"جيروزاليم بوست": نتنياهو يهتم بشيء واحد فقط - نفسه!

صحيفة "جيروزاليم بوست" تعبتر أنّ نتنياهو "يفشل عندما يحتاج إلى العمل مع شركاء"، وهذا هو السبب في فشل "إسرائيل" بإدارة أزمة كورونا، وسبب معاناة كل مشروع كبير آخر يروّج له في عهده من سوء الإدارة.

  • نتنياهو خلال كلمة له في الكنيست الإسرائيلي في القدس المحتلة - 22 ديسمبر 2020 (أ.ف.ب)
    نتنياهو خلال كلمة له في الكنيست الإسرائيلي - 22 ديسمبر 2020 (أ.ف.ب)

صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيليّة، تنتقد في مقال لها فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السياسة الداخليّة، معتبرةً أنه "يتفوّق فقط عندما يعمل بمفرده، لا يخجل من الكذب، وسياسي يركز على شيء واحد فقط. نفسه". فيما يلى نص المقال المترجم: 

لقد كانت لحظة انقسام إسرائيلي كلاسيكي. من جهة، كانت الصور من المغرب، حيث كان وفد إسرائيلي - أميركي بقيادة رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شابات ومستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر في اجتماع القصر الملكي مع الملك محمد السادس، كجزء من رحلة تاريخيّة لتطبيع العلاقات.

في الوقت نفسه، على بعد حوالي 6000 كيلومتر، كانت الشاشة تُظهر قتالاً في الكنيست. كانت الساعة تدق باتجاه حلّها بعد أن فشلت حكومة نتنياهو وغانتس المعطلة في إمرار الميزانية بحلول الموعد النهائي المحدد. كانت "إسرائيل" في طريقها إلى انتخابات رابعة خلال عامين.

المشهدان كانا بعيدين عن بعضهما البعض، ولكنهما قريبان جداً أيضاً. في الرباط، كانت الحكومة تصنع "السلام" وتغرس دعامة أخرى للاستقرار في الشرق الأوسط. في "إسرائيل"، كانت تفعل العكس بنشاط ووعي.

كانت هذه قصة "إسرائيل" طوال العامين الماضيين من القلاقل السياسية والانتخابات التي لا تنتهي أبداً. يتمّ التخلي عن خير البلد من أجل الثروات السياسيّة للقلة: السياسة قبل الوباء، والخلل الوظيفي قبل الاستقرار.

إن النجاح في إبرام اتفاقيات سلام خلال هذه الفترة هو إنجاز كبير في حد ذاته، مع الأخذ بالاعتبار أن كل شيء تلمسه الحكومة الإسرائيليّة ينهار. نادراً ما تجتمع الحكومة، وعندما يحدث ذلك، فإن كل ما ينجزه الوزراء هو القتال. تتغير استراتيجية فيروس كورونا باستمرار، أحياناً كل ساعة، ونادراً ما يأخذ التشهير السياسي استراحة.

هذا لا ينبغي أن يكون مفاجأة حقاً. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتفوق عندما يعمل بمفرده. صفقات التطبيع التي توصل إليها مع البحرين والمغرب والإمارات لم تتطلب منه العمل مع أيّ شخص في "إسرائيل". لقد فعلها بمفرده، حتى مع إبقاء وزيري أمنه وخارجيته في الظلام.

عندما يعمل بمفرده ينجح. لقد أبرم اتفاقيات السلام، ومهّد الطريق لـ"إسرائيل" لتلقي كميات كبيرة من لقاحات كورونا وطرحها، مما وضعها على طريق تلقيح أكثر من مليون شخص بحلول منتصف كانون الثاني/يناير 2021.

من ناحية أخرى، عندما يحتاج نتنياهو إلى العمل مع شركاء، إنه يفشل. هذا هو السبب في أن إدارة "إسرائيل" لأزمة كورونا تبدو كما هي، ولماذا يعاني كل مشروع كبير آخر روّج له في عهده من سوء الإدارة (القطار السريع بين القدس وتل أبيب، قطار تل أبيب الخفيف تلزيم المرافئ للصين، وغير ذلك).

كشف كورونا للجمهور عمّا ادعاه العديد من الأشخاص الذين عملوا مع نتنياهو لسنوات: رئيس الوزراء مدير سيء. التحديات الكبيرة التي تتطلب مقاربة متعددة التخصصات والتكامل والتنسيق بين الوزارات المتعددة هو أمر لا يجيده. جزء من السبب هو أنه غير مهتم بالخوض في التفاصيل المطلوبة لتنسيق العمليات واسعة النطاق. السبب الآخر هو أنه لا يمكنه مشاركة الرصيد - إذا كان عليه تنسيق العمل مع شخص ما، فسيتعين عليه مشاركة الرصيد معهم، وهذا شيء لا يمكنه السماح بحدوثه.

لهذه الأسباب بالضبط حاول نتنياهو منذ البداية تقويض حكومة الوحدة التي شكلها مع غانتس. إن وجود شريك في الحكومة يعني العمل معاً والتنسيق والتشارك في الفضل في النجاحات والفشل. لن يحدث هذا أبداً.

لذا، على الرغم من أنه وعد بعدم الخداع، إلا أن الحيل كانت بالضبط ما قدّمه لغانتس منذ البداية. وهذا يجب أن يقال: نتنياهو هو الشخص المسؤول عن حل الكنيست وذهاب "إسرائيل" إلى انتخابات مرة أخرى. لقد رفض تقديم ميزانية للتصويت عليها، ورفض الالتزام بالاتفاقية التي وقعها هو نفسه في نيسان/أبريل الماضي.

نتنياهو لا يخجل من الكذب. ليلة الثلاثاء الماضي تحدث في الكنيست وادعى أنه ليس هو بل غانتس من انتهك الاتفاق الائتلافي، وأن "ديكتاتورية بيروقراطيين يساريين" بقيادة وزير العدل آفي نيسانكورن كانت تحاول الإطاحة به.

هذه ليست فقط أكاذيب، إنها أكاذيب خطيرة. ما يحاول نتنياهو القيام به هو تقويض وإضعاف جميع المؤسسات الإسرائيليّة، كجزء من حملة لردع النظام القضائي عن القيام بعمله في السعي لتحقيق العدالة في القضايا الجنائية الثلاث ضده.

وهناك هدف آخر: إبقاء الأمة مركّزة عليه. نتنياهو يريد من الناس أن يفكّروا في السؤال الذي كان في صميم الانتخابات الثلاثة الأخيرة، ويبدو أنه من المحتمل أن يتكرر مرة أخرى في نهاية آذار/مارس: هل أنت مع بيبي أم أنك ضد بيبي؟ بيبي فقط؟ أو أي أحد غير بيبي؟

من خلال إبقاء الناس يركّزون على هذه الأسئلة، فإنهم يركّزون عليه، وعندما يركّزون عليه، يذهب التفكير، سيصوّتون له. هذه هي الطريقة التي يُبقي فيها نتنياهو بحزب "الليكود" ضمن 27 - 28 مقعداً في استطلاعات الرأي الأخيرة، ليظل أكبر حزب في مجال مزدحم بشكل متزايد - خاصة في اليمين.

هذا مهم لأنه إذا كان الناس سيصوتون على أساس السياسة، فهناك احتمال أن ينزف نتنياهو ناخبين. إن إدارته السيئة لأزمة فيروس كورونا، وسعيه للحصول على إعفاء ضريبي بقيمة مليون شيكل في الكنيست في وقت كان مليون إسرائيلي عاطلين عن العمل، ومحاكمة الرشوة المستمرة، كلها أسباب تجعل الناس يستخدمونها لعدم التصويت له. من خلال اختلاق قصص عن الديكتاتوريات البيروقراطية، والادعاء بأن نفتالي بينيت وجدعون ساعر يساريان عندما يكونان يمينيان أكثر منه، يظل نتنياهو في اللعبة ويأمل على الأقل الاحتفاظ بناخبيه الأساسيين.

في حين أن نتنياهو يفضّل بالطبع تحقيق نصر حاسم في الانتخابات المقبلة، فإنه يكفي ببساطة حرمان شخص آخر من الفوز، وبالتالي البقاء كرئيس وزراء مؤقت بينماً يُحاكم من موقعه الرفيع والمؤثر.

الوضع محزن. "إسرائيل" تدخل مرة أخرى فترة من عدم الاستقرار السياسي. سنرى بعض أبشع الحملات السياسيّة. ونتنياهو لم يكن لديه الفطنة ليرى إلى أين يتجه كل هذا، وإيجاد طريقة للتنحي بلباقة مسبقاً.

في النهاية، هذا ما دار في العامين الماضيين: أولاً نتنياهو يحاول تجنب توجيه الاتهام، والآن يحاول تجنب محاكمة جنائيّة. كل ما فعله وما زال يفعله يُأخذ هذا بعين الاعتبار. ثلاث انتخابات، حكومة "الوحدة" مع غانتس، رفض إقرار الميزانيّة، وطريقة وضعه بالكامل في مقدمة الكفاح ضد فيروس كورونا منذ البداية. كل شيء يدور حول البقاء السياسي.

حتى الآن، مع الإغلاق المقرر أن يدخل حيز التنفيذ اليوم الأحد، هناك اعتبارات سياسيّة. نتنياهو يريد إغلاقاً فورياً حتى ينخفض ​​معدل الإصابة بشكل كبير بحلول الوقت الذي يذهب فيه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع. علاوة على ذلك، من المتوقع أن يتلقى حوالى مليوني إسرائيلي لقاحات فيروس كورونا بحلول 23 آذار/مارس، بحيث أن الوضع الصحي والاقتصادي سيتحسن بشكل كبير - بالإضافة إلى فرصته في الفوز.

هل هذا يعني أنه لا يستحق الثناء على تنظيم التوصيل السريع للقاحات؟ لا، إنه يستحق. لكنه سياسي يركز اليوم على شيء واحد وشيء واحد فقط. نفسه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً