خطاب ترامب لم يتضمن أي قرار

الخطاب حول موضوع هام وحاسم مثل مستقبل الاتفاق النووي مع إيران، الذي توقع محللون في واشنطن أنه سيشكل "تحولاً إستراتيجياً"، هذا الخطاب لم يكشف في نهاية المطاف إلا عن خطاب ترامبي نموذجي يعكس خصال هذا الرجل، الذي ما يزال يتعامل مع المشاكل والمواضيع كما لو أنه لا يزال مرشحاً للرئاسة. والحقيقة هي أن وصف الهجاء الغاضب والتوبيخ اللاذع الموجه ضد طهران، وتجاهل الحقائق، على أنه "تحول إستراتيجي" ما هو إلا من باب المبالغة الكبيرة والإهانة الشديدة لكل ما يرمز إلى السياسة المنظمة والتفكير السياسي الراجح.

إن آخر رجل في العالم يمكن لغضب ترامب على إيران أن يؤثر عليه هو الرئيس فلاديمير بوتين

لقد كان ترامب في أفضل أحواله، وكان هذا الأمر بالذات هو العيب الأكبر في الخطاب. فالخطاب كان متأرجحاً ويفتقر إلى التركيز، حاله حال كل المسارات المتعرجة التي سلكها ترامب في المواضيع الأخرى خلال شهور ولايته، مثل فشله في تفكيك برنامج اصلاحات الضمان الصحي الذي وضعه أوباما، وعدم قدرته على فرض قوانين الهجرة على النحو الذي كان يتطلع إليه.

لقد كرر ترامب قوله بأن هذا هو "الاتفاق الأسوأ في تاريخ أمريكا" إلا أنه لم يلغِه ولم ينسحب منه. وهو قد اتهم إيران، وبحق، بتأييد ودعم الإرهاب، إلا أنه تمسك بالعادة المريحة وبالمخرج الهادئ الذي تبناه حيال مشاكل ومواضيع أخرى – أي إلقاء مهمة الحسم النهائي على كاهل أعضاء الكونغرس. ووفق التقارير فقد كان من المتوقع أن يقوم ترامب بالإعلان عن الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لكنه تراجع ولم يفعل ذلك. وربما ترك هذه الخطوة أيضاً للكونغرس.

الأمر الذي يمكن قوله بالاعتماد على الردود والتحليلات التي ترددت في أوساط كبار الدبلوماسيين في نيويورك هو أن الخطاب، عملياً، لن يغيِّر الكثير من مكانة الاتفاق، هذا إذا كان هناك تغيير أصلاً. وحتى إذا قرر الكونغرس فرض المزيد من العقوبات على إيران، أو تشديد القائمة منها، فإن الدول العظمى الخمس الموقعة على الاتفاق لن تنضم إلى العقوبات الأمريكية أحادية الجانب، وهي ستواصل، وحتى أنها ستزيد من صفقاتها الضخمة مع إيران. وقد أوضحت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي بالفعل أن الاتفاق لا يزال قائماً.

إن آخر رجل في العالم يمكن لغضب ترامب على إيران أن يؤثر عليه هو الرئيس فلاديمير بوتين. إذ لا يخطر ببال رجل الكرملين أن يوقف أو حتى أن يبطئ من وتيرة تنفيذ صفقة السلاح الضخمة مع إيران. وبكلمات أخرى، فإن الذُهان (خلل في التفكير المنطقي / المترجم) الذي يسيطر على ترامب للقضاء على أي شيء بادر إليه سلفه باراك أوباما لم ينجح في ما يتعلق بالاتفاق مع إيران، وذلك بالطريقة نفسها التي فشل فيها في مواضيع أخرى. وقد سارع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى الثناء على ترامب ووصف مضمون الخطاب بأنه "قرار شجاع". لكن المشكلة هي أنه إذا ما كان هناك شيء بارز يميز الخطاب فهو حقيقة أنه لم يتضمن أي قرار.          

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً