"نيويورك تايمز": اختفاء خاشقجي قد يعطل خطط ترامب لحصار إيران

إن هدف ترامب والسعوديين واضح: أَخرج الدور السعودي في اختفاء خاشقجي من العناوين الرئيسية للإعلام وركّز من جديد على الإيرانيين.

التداعيات المحتملة على خطة حصار الإيرانيين قد سيطرت على المناقشات الأميركية حول تداعيات قضية خاشقجي

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن المسؤولين في البيت الأبيض يشعرون بالقلق من أن قتل الصحافي السعودي المنشق جمال خاشقجي، ورواية السعودية المتغيرة عن مصيره، قد يؤديان إلى عرقلة المواجهة مع إيران ويعرضان للخطر الخطط الأميركية لتجنيد المساعدة السعودية لتجنب تعطيل سوق النفط.

وقال المسؤولون إن هذه المعضلة تأتي في لحظة مشحونة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي يتوقع أن تعيد فرض عقوبات قاسية على إيران في الخامس من تشرين الثاني - نوفمبر المقبل، بهدف قطع جميع صادرات النفط الإيرانية.

ولكن من أجل جعل الاستراتيجية ناجحة، تعتمد إدارة ترامب على علاقتها مع السعوديين للحفاظ على تدفق النفط العالمي من دون ارتفاع الأسعار، والعمل معاً على وضع سياسة جديدة لاحتواء إيران في الخليج الفارسي.

وأضافت الصحيفة أنه إذا سارت هذه الخطة المنسقة بعناية، فمن المرجح أن يشهد السعوديون زيادة كبيرة في عائدات النفط في اللحظة التي يتحدث فيها الكونغرس عن معاقبة المملكة بسبب قضية خاشقجي. وأشارت الصحيفة أن ذلك هو أحد الأسباب التي دفعت إلى إرسال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى الملك سلمان في المملكة العربية السعودية وولي عهده محمد بن سلمان يوم الثلاثاء.

وقال مسؤولون أميركيون إن جزءًا من المشكلة هو صورة السعودية التي تبدو كحليف وحشي، بما في ذلك قيادتها حملة عسكرية مميتة في اليمن، تماماً كما كان الرئيس ترامب وبومبيو يتهمان إيران بأنها البلطجي في المنطقة.

وقال ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، والذي عمل مع عدد من الرؤساء الجمهوريين: "إنها خدعة رائعة إذا كان بإمكانك معاقبة بلد والقيام بشراكة معه في نفس الوقت. فليس من السهل إبقاء التركيز على سلوك إيران عندما يقوم السعوديون بأمور رهيبة للصحافيين والمعارضين، وقصف الأطفال في اليمن".

بعد اتصال هاتفي مع الأمير محمد بن سلمان يوم الثلاثاء، قال ترامب إن حكام المملكة قد "نفوا تماما معرفتهم بمصير جمال خاشقجي، وقال إن ولي العهد، الذي كان يجتمع مع بومبيو أثناء المكالمة، سيوسع التحقيق في اختفاء خاشقجي والاشتباه في قتله قبل أسبوعين.

ولم يشاهد خاشقجي، وهو كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست، منذ أن دخل القنصلية السعودية في اسطنبول في الثاني من تشرين الأول - أكتوبر. وقد أكد المسؤولون الأتراك أن خاشقجي قد قُتل وأن جثته قد قُطعت. ونفى مسؤولون سعوديون ارتكاب أي مخالفات بهذا الشأن.

وبينما زاد اختفاء خاشقجي من حدة التوترات بين المملكة العربية السعودية من جهة وتركيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، فإن البيت الأبيض كان يقيس الضرر الذي لحق باستراتيجيته تجاه إيران.

وقالت نيويورك تايمز إنه في مقابلات أجرتها هذا الأسبوع مع مسؤولين في إدارة ترامب وخبراء خارجيين، قالوا إن التداعيات المحتملة على خطة مفصلة لحصار الإيرانيين قد سيطرت على المناقشات الداخلية الأميركية حول تداعيات ما حدث للسيد خاشقجي. وأضافوا أن قضية الحد من مبيعات الأسلحة الأميركية إلى المملكة العربية السعودية، والتي قال ترامب أنها قد تهدد الوظائف الأميركية، تكتسب أهمية بالغة، مقارنة بقضية خاشقجي. وتحدث المسؤولون الأميركيون للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة هذه المحادثات الداخلية علناً.

ففي الخامس من تشرين الثاني - نوفمبر، من المتوقع أن تعلن الإدارة الأميركية أن أي شركة تتعامل مع إيران – في شراء النفط أو تمويل المشاريع أو الاستثمار في البلاد - سوف تمنع من ممارسة الأعمال التجارية في الولايات المتحدة، بما في ذلك التحويلات بالدولار عبر النظام المصرفي الأميركي. وقالت نيويورك تايمز إن ذلك من شأنه أن يقدم جبهة مشتركة مع السعوديين، ويجعل إيران كمصدر لجميع حالات عدم الاستقرار تقريباً في الشرق الأوسط.

لكن هذه الحجة، كما اعترف المسؤولون الأميركيون، أصبحت الآن في خطر. ويقول المسؤولون إن رسالة بومبيو إلى السعودية هي أن إجراء تحقيق ذي مصداقية وتقديم تفسير سعودي لما حدث يجب إجراؤهما بسرعة قبل أن يعرض للخطر بقية الأجندة التي وضعها ترامب ومساعدوه مع المملكة.

وقالت نيويورك تايمز إنه في الآونة الأخيرة، كان مسؤولون آخرون في الإدارة الأميركية يتنقلون في العاصمة السعودية الرياض، بحثاً عن مساعدة المملكة في مشاكل مألوفة، سواء كانت العراق أو أفغانستان أو "داعش". لكن احتواء إيران هو الذي استحوذ على الإدارة وحلفائها السعوديين.

وقال نورمان تي. رولي، الذي أشرف على تقييم إيران لعقود قبل أن يغادر وكالة الاستخبارات الأميركية (سي.آي.آيه) في العام الماضي، في مقابلة من الرياض إن السعوديين بحاجة إلى التعامل بسرعة وبشفافية مع موضوع خاشقجي. وأضاف: "لكن نحن والسعوديون بحاجة إلى العودة إلى أعمال استعادة الاستقرار ومواجهة إيران وبناء شرق أوسط أفضل".

ورأت الصحيفة أن هذا الرأي لا يشاركه الكثيرون في الكونغرس، أو بين جماعات حقوق الإنسان، التي تعتقد أن إدارة ترامب تركز على إيران لدرجة أنها على استعداد لمغفرة الأعمال السعودية التي يمكن أن تدينها وتعتبر أنه لا يمكن القبول بها إذا ارتكبت من قبل إيران.

ومع تركيز الاهتمام الدولي على المناقشات الحالية بين بومبيو والعائلة المالكة السعودية، أعلنت إدارة ترامب يوم الثلاثاء حزمة محدودة من العقوبات الجديدة ضد إيران. وكان ذلك جزءًا من الجهود المنسقة التي بذلتها الإدارة الأميركية للإدانة المتكررة لإيران وتحذير الشركات الأوروبية بضرورة قطع جميع العلاقات التجارية مع إيران قبل الخامس من تشرين الثاني - نوفمبر.

وقد صدرت العقوبات ضد قوة المقاومة "الباسيج"، وهي ميليشيا إيرانية تستخدم لترهيب المتظاهرين. ورفض المسؤولون الأميركيون الذين أطلعوا الصحافيين على العقوبات إلى حد كبير الإجابة عن أسئلة حول خاشقجي، على الرغم من طبول الأسئلة حول السعودية، والتي وصفها أحد المسؤولين بحليف له "نفس التفكير".

وقال خبراء في شؤون الشرق الأوسط للصحيفة إن هدف ترامب والسعوديين كان واضحاً: أَخرج الدور السعودي في اختفاء خاشقجي من العناوين الرئيسية للإعلام وركّز من جديد على الإيرانيين.

وقال غاري سامور، مدير مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة براندي ، وهو مساعد كبير سابق في البيت الأبيض للرئيس باراك أوباما في القضايا النووية: "أعتقد أن لديهم حافزًا قويًا لطبخ بعض القصص التي ستخرجنا من هذا الحل". وأضاف: "لا يمكنهم الذهاب مع قصة أن محمد بن سلمان قد أمر بتسليم خاشقجي. لذلك عليهم أن يجدوا قصة أخرى ذات مصداقية، وقد تكون القصة أن عملية التسليم قد تحولت إلى سيئة للغاية، أو إلى عملية مارقة".

لكن القضية الأساسية التي تحفز الإدارة ، كما أشار سامور، هي التنسيق الوثيق المطلوب مع السعوديين في الوقت الذي تتكشف فيه الإجراءات الصارمة ضد إيران. والنتيجة هي أنه في الوقت الذي يتحدث فيه الكونغرس عن فرض عقوبات اقتصادية أو عسكرية على الحكومة السعودية، فإن عائدات النفط في السعودية قد ترتفع بالفعل، في الوقت الذي تعوض فيه الرياض الأعمال التي كانت تملأها إيران في السابق.

وكان السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري من ولاية كارولينا الجنوبية والذي كان من قبل مؤيدًا قويًا للمملكة العربية السعودية، من بين أشد منتقدي ولي العهد بشأن اختفاء خاشقجي. وقال غراهام يوم الثلاثاء في برنامج "فوكس آند فريندز" الإخباري: "لقد قتل هذا الشخص في القنصلية في تركيا. لن أعود إلى السعودية طالما أن هذا الرجل (محمد بن سلمان) هو المسؤول"، مشيراً إلى أن على الملك أن يزيل ولي العهد من السلطة. وأضاف: "هذا الرجل هو كرة تحطيم".

وقالت نيويورك تايمز إن معاقبة ما يهتم به السعوديون أكثر من غيره – وهو عائدات النفط - سيؤدي إلى تقويض السياسة الأميركية تجاه إيران وسيرفع سعر البنزين وزيت التدفئة إلى مستويات أعلى بكثير، تماماً حيث يقترب الشتاء.

ويتضح تركيز البيت الأبيض على إيران من مقال سيصدر في مجلة "فورين بوليسي"، كتبه بومبيو قبل اختفاء خاشقجي، يحمل عنوان "مواجهة إيران" والمقال يصوّر إيران - إلى جانب كوريا الشمالية - بوصفهما التهديدين الرئيسيين اللذان يلتزم ترامب بإضعافهما.

وكتب بومبيو في المقال في اشارة الى حرس الثورة الاسلامية: "يجب أن يشعر قادة ايران - وخاصة اولئك في قمة حرس الثورة الإسلامية الإيرانية، مثل قاسم سليماني، رئيس قوة القدس - أن يشعروا بالعواقب المؤلمة للعنف والفساد". وأضاف: "بالنظر إلى أن هذا النظام تتحكم فيه الرغبة في إثراء الذات وأيديولوجية ثورية لا تغادره بسهولة، يجب أن تكون العقوبات قاسية إذا أرادت تغيير العادات الراسخة". وتابع: "لهذا السبب تعيد إدارة ترامب فرض العقوبات الأميركية التي تم رفعها أو التنازل عنها كجزء من الصفقة النووية. عاد أولها إلى حيز التنفيذ في 7 آب - أغسطس الماضي، مع عودة البقية في 5 تشرين الثاني - نوفمبر. ونعتزم الحصول على واردات عالمية من النفط الخام الإيراني قريبة من الصفر قدر الإمكان بحلول 4 تشرين الثاني – نوفمبر".

 ترجمة: الميادين نت