"جيروزاليم بوست": إسرائيل تصبح دولة فاشية

في مرحلة ما، بعد فترة الحضانة، تبدأ براعم الفاشية في النمو والاندفاع من داخل التربة. من هذه النقطة، يمكن أن تنمو بسرعة كبيرة، وأحياناً بسرعة كبيرة بحيث يصعب منعها من تلويث كل من حولها. 

  • "جيروزاليم بوست": نتنياهو يستخدم سلطته كقائد لسحق أي شخص يحاول معارضته

صحيفة "جيروزاليم بوست" تنشر مقالاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، يقول فيه إن إسرائيل تصبح دولة فاشية، ويعتبر إن رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو يستخدم سلطته كقائد لسحق أي شخص يحاول معارضته. أدناه النص الكامل للمقال:

يبدأ انزلاق على المنحدر الزلق إلى الفاشية دائماً بخطوات طفيفة. في بعض الأحيان تكون صغيرة جداً لدرجة أنها تكون بعيدة عن الأنظار وغير مرئية للوعي العام. يمكن أن تكون فترة نضوجها طويلة جداً، ويمكن أن تظل تحت رادار انتباه الجمهور وخارج وسائل الإعلام أيضاً، على الرغم من أن وسائل الإعلام من المفترض أن تكون أكثر حساسية.

في مرحلة ما، بعد فترة الحضانة، تبدأ براعم الفاشية في النمو والاندفاع من داخل التربة. من هذه النقطة، يمكن أن تنمو بسرعة كبيرة، وأحياناً بسرعة كبيرة بحيث يصعب منعها من تلويث كل من حولها. 

نحن أبعد من فترة الحضانة. لم تُبرز البراعم فقط جذورًا عميقة في أرض واقعنا، بل ونمّت بالفعل فروعًا تنتشر بسرعة. سنفاجأ قريبًا عندما يتضح لنا أن العنصر الأساسي الذي مكّن دولة إسرائيل من أن تصبح دولة قوية ومستقرة وذات مصداقية وحبيبة، على الرغم من كل نقاط ضعفنا التي تكشفت، يختفي من حياتنا: الديمقراطية.

قلت إنها تبدأ بأشياء صغيرة. مثلاً، عندما يسرق رئيس الوزراء وزوجته وأفراد عائلته، على سبيل المثال، مبالغ صغيرة من المال من خزينة الدولة - لأنهم معروفون أنهم بخيلون بشكلٍ سيء ويريدون استغلال كل فرصة لزيادة ما تدفعه الدولة مقابل خدمتهم العامة.

قضية شبه تافهة حتى من المُحرج أن أذكرها - سرقة زجاجات بلاستيكية فارغة من المشروبات الغازية أو سوائل التنظيف - تم شراؤها لمنزل رئيس الوزراء. تم جمعها وتخزينها من قبل سيدة المنزل، والتي قامت بعد ذلك بإرسالها مع ناقل موثوق لاسترداد ثمنها نقداً حيث يدفع الشعب مقابل إعادة تدوير هذه الزجاجات. بعد ذلك، يضعون هذه المئات في جيوبهم بهدوء، وأحيانًا حتى آلاف الشواكل.

لا يعيدون الأموال التي حصلوا عليها لإعادة تدوير الزجاجات للشعب، بل وبدلاً من ذلك يحتفظون بها لأنفسهم كمصروف جيب. نعم، أوافق، يبدو هذا تافهاً للغاية، حتى محرجاً. أعني، من أجل الخير، أليس لديك شيء أهم من القلق بشأن بضعة آلاف من الشواكل؟ نحن نتحدث عن رئيس الوزراء الذي يتخلى عن روحه لخدمة الشعب. كان بإمكانه أن يكسب الملايين في القطاع الخاص، لكنه يختار بدلاً من ذلك تكريس كل يوم وليلة لرعايتنا. بصدق.

في النهاية، سيتم نسيان كل أعمال اللصوصية الصغيرة هذه. ولكن بعد ذلك تتحول إلى أعمال أكبر. تريد العائلة تناول طعام جيد بشكل خاص، والذي يصادف أيضاً أنه باهظ الثمن. لذا، يأمرون بجلبه ديليفيري، وأخذ الأموال من خزينة الدولة، ثم يقومون بتزوير الفواتير وخداع حراس البوابة (أجهزة القانون) وتوجيه الاتهام للدولة.

ربما يكون البعض منا على استعداد لترك هذا الأمر أيضاً. إنه أقل إحراجاً من تحويل مثل هذه التفاصيل الصغيرة إلى معركة عامة. قد يقولون إن هذا جشع قليلاً. وماذا في ذلك؟ هل من أجل هذا نحن على استعداد للقتال مع رئيس الوزراء الذي يكرس كامل كيانه لشؤون الدولة؟

ثم يتصلون بأصدقائهم الأغنياء ويطلبون الهدايا. تماماً هكذا. فبعد كل شيء، يجوز تقديم الهدايا للأصدقاء وأصدقاءهم يجوز لهم تلقي الهدايا. وعندما يُسمح بذلك، يأخذون ما يستطيعون. وعندما يُسمح، يسألون عمّا يريدونه. وإذا كان ذلك ممكنًا، فإنهم يقاضون أي شخص يستطيعون.

بدأ الأمر مع صندوق واحد فقط من الشمبانيا. ولكن بعد فترة، يتحول صندوق واحد إلى شاحنة كاملة فيها مئات الصناديق وآلاف الزجاجات ومئات السجائر والمجوهرات الذهبية الباهظة الثمن. الأشخاص الذين يقدمون هذه الهدايا لا يتبرعون بها - يُطلب منهم تقديمها. وفي النهاية، يفعل الجميع ما يطلب منهم القيام به.

ورويداً رويداً، تحقق العائلة الحصانة، بينما يراقب الشعب هذه الأعمال، لكن يبقى صامتاً. لأنهم يستحقون هذا. لأنهم يعتنون بنا. تتغير مكانتهم. لقد تحولوا إلى عائلة ملكية. عائلة تستحق كل شيء، ويسمح لها بأخذ أي شيء تريده. كنوز البلاد مفتوحة لها.

وهذه فقط البداية. يبدأ الأمر هنا وينتقل إلى أكثر الأشياء خيالية التي تحدث فقط في الأنظمة غير الديمقراطية. الآن، كل شيء يتحرك بسرعة. لذلك يبدو كل شيء طبيعيًا ولا يمكن إيقافه. الطلب من الأجهزة السرية في البلاد تعقّب المواطنين كطريقة للعثور على الأفراد الذين تعرضوا لفيروس كورونا هو شيء واحد، لكن سرعان ما يتضح أن هذا الادعاء لا أساس له.

إن قدرات الشاباك معروفة جيداً. لن يساعد الحصول على هذه المعلومات في تقليل عدد الأشخاص المصابين بالفيروس. ومع ذلك، يمكن أن يعرض المواطنين للرصد المستمر من قبل الهيئات الحكومية. بعد ذلك، سيكون من الممكن الاستفادة من هذه المعلومات في الأمور التي لا علاقة لها بوباء كوفيد-19، من خلال تحديد المواطنين الذين لديهم سبب للخوف من التعرض للمضايقة من قبل السلطات.

ثم، بالطبع، هناك الشرطة. والشرطة الإسرائيلية تتكون من قسمين. الأول هو قسم التحقيق، والذي يُعرف في دوائر معينة بأنه عدو الحكومة، لغاية الجولة التالية من التعيينات التي يقررها وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا (الليكود). إنهم المحققون الذين يطرحون قضايا ضد رئيس الوزراء، وزوجته، وربما في المستقبل ضد ابنه أيضاً. حيال هذه الدوائر، فإن وجهة النظر هي أنه يجب إيقافها. يجب تصفية المحققين الخطرين من بينهم، الذين يمكن أن يستخدمهم معارضو رئيس الوزراء.

في مكانهم، نحن (الأشخاص الذين يحملون وجهة النظر هذه) نحتاج إلى جلب الأشخاص الذين يعرفون كيفية تجميد التحقيقات، والذين ليسوا مهتمين حقًا بالغواصات، أو كيف حصل رئيس الوزراء على 16 مليون شيكل في فترة قصيرة جدًا من استثمار قام به بأموال حصل عليها من ابن عمه ثم استثمر في شركة ابن عمه. المحققون الذين لن يسارعوا إلى التحقيق في سبب إخفاق رئيس الوزراء في إفادة مصلحة الضرائب بالأرباح، أو دفع الضرائب كما هو مطلوب بموجب القانون، أو ما هي العلاقة بين الشركة التي تم "بيع" أسهمها لرئيس الوزراء من قبل ابن العم هذا وأحواض بناء السفن التي تبني الغواصات، أو لماذا وكيف انتهك التعليمات التي تتطلب إفادة مراقب الدولة بهذا النشاط. 

دور القسم الثاني في الشرطة، بحسب وجهة نظر الإدارة الحالية، هو إسكات أي شخص يستغل حقه الطبيعي في الاحتجاج، ويريد أن يُسمع صوته ويعارض الاتجاه المتزايد للعنف الحكومي. يحتاج ضباط الشرطة الذين يعملون في هذا القسم إلى فض الاحتجاجات دون تردد. هل يتذكر أحد الأيام التي وقف فيها مئات الأشخاص خارج المنزل في شارع بلفور وهتفوا "قاتل!" ضد رئيس الوزراء السابق مناحيم بيغن؟ هل تخيل أحد أن الشرطة ستُرسل بعد ذلك لاعتقال أي من المتظاهرين؟ 

اليوم الأمر مختلف، ضباط الشرطة الذين يستعدون لوقتهم حتى الجولة القادمة من التعيينات، يعتقلون المتظاهرين الذين يتبعون جميع القواعد. يتم تكبيلهم بالأصفاد خشية ان يصبحوا عنيفين وجرّهم بعيداً. وسرعان ما سيُعتبر المحتجّون أنفسهم غير قانونيين وستتم محاكمة المتظاهرين. سيكونون دائمًا قادرين على إيجاد أسباب معقولة تستند إلى الحاجة إلى القانون والنظام. سيتم اعتبارهم بمثابة حماية للحكومة والحفاظ على القيادة المناسبة التي يمكنها العمل في ظل ظروف الحصانة من أي اضطراب.

نحن لسنا في بداية هذه العملية - إنها جارية بالفعل.

أبرز  ما في الأمر بالطبع هو النقاش في لجنة المال في الكنيست، والذي كان يهدف إلى تعزيز الحساب المصرفي لرئيس الوزراء ببضع مئات الآلاف أو الملايين من الشواكل الإضافية، والتي سيتم أخذها بمفعولٍ رجعي من استرداد الضرائب، بعد إدّعاء رئيس الوزراء الحالي أنه يتعرّض للتمييز بخلاف أسلافه. هذا الادّعاء كاذب - أولئك الذين سبقوه لم يتلقوا أي مزايا على الإطلاق لصيانة منازلهم الخاصة، وبالتالي لم يكونوا مسؤولين عن دفع الضرائب مقابل ذلك.

وصاح أنصار نتنياهو "عاجز اقتصادياً"، وفي الوقت نفسه صوت مع نظرائه في الائتلاف ضد مشروع القانون الذي كان سيحسن الوضع الاقتصادي للأشخاص "العاجزين" الذين تعرضوا للضرر وبعضهم تُركوا دون وسائل لإطعام أسرهم بسبب سوء إدارة وباء كورونا من قبل رئيس الوزراء ووزرائه.

الفصل المطلق بين ما هو جيد لرئيس الوزراء وعائلته، وما يخدم احتياجاته الخاصة، وما يساعد المواطنين الذين هدفه حمايتهم، هو التعبير الأكثر فظاعة وعنفًا من الازدراء التام لقواعد اللعبة. تحتاج القواعد إلى وصف أمة ديمقراطية تعمل على أساس المساواة بين جميع المواطنين.

في المقابل، يجب أن تكون القواعد بعيدة عن نظام يتجاهل هذه القواعد، والتي تتآكلها الحكومة بشكل متزايد من خلال القوة الوحشية. وكل هذا يحدث في جو من الترهيب والتهديدات والإسكات الذي ينجح في إرهاق المعارضة ببطء ولكن بثبات. يحدث هذا ليس فقط من خلال الوسائل البرلمانية، بل وأيضاً من خلال قمع العديد من المواطنين الصالحين عن التعبير عن آرائهم ومحاولة حماية حقوقهم.

هذا سينتهي بشكل سيء. إنه على وشك أن يصبح الشرارة التي ستشعل العنف في شوارع إسرائيل. نتنياهو ليس على دراية جيدة بالتاريخ كما يدّعي في بعض الأحيان. ومع ذلك، إنه يعلم ما يكفي لفهم أن هذه الاضطرابات تؤدي بسرعة إلى اضطرابات مدنية، والتي ستنتهي بسفك دماء.

كما هو الحال مع العديد من المحتالين الذين جاؤوا قبله، والذين تمّ التصويت لهم في انتخابات ديمقراطية، يستخدم نتنياهو السلطة الممنوحة له كقائد لسحق أي شخص يحاول معارضته. لم يفت الأوان بعد لوقف التدهور، لكن قد تكون هذه فرصتنا الأخيرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً