تركيا متروكة في حالة من الضعف وعدم الاستقرار

لقد كان الانقلاب غير متوقع وغير مسبوق بحيث أن تركيا مليئة بالناس الذين يطرحون تساؤلات حول مستقبلهم ومستقبل بلدهم، تساؤلات لا يملكون إجابات واضحة عليها.

الكثير يعتمد على الخطوة التالية التي سيقوم بها أردوغان
يمزق الانقلاب وعملية التطهير تركيا. الجيش التركي الذي لطالما شكل العمود الفقري للدولة يبدو في حالة من الاضطراب. 40% من جنرالاته وادميرالاته إما اعتقلوا أو اقيلوا بما في ذلك ضباط رفيعو المستوى والذين يشتبه بأنهم شنوا الانقلاب العسكري الذي تم إجهاضه في 15 و16 تموز/ يوليو الجاري.

على مدى السنوات الخمس الماضية بدت تركيا الدولة الأكثر استقراراً ونجاحاً في الشرق الأوسط، ونموذجاً يمكن لجيرانها أن يحتذوا به. لكن بدل أن يصبح العراق وسوريا مثل تركيا أصبحت هي مثلهما بمعنى الانقسام السياسي والعرقي والمذهبي. 
يواجه البلد ضغوطات على جبهات عدة خصوصاً الحرب مع الميليشيات الكردية في الجنوب الشرقي والهجمات الارهابية لداعش والعزلة الدبلوماسية النابعة من التورط التركي الكارثي في الحرب في سوريا.

إن زعزعة الاستقرار في تركيا بمثابة أخبار جيدة لداعش لأن الأجهزة الأمنية التركية التي لم تكن يوماً جادة في ملاحقة المتمردين السلفيين الجهاديين سيكون عليها أن تكرس أغلب جهودها لمطاردة الغولنيين (أنصار فتح الله غولن). كل من داعش والتنظيمات المختلفة التابعة للقاعدة مثل جبهة النصرة ستستفيد من المناخ المناهض للولايات المتحدة في تركيا حيث الغالبية تعتقد أن الولايات المتحدة دعمت الانقلاب.

كان ينظر إلى الجيش التركي على أنه الضامن للاستقرار في تركيا داخل وخارج البلاد. لكن الانقلاب الفاشل حطمه بحيث سيكون من الصعب إعادته إلى ما كان عليه. ليس أقل من 149 من أصل 358 ضابطاً وادميرالاً جرى اعتقالهم أو طردوا. ومن بين المعتقلين قائد الجيش الذي قاد مواجهة التمرد الكردي في جنوب شرق البلاد والقائد السابق لسلاح الجو.   

استغرق العديد من الأتراك وقتاً للانتباه إلى مدى خطورة ما جرى. لكن بات من الواضح أن محاولة الانقلاب لم تكن مجرد عمل لزمرة صغيرة من الضباط غير الراضين في صفوف القوات العسكرية، بل كانت نتاج مؤامرة واسعة للسيطرة على الدولة التركية التي كانت تسيطر لعقود طويلة على القرار ونجحت في ذلك إلى حد كبير.  

لقد كان الانقلاب غير متوقع وغير مسبوق بحيث أن تركيا مليئة بالناس الذين يطرحون تساؤلات حول مستقبلهم ومستقبل بلدهم، تساؤلات لا يملكون إجابات واضحة عليها.

حتى اللحظة يستفيد أردوغان من درجة معينة من التضامن الوطني ضد المتآمرين. العديد من الأتراك وليس مؤيدوه فقط ينتقدون الحكومات الأجنبية والاعلام لكونها اكتفت بالادانات الرمزية للانقلاب قبل مطالبتها بضبط النفس والسلوك في عملية التطهير التي أعقبته.

يشير هؤلاء إلى أنه لو كان الانقلاب أكثر نجاحاً بقليل لكانت واجهت تركيا ديكتاتورية عسكرية كاملة أو حرب أهلية أو الاثنتين معاً.

من الصعب أن تجد شخصاً يسارياً كان أو يمينياً لا يشتبه بتورط الولايات المتحدة في الانقلاب في مرحلة ما. ربما أردوغان نفسه مقتنع بذلك بمعزل عن النفي الأميركي ومن شأن ذلك أن يحدد معالم سياسته الخارجية في المستقبل.

يقول أحد المراقبين "إن الدعم الشفهي لأردوغان من قبل الدول الغربية خلال وبعد الانقلاب مباشرة يظهر عزلته دولياً". الزعيم التركي سيغادر لرؤية فلاديمير بوتين في 9 اب اغسطس بيد أنه من المشكوك فيه أن يكون التحالف مع روسيا وإيران بديلاَ لعضوية تركيا الطويلة الامد في الناتو.

"الدولة تنهار" يقول أحد المعلقين لكنه سرعان ما يضيف "إن الكثير يعتمد على الخطوة التالية التي سيقوم بها أردوغان".
في الماضي أظهر أردوغان براغماتية ترافقها شهية للقتال السياسي والمزيد من السلطة. لقاؤه الأسبوع الماضي مع زعماء الأحزاب الأخرى باستثناء الكرد قد يكون مؤشراً إلى أنه سيضطر للتحالف مع العلمانيين.

تركيا تدفع ثمناً باهظاً نتيجة تحالفات أردوغان السابقة والتحالفات الخطأ. أنصار غولن تمكنوا من الدخول الى الجيش ومؤسسات الدولة بسهولة نتيجة التحالف الذي كان قائماً بين 2002 و2013 في مواجهة العلمانيين. داعش تمكن من إقامة شبكة من الخلايا في تركيا لأنه حتى وقت قريب غضت الأجهزة الأمنية الطرف عن الجهاديين السلفيين الذين استخدموا تركيا قاعدة لحربهم في سوريا.
أردوغان استأنف الحرب على حزب العمال الكردستاني كجزء من حيلة لحشد الدعم القومي بعد هزيمته في الانتخابات العامة في 7 حزيران/ يونيو العام الماضي.
يحاول أردوغان أن يصعد على وقع الأزمة والمواجهة التي شكل الانقلاب الفاشل أحدث أمثلتها. لكن الوضع المتأزم المستمر تضعف وتزعزع الاستقرار في تركيا في الوقت الذي تجتاح الحرب بقية المنطقة.