العم بن" و"العمة جميمة" على رفوف المتاجر. وقالت متحدثة باسم شركة "مارس إنك" Mars Inc: "لا نعرف حتى الآن بالضبط كيف ستبدو التغييرات، وليس لدينا جدول زمني حتى الآن، لكننا ندرس جميع الاحتمالات". 

خبير التسويق باسكال لاوشير لديه حل: "لماذا لا يمكن أن يكون العم بن مجرد رجل أبيض؟". 

تقاعد الإعلانات المسيئة والعنصرية

وكتب خبير التسويق مايك ستون في مقالة له على موقع مجلة "فوربس" يقول إن إعلانات الشركات التي تمتلك "العم بن" Uncle Ben’s، و"العمة جميمة" Aunt Jemima وغيرها الكثير، سوف "تتقاعد" من هذه الأسماء التجارية والهويات المرئية التي تعتبر مسيئة للكثيرين. وما ذلك إلا تذكير آخر بكيفية أصبح المستلكون والعلامات التجارية "متشابكين". وأضاف: لقد سرع الغضب الشديد من وفاة جورج فلويد، وغيرها من الوفيات الأخيرة للأميركيين من أصل أفريقي، الإجراءات التي طال انتظارها من قبل العديد من العلامات التجارية التي تقوم الآن بتقييم مسؤوليتها الخاصة عن العنصرية النظامية. كما أنها توضح تسارع وتقاطع ثلاثة اتجاهات قوية، اتجاهات كانت جارية بالفعل، في هذه اللحظة بالذات. إنه التقاطع بين ملاءمة العلامة التجارية، والغرض منها ورمزيتها. ومن الأفضل أن يهتم المسوّقون، لأن المستهلكين يهتمون بالتأكيد.

وقال ستون "إن العلامات التجارية مهمة وتظل ذات صلة بالمستهلكين. هذا استنتاج يمكننا رؤيته بشكل واضح في سلوك المستهلك من حولنا. ومع ذلك، لكي نكون منصفين، هناك مدرسة للفكر المعارض تقول إن العلامات التجارية في انخفاض لأننا لم نعد بحاجة إليها لمساعدتنا على اتخاذ قرارات الشراء، وذلك لأن الإنترنت يزوّدنا بمعلومات المنتج المتاحة بسهولة ومراجعات المنتج بنقرة زر واحدة. وبالتالي، لا نحتاج إلى العلامات التجارية لزيادة الثقة في جودة المنتج أو لتسهيل عملية الشراء، والتي كانت دائماً سبب وجودها. لكن يبدو لي أنه في بعض المفارقة الثقافية، ليس لدينا وقت أقل لاتخاذ قرارات الشراء، ونحن مثقلون بالمعلومات، وبالتالي، على الرغم من مدى تعقيد رسائل العلامات التجارية اليوم، فإن العلامات التجارية تزداد قوة في الواقع.. تلك العلامات التجارية الذكية التي تعرف كيف تنقل رسالتها عبر النظام الجديد للتسويق والاتصالات. وبينما نبحث عن منتجاتنا ذات العلامات التجارية المفضلة لدينا خلال الوباء، يبدو أن العلامات التجارية مهمة حقاً للمستهلكين".

وأضاف ستون أن المستهلكين، وخاصة الشباب منهم، يطلبون بشكل متزايد بأنه على العلامات التجارية ألا تتخذ فقط مواقف، بل تتخذ إجراءات بشأن قضايا اليوم - القضايا المجتمعية والثقافية والبيئية والسياسية. يطلب المستهلكون من العلامات التجارية إظهار الغرض من شعارها أو علامتها التجارية. على سبيل المثال، عندما قتل مطلق النار الطلاب في مدرسة مارغوري ستونهام الثانوية في فلوريدا في 14 شباط / فبراير 2018، سحبت العديد من الشركات دعمها للرابطة الوطنية للبنادق الأميركية (NRA)، وهي مجموعة للدفاع عن حقوق الأسلحة مقرها الولايات المتحدة، وعزز تجار التجزئة القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة. بالطبع، يمكن أن يمثل اتخاذ موقف تحدياً لعلامة تجارية - من المحتمل أن يرضي كل موقف قوي البعض ويسيء إلى الآخرين. ويجب أن يكون الموقف الذي تتخذه العلامة التجارية متسقاً مع قيمها الأساسية. وقد أدى الوباء فقط إلى تسريع هذا الاتجاه حيث يطلب المستهلكون من العلامات التجارية اتخاذ إجراءات حقيقية لمساعدة السكان المحتاجين خلال الأزمات الصحية. وتستحق العديد من الشركات الثناء على هذه الاستجابة. حولت الشركات تصنيعها إلى معدات الوقاية الشخصية وغيرها من المعدات واللوازم الطبية والصحية، وهي تقدم طعاماً مجانياً للمستجيبين الأوائل وغيرهم ممن لا يستطيعون وضع الطعام على الطاولة، والتبرع بالمال لبنوك الطعام، ومساعدة الشركات الصغيرة من خلال الخدمات المجانية، والقائمة تطول. 

وختم ستون بالقول إن المطالبة بأن تتخذ العلامات التجارية إجراءات لا تقتصر على المستهلكين. كما يطالب موظفو العلامات التجارية، وهم عموماً أقوى المدافعين عن العلامة التجارية، بأن ترقى العلامات التجارية إلى قيمها الأساسية سواء كانت تتعلق بالتنوع في مكان العمل أو التحرش الجنسي أو الطريقة التي تعامل بها الشركات الموظفين أثناء الأزمات الصحية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً