"نيويورك تايمز": الاتفاق بين "إسرائيل" والإمارات يخدم ترامب ونتنياهو داخلياً

قالت الصحيفة إنه إذا تم تنفيذ الاتفاق، فسيجعل الإمارات ثالث دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية مع "إسرائيل" بعد الأردن ومصر.

  • نتنياهو وترامب وضعا خطة تسوية يريدان فرضها بالقوة على الفلسطينيين.
    نتنياهو وترامب وضعا خطة تسوية يريدان فرضها بالقوة على الفلسطينيين.

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في تقرير مطول لعدد من مراسليها إن "إسرائيل" أبرمت اتفاقاً مع دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الخميس لإقامة "تطبيع كامل للعلاقات" وسحب خطط لضم أراضي الضفة الغربية المحتلة في الوقت الحالي لتحسين العلاقات مع بقية العالم العربي.

وفي بيان مفاجئ صادر عن البيت الأبيض، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه توسط في صفقة بين "إسرائيل" والإمارات تشمل التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات في مجالات الاستثمار والسياحة والأمن وغيرها مع السماح برحلات جوية مباشرة بين الدولتين وإنشاء سفارات متبادلة.

وأعلن ترامب أن "إسرائيل" والإمارات ستقيمان "تطبيعاً كاملاً للعلاقات" وأن "إسرائيل" في المقابل ستتخلى عن "إعلان السيادة" على أراضي الضفة الغربية المحتلة. وأوضح أنه أجرى قبل الإعلان مكالمة خاصة ثلاثية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، حيث اتفقا على وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية سلام تاريخية. وأضاف أن هذا الاتفاق يعد "خطوة مهمة نحو بناء شرق أوسط أكثر سلاماً وأماناً وازدهاراً".

وقال ترامب إن الصفقة ستؤدي إلى تعاون أكبر في مجالات الاستثمار والسياحة والأمن والتكنولوجيا والطاقة وغيرها من المجالات بينما يتحرك البلدان للسماح برحلات جوية منتظمة للركاب وفتح السفارات والممثليات التجارية لأول مرة.

وقالت "نيويورك تايمز" إنه إذا تم الوفاء بالاتفاق، فإن الاتفاقية ستجعل الإمارات ثالث دولة عربية فقط تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية مع "إسرائيل" إلى جانب مصر، التي وقعت اتفاقية سلام في عام 1979، والأردن، الذي وقع معاهدة في عام 1994. ويمكن أن تعيد ترتيب الجمود الطويل في المنطقة، ويحتمل أن تقود دولاً عربية أخرى إلى أن تحذو حذوها في تشكيل تحالف صريح مع "إسرائيل" ضد عدوهم المشترك في إيران مع إخراج خطة الضم المتفجرة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من على الطاولة، على الأقل في الوقت الحالي.

وقال ترامب للصحافيين في حدث تم الترتيب له على عجل في المكتب البيضاوي: "هذا الاتفاق هو خطوة مهمة نحو بناء شرق أوسط أكثر سلاماً وأماناً وازدهاراً. الآن وقد تم كسر الجليد، أتوقع أن تحذو المزيد من الدول العربية والإسلامية حذو الإمارات العربية المتحدة".

لكن الاتفاق ولّد رد فعل عنيفاً فورياً في المنطقة من جانبين متعارضين من الطيف الأيديولوجي. على الأقل، شعر بعض المستوطنين الإسرائيليين وحلفاؤهم السياسيون بخيبة أمل لأن نتنياهو سيتخلى عن خطته للمطالبة بالسيادة على أراضي الضفة الغربية، بينما شعر الفلسطينيون بأن دولة عربية قد تخلت عنهم، مما جعلهم محاصرين في وضع راهن لا يمكن تحمله حتى من دون التهديد المتمثل بالضم.

وقال أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في مقابلة قبل وقت قصير من استدعاء السفير الفلسطيني لدى الإمارات احتجاجاً على ذلك: "هذا يوم أسود في تاريخ فلسطين. هذا الاتفاق هو خروج كامل عن الإجماع العربي. لم يصرح الشعب الفلسطيني لأحد بتقديم تنازلات لإسرائيل مقابل أي شيء".

وقالت الصحيفة إنه لطالما حافظت "إسرائيل" والإمارات على علاقة سرية مكشوفة حول المصالح المتبادلة، وقد ظهرت فكرة إضفاء الطابع الرسمي عليها مرات عدة خلال العام الماضي. لكن الجانبين أخذا الأمر إلى العلن بعد ستة أسابيع من المحادثات غير المباشرة عبر جاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير مستشاريه، وبلغت ذروتها في مكالمة هاتفية الخميس بين ترامب ونتنياهو ومحمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات.

وأعطت الصفقة ترامب انفراجة لقيت ترحيباً كبيراً في وقت كان يكافح في الداخل مع وباء مميت وانهيار اقتصادي وسط السباق لإعادة انتخابه حيث تظهر استطلاعات الرأي أنه يخسر. كان كل من "إسرائيل" والإمارات، لكل منهما لأسبابه الخاصة، سعيدتان بنسب الفضل إلى ترامب لتعزيز مواقفهما في واشنطن، ويخطط الرئيس لتنظيم حفل توقيع في البيت الأبيض في الأسابيع المقبلة.

وظهرت حساسية الاتفاق بعد الإعلان، حيث أكد الإماراتيون أنه مرهون بوفاء "إسرائيل" بتعهدها بالتخلي عن الضم حتى عندما أكد نتنياهو أنه كان مجرد وقف مؤقت احتراماً لترامب. لكن كلا الجانبين كانا يلعبان مع الدوائر المحلية لتقليل التنازلات، وأعرب المسؤولون عن تفاؤلهم بأن الاتفاق سيصمد.

وقال نتنياهو في مؤتمر صحفي "هذه أمسية تاريخية". "اليوم بدأ عهد جديد في علاقات دولة إسرائيل مع العالم العربي". ودعا الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين الشيخ محمد بن زايد لزيارة القدس المحتلة، بينما أُضيء مبنى بلدية تل أبيب - يافا بعلمي "إسرائيل" والإمارات.

وشدد محمد بن زايد في بيان على تعليق الضم. وكتب: "خلال اتصال هاتفي مع الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو، تم التوصل إلى اتفاق لوقف المزيد من الضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. كما اتفقت الإمارات و"إسرائيل" على التعاون ووضع خارطة طريق نحو إقامة علاقة ثنائية".

في "إسرائيل"، جاء التطور في لحظة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لنتنياهو، الذي يقود حكومة ائتلافية هشة ومنقسمة ويواجه المحاكمة بتهم الفساد. إن وعده بالضم، الذي قدمه مراراً خلال ثلاث انتخابات حديثة، قد تركه في مأزق بعد أن عارض كوشنر المضي قدماً به من دون العمل من خلال خطة السلام الرسمية لترامب. ولكن بعد وقت قصير من الاتفاق يوم الخميس، أعلن نتنياهو وخصومه المحليون أنهم أحرزوا تقدماً في محادثات الائتلاف.

وقال مارتين إنديك ، الذي عمل كمبعوث أميركي خاص للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في عهد الرئيس باراك أوباما، إن الاتفاق أعطى ترامب ونتنياهو طريقة للهروب من مأزق سياسي من صنعهما مع خطة ترامب للسلام المتعثرة وحملة نتنياهو للضم. وقال: "إن الاتفاق يخرج ترامب من الزاوية التي حشر نفسه فيها بموافقته على إضفاء الشرعية على المستوطنات ومن ثم اكتشف أن العالم العربي لديه مشكلة مع ذلك. الآن لديه شيء يمكنه المطالبة بمكافأته".

وقد أحاط ترامب نفسه في المكتب البيضاوي بوفد كبير من مساعديه والمسؤولين الذين كدسوا الثناء عليه، وقال مازحاً إن الاتفاقية يجب أن تسمى "اتفاقية دونالد جيه ترامب". وفي إفادة لاحقة، أعلن روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، أن الرئيس يجب أن يفوز بجائزة نوبل للسلام.

وفي الأيام الأخيرة، توقع ترامب أنه سيوقع في المرة المقبلة اتفاقاً سريعاً مع إيران لكبح اتفاقها النووي إذا أعيد انتخابه، على الرغم من عدم وجود أي مؤشر على أن مثل هذه المصالحة كانت وشيكة حقاً. وقال: "إذا فزت في الانتخابات، فسوف أبرم صفقة مع إيران في غضون 30 يوماً".

وهنأ نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن جونيور، المرشح الديمقراطي للرئاسة، "إسرائيل" والإمارات في بيان لم يشر فيه إلى ترامب. وبدلاً من ذلك، أشار إلى عمله في المنطقة كنائب للرئيس بينما كان يذكّر اللاعبين بمعارضته للضم إذا فاز في تشرين الثاني / نوفمبر. وقال بايدن: "لقد أمضيت شخصياً بعض الوقت مع قادة كل من إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. خلال قيام إدارتنا ببناء قضية للتعاون والمشاركة الأوسع والفوائد التي يمكن أن تقدمها لكلا البلدين، ويسعدني إعلان اليوم".

لطالما عارض القادة الفلسطينيون تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية لأنه من شأنه إضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال.

وقال ممثلو الإمارات إنهم يتوقعون أن تصف "إسرائيل" وقف الضم على أنه مؤقت فقط، لكن من الناحية العملية، من المرجح أن يؤجل الاتفاق احتمالية مثل هذه الخطوة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. وجادل الإماراتيون بأن ذلك قد يؤدي إلى زيادة معارضة الإدارة في واشنطن للفكرة وقد يصل إلى حد الإلغاء إلى أجل غير مسمى.

وقالت تمارا كوفمان ويتس، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، إنه كان لكل من الإمارات و"إسرائيل" "أسبابهما الوجيهة لإيجاد طريقة لفتح الباب أمام العلاقات الرسمية، لكن لا شك في أن الإعلان اليوم هو كذلك نعمة لدونالد ترامب. ومع ذلك يبدو أن كلتا الدولتين تهيئان نفسيهما أيضاً لتحقيق فوز محتمل لبايدن، من خلال إزالة القضايا من على الطاولة... يبدو أن بيبي (نتنياهو) ومحمد بن زايد قد وضعا رهاناتهما لشهر تشرين الثاني / نوفمبر".

وفسرت الصحيفة خلفيات الاتفاق بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحتاج إلى تذكير الإسرائيليين بسبب انتخابهم له، وسط خطة ضم مفعمة بشكل متزايد. كما أن ترامب بحاجة إلى الفوز في الانتخابات، بينما تحتاج الإمارات، التي تتعرض لانتقادات بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان في اليمن، إلى تحسين صورتها في واشنطن.

ترجمة بتضرف: هيثم مزاحم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً