"هآرتس": هل نقترب من أقسى حرب في تاريخ إسرائيل؟

يعتبر الكاتب في صحيفة "هآرتس" أن ثمن الحرب القادمة سيكون باهظاً جداً على ما يبدو منذ حرب الاستقلال 1948، والفائدة ستكون صغيرة، الأزمة ستكون كبيرة. وأمام التهديد المقترب، "من المناسب ان يشرح لنا قادة الدولة علامَ نحن ذاهبون إلى القتال ولماذا؟ لأنه في نهاية المطاف، نحن سندفع الثمن". 

  • "هآرتس": هل نقترب من أقسى حرب في تاريخ إسرائيل؟
    ثمن الحرب القادمة سيكون باهظاً جداً !

صحيفة "هآرتس"  الإسرائيلية تنشر مقالاً حول الخطاب الذي ألقاه رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي في المركز المتعدد المجالات في هيرتسيليا، فيما يلي ترجمته الكاملة:

في الخطاب الذي ألقاه رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي في المركز المتعدد المجالات في هيرتسيليا (25/12/2019) كانت هناك ثلاث رسائل رئيسية: الاحتكاك بين "إسرائيل" وبين إيران قد يؤدي إلى حرب معها ومع حلفائها; الحرب ستكون مختلفة عن كل الحروب التي عرفناها، والثمن فيها لن يدفعه فقط الجنود على الجبهة بل سيدفعه أيضاً المدنيون في الجبهة الداخلية; الجيش الإسرائيلي مجبر على تحقيق النصر بصورة واضحة من أجل تجديد الردع ضد أعداء "إسرائيل" وذلك بهدف تحقيق فترة طويلة من الهدوء بعدها.   

إن الخطاب الذي يعكس توجهاً جديداً في الجيش الإسرائيلي، ويهدف التوضيح للجمهور اللامبالي في "إسرائيل" بأننا نقترب إلى حرب قاسية، وربما هي الأقسى في تاريخ الدولة منذ 1949، هذا الخطاب يذكرنا بالرسائل الرئيسة في خطاب "الدم والعمل والعرق والدموع" الذي ألقاه ونستون تشرشل مع تسلمه مهام منصبه في أيار / مايو 1940.

ولكن تشرشل تحدث إلى جمهور كان يدرك أن بريطانيا موجودة في حرب قاسية وطويلة، وأثبت استعداده لتحملها. بينما يتحدث كوخافي إلى جمهور تتمثل اهتماماته الرئيسية في من يفوز بمسابقات الشيف، ومن سيكون نجم اليوروفيجن (مهرجان الأغنية الأوروبية)، وأين سيقضون الإجازة الشتوية. ويبدو أن "تشرشل" الخاص بنا يخصص، في السنة الأخيرة، وقتاً لمواجهة مشاكله القضائية ومشاكله السياسية أكثر من الوقت الذي يخصصه لمنع الحرب القادمة، ويبالغ في إنجازات "العقد الرائع" في ظل حكمه وكأنه لا يوجد في نهايته أي تهديد.  

لكن الأخطر من ذلك يتمثل في حقيقة أنه لا يوجد للحرب القادمة هدف يتجاوز خلق فجوة زمنية قبيل الحرب التي تليها. وهذا وضع غير مسبوق. فـ "إسرائيل" قد خاضت حتى الآن ست حروب كبيرة. وكان لكل واحدة منها أهدافها، التي تم تحقيقها في معظم الحالات. وهذه تذكرة قصيرة:  

لقد كانت حرب التحرير في 1948 الأقسى والأغلى في حروب إسرائيل، لكن أهدافها كانت هائلة: إقامة دولة مستقلة، توسيع الحدود بما يتجاوز الحدود التي كانت مخصصة للدولة اليهودية وفق قرار التقسيم الصادر في تشرين الثاني / نوفمبر 1947، وخلق غالبية يهودية واضحة حتى وإن كان ذلك بثمن خلق قضية اللاجئيين. وحرب سيناء عام 1956 منحت إسرائيل عقداً من الهدوء، والذي كان العقد الرائع الحقيقي في تاريخ البلاد. حيث تم فيه تحقيق إنجازات هائلة في مجال البناء والبنى التحتية والصناعة والزراعة والهجرة ومستوى المعيشة. وتم فيه أيضاً بناء الجيش الذي حظي بالانتصار الرائع في حرب الأيام الستة، وأصبحت "إسرائيل:، وفق تقارير أجنبية، الدولة النووية السادسة في العالم.  

حرب الأيام الستة في حزيران / يونيو فُرضت على إسرائيل. والإنجازات العسكرية التي تحققت فيها – احتلال سيناء والضفة الغربية والجولان – منحتها ثروات إقليمية تسمح لها بتحقيق السلام. كما أقنعت الحرب العالم العربي بأنه ليس بوسعه هزيمة إسرائيل. وحرب الاستنزاف 1969-1970 فُرضت على "إسرائيل"، التي لم تكن مستعدة للدخول في عملية من المتوقع أن تفضي في نهايتها إلى التخلي عن المناطق التي اُحتلت في 1967. ولم يكن لهذه الحرب أي هدف يتجاوز الحفاظ على الوضع الراهن، إلا أن غالبية الجمهور الإسرائيلي نظر إليها على أنها مشيئة القدر لأن "ثمنها" كان منخفضاً نسبياً، وهي قد حدثت بعيدة عن تل أبيب، في مكان ما هناك على ضفاف القناة.    

وكانت حرب يوم الغفران 1973 حرب دفاع واضحة عن النفس – على الرغم أنه من المرجح الافتراض أنه لو كان لدى "إسرائيل" الاستعداد قبلها للدخول في عملية سياسية لكان بوسع ذلك الحيلولة دون حدوثها. ولم يكن أيضاً لهذه الحرب القاسية أهداف كبيرة باستثناء الحفاظ على الوضع الراهن. ويتذكر الجميع هنا كيف تمكن الجيش الإسرائيلي من التعافي بسرعة من المفاجأة التي حدثت مع بداية الحرب. وحرب لبنان الأولى عام 1982 هي الحرب الأكثر إثارة للجدل. وعلى الرغم من ذلك فإن هدفها المركزي، وهو إزالة التهديد العسكري الفلسطيني على شمال البلاد، قد تحقق. مع أنه اتضح، بمرور الأيام، أنه قد حل محله تهديد أخطر بكثير.   

ومنذ الانسحاب من لبنان عام 1985 دخلت "إسرائيل"، بشكلٍ رئيسي، في حروب ضد منظمات مسلحة وتنظيمات حرب عصابات وسكان مدنيين. ولم يكن لهذه الحروب أي هدف واضح باستثناء توفير أطول فترة من الهدوء حتى الحرب القادمة.   

هذا هو أيضاً هدف الحرب التي يتحدث عنها الآن رئيس هيئة الأركان. ولكن، خلافاً للمواجهات منذ عام 1985، فإن الثمن في الحرب القادمة سيكون باهظاً جداً. فالتوقعات التي تقول بأنه سيتم إطلاق 1500 صاروخ على "إسرائيل" في كل يوم من أيام الحرب، وأن 2000 صاروخ يحمل كل منها رأساً يزن نصف طن ستضرب منطقة غوش دان، هذه التوقعات تُعتبر واقعية. وإذا ما تحققت فإن مشهد الأفق في تل أبيب سيكون مختلفاً جداً في نهاية الحرب. فمن المحتمل أن يُقتل آلاف المدنيين فيها، والصدمة التي حدثت في حرب يوم الغفران ستتضاءل مقارنة بالصدمة التي ستحدثها.   

الحروب تقاس أيضاً على أساس التناسب بين الثمن والفائدة منها. وثمن الحرب القادمة سيكون باهظاً، ويبدو أنه سيكون الأقسى منذ حرب الاستقلال، والفائدة ستكون ضئيلة; والأزمة ستكون كبيرة. ولو حاولنا العودة لتقديم صياغة أخرى لتصريح تشرشل لأمكن القول: قد نجد أنفسنا في نهاية هذه الحرب في وضع "لم يسبق فيه للكثيرين بأن دفعوا الكثير الكثير على أقل القليل".     

وعليه، وفي ظل التهديد الآخذ بالاقتراب، من المناسب أن يشرح لنا قادة الدولة الهدف الذي من أجله نحن ذاهبون إلى الحرب، ولماذا. لأننا في نهاية المطاف نحن من سندفع الثمن.  

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً