الأردن وإسرائيل.. تطبيع في ظل الجمود السياسي

منذ الإعلان عن اتفاق تزويد إسرائيل للأردن بالغاز لم تتوقف المظاهرات والحملة الشعبية ضد الصفقة. ومن ذلك أنه تمت دعوة مواطني الأردن عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي للامتناع عن إضاءة الكهرباء في منازلهم وذلك كجزء من حملة الاحتجاج.

لم تتوقف الدعوات للاحتجاج في الأردن بعد الإعلان عن الصفقة
في 26 أيلول/سبتمبر 2016 أعلنت شركة نوبل إنيرجي، الشريكة الأميركية في الكونسورتيوم (اتحاد شركات) الذي يمتلك حقوق استخراج الغاز الطبيعي في حقل "لفيتان" في المياه الاقتصادية الإسرائيلية، أعلنت أنها قد وقعت على اتفاق مع شركة الكهرباء الأردنية.

وسيستمر تدفق الغاز، البالغ حوالي 3 مليارات متر مكعب في السنة والذي سيبدأ مع نهاية 2019، سيستمر 15 عاماً. وتقدر قيمة الصفقة بعشرة مليارات دولار، حيث تم ربط تسعيرة المتر المكعب من الغاز بسعر برميل نفط البرنت وسعر أدنى محدد.

وتُعزى أهمية كبيرة لهذه الصفقة بالنسبة للأردن الذي يعاني من ضائقة وذلك بعد أن تم وقف تدفق الغاز المصري إليه بسبب تفجير الخط المار في شبه جزيرة سيناء على يد داعش، وكذلك بسبب الصعوبات التي واجهتها مصر لجهة الالتزام باتفاقات البيع للأردن وإسرائيل. وهناك أهمية بالغة أيضاً للكونسورتيوم الذي تشارك فيه، بالإضافة إلى الشريك الأميركي، ثلاث شركات إسرائيلية، بحيث أن التوصل إلى اتفاقات بيع مستقبلية أخرى سيمكن من توفير الموارد المالية لتطوير حقل "لفيتان".

وكذلك الحال أعلن الشركاء (في الكونسورتيوم) في 27 تشرين الثاني/نوفمبر أنهم قد وقعوا على كتب التزام بينهم وبين بنكين دوليين كبيرين، والذين التزما بوضع 1.5 - 1.75 مليار دولار تحت تصرف الكونسورتيوم لتمويل المرحلة الأولى من تطوير حقل "لفيتان".

 

ومنذ الإعلان عن اتفاق تزويد الأردن (بالغاز) لم تتوقف المظاهرات والحملة الشعبية ضد الصفقة. ومن ذلك، على سبيل المثال، أنه تمت دعوة مواطني الأردن عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي للامتناع عن إضاءة الكهرباء في منازلهم وذلك كجزء من حملة الاحتجاج.

وفي 24 تشرين الثاني/نوفمبر حصلت الحكومة الأردنية، برئاسة هاني الملقي، على ثقة البرلمان. وكان هذا الحدث يحظى، في السنوات السابقة، على تغطية هامشية في الصحافة الأردنية، ذلك أنه كان يُنظر إلى البرلمان، كما هو متداول، على أنه ختم في يد العائلة المالكة، إلا أن اتفاق السلام مع إسرائيل الذي وقع عام 1994 غير من هذا الواقع قليلاً. وقام البرلمانيون الأردنيون من أصل فلسطيني بتوجيه النقد للحكومة ودعوا إلى طرد السفير الإسرائيلي من عمان وتجميد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

إلا أن كل هذا لم يكن سوى استفزاز صغير وليس تحدياً جدياً للنظام. ومع ذلك، حتى التمظهر المتواضع الذي سُجل في الأردن لـ "الربيع العربي" دفع الملك إلى إدخال تغييرات في الدستور – صحيح أن هذه التغييرات لم تكن كبيرة، إلا أنها كانت من النوع الذي قرب الأردن من عملية ديمقراطية حقيقية.

وعلاوة على ذلك فإن هذه التغييرات قد أفسحت المجال أمام بداية نشاطات الأحزاب ذات البرامج القُطرية وليست المحلية – القبلية فقط. و"الأخوان المسلمون"، بعد الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبوه بمقاطعة الانتخابات الأولى بعد تغيير الدستور، استردوا عافيتهم.

وعلى الرغم من أنه تم رفض مشاركة حزبهم من قبل السلطات إلا أنهم قد تحالفوا مع مرشحين مسيحيين، وسواهم، ونجحوا في الحصول، في الانتخابات الأخيرة، على كتلة وازنة في البرلمان.

وبعد أن قدم رئيس الحكومة برنامج حكومته وطلب الحصول على ثقة البرلمان جرت مداولات طويلة، استمرت ثلاثة أيام (22 – 24 تشرين الثاني/نوفمبر) بين المشرّعين الـ 130، والذين لم يطلب عدد معتبر منهم حق الحديث. وعلى الرغم من أن القسم الأعظم من برنامج عمل الحكومة ركز على المواضيع الاقتصادية والإصلاحات الداخلية، إلا أن قسماً من المتحدثين وجد أنه من الصواب توجيه النقد إلى الحكومة بسبب الاتصالات بين شركة الكهرباء الأردنية وشركة نوبل إنيرجي الأمريكية لشراء الغاز الطبيعي من حقل الغاز الإسرائيلي "لفيتان".

وقد طالبت عضو البرلمان القديمة، وفاء يعقوب بني مصطفى، التي تعمل في المحاماة، طالبت بإلغاء الاتفاق بدعوى أنه يتعارض مع البند 33 من الدستور الأردني والذي على الرغم من أنه يمنح الحق للملك صلاحية التوقيع على المعاهدات فإنه قد ورد فيه ما يلي: "المعاهدات والاتفاقيات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة". فيما قالت عضو البرلمان ديما طهبوب، من عمان، إن ثمن الغاز من إسرائيل أعلى من ثمنه في الأسواق الدولية. وخلال مداولات البرلمان، عُقد في عمان اجتماع لخبراء في موضوع الغاز حيث شارك فيه الوزير السابق إبراهيم بدران وعضو البرلمان جمال قموه. وفي هذا الاجتماع الذي بادر إليه الفرع الأردني لـلـ BDS - "المقاطعة وإلغاء الاستثمارات والعقوبات الاقتصادية" - تحدث كل المشاركين ضد الصفقة مع "الكيان الصهيوني" بحجة أن واحداً من كل ثلاثة دولارات يدفعها المواطن الأردني لشركة الكهرباء الأردنية سيصل إلى الخزينة الإسرائيلية، وأن الحكومة الأردنية تشتري الغاز بكميات كبيرة تفوق الحاجة إليها. وحتى أن بدران ادعى أن غالبية بنود الاتفاق سرية. ومن جانبه ادعى عضو البرلمان قموه أن هدف الاتفاق هو تعزيز التطبيع مع إسرائيل وأن زملاءه في البرلمان يعارضون الصفقة. وحسب ادعائه، فهو قد توجه لسفير قطر في عمان بسؤال حول سبب عدم مساعدة بلاده للأردن في توريد الغاز فرد عليه السفير بأن الأردن لم يطلب مساعدة كهذه.

 

وفي ختام المداولات، وفي معرض رده على أعضاء البرلمان، أشار رئيس الحكومة (هاني) الملقي إلى أنه لا توجد أمام الأردن عملياً بدائل أفضل من الغاز الذي سيُقدم من قبل شركة نوبل إنيرجي (وهو قد امتنع عن ذكر كلمة إسرائيل). وحسب أقواله فإن الأردن يُجري مشاورات مع العراق والجزائر ومصر وفلسطين (هكذا نقلاً عن المصدر العربي)، إلا أنه أشار أيضاً إلى مشكلة الأمن في العراق، والتي ستؤخر نقل الغاز عبر الخط الممتد من البصرة، الواقعة في جنوب العراق، إلى العقبة الواقعة في جنوب الأردن. وأضاف الملقي أنه لم يتم الحصول من قطر على عرض يمكن له أن ينافس السعر المحدد في الاتفاق مع الشركة الأمريكية.

وأكد أن الاتفاق بين شركة الكهرباء الأردنية والشركة الأمريكية سوف يوفر 300 مليون دولار في السنة على مدى فترة التوريد، وهو يشير بذلك إلى أن السعر الذي تم الاتفاق عليه سيكون أقل من ثمن الغاز الطبيعي في الأسواق الدولية. وفي نهاية المداولات حصلت الحكومة على ثقة 84 عضو برلمان (وفق الدستور هي بحاجة إلى 66 صوت)، بينما صوّت 40 عضواً ضد منحها الثقة.

 

ولم يكن حبر القرار الذي اتخذته الحكومة الأردنية قد جف بعد حتى أعلنت وزارة المياه والري والأردنية (27 تشرين الثاني / نوفمبر) أن خمس مجموعات من الشركات الدولية قد انتقلت إلى المرحلة التالية لاختيار الفائزين لتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع ضخ المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت.

وهذه التسمية مضللة بعض الشيء، ذلك أن المرحلة الأولى هي بناء منشأة في العقبة والتي ستتم فيها تحليله 80 – 100 مليون متر مكعب. كما أنه لا يشير إلى تفصيل هام وهو أن الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية قد وقعت على اتفاق ينص على أن إسرائيل ستحصل تقريباً على نصف المياه المحلاة في العقبة للاستخدام في منطقة إيلات، وأنها ستقوم بضخ كمية مشابهة للأردنيين في الشمال، وزيادة كمية المياه التي تقوم بضخها للفلسطينيين.

ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى من المشروع في الربع الأول من عام 2018 وأن تنتهي في الربع الأخير من عام 2020. ومن المقرر أن يتم في مرحلة لاحقة تنفيذ أهداف المشروع الأخرى، وفي مركزها ضخ الماء المالح الذي تم فصله على المياه المحلاة، ومياه أخرى من البحر الأحمر والبحر الميت، من أجل المحافظة عليها والاستفادة منها في توليد الكهرباء. هذا ما ورد في إعلان الأردنيين.

ويشار هنا إلى أنه لم يتم إلى الآن في هذه المرحلة الحصول على تمويل كامل للمشروع. وباستثناء الالتزام الأمريكي بـ 100 مليون دولار (من الكلفة التي تصل في حدها الأدنى إلى نصف مليار دولار) لا توجد هناك أية تعهدات أخرى. كذلك تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي لا يوجد فيه أي خلاف بين الخبراء حول المنطق القائم وراء تحلية المياه في منطقة العقبة – إيلات، وكذلك وراء اتفاق تبادل المياه بين إسرائيل والأردن، فإن الكثيرين يشككون في ما إذا كان ضح المياه من البحر الأحمر هو السبيل الأرخص والأجدى للحفاظ على البحر الميت.

وعلى أية حال فإن التقدم في تنفيذ المشروعين في مجال البنى التحتية، في المياه والطاقة، في كل من الأردن وإسرائيل، يدل على الفرصة الإيجابية الكامنة في فصل الارتباط بين التقدم في مجالات الاقتصاد والبنى التحتية في المثلث الأردني – الإسرائيلي - الفلسطيني وبين تقدم الحل السياسي للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. وهذا القول غير موجه للتقليل من الضرورة الملحة للتوصل إلى حل تدريجي للنزاع على أساس فكرة حل الدولتين لشعبين، بل إنه يشير إلى واقع النقص في موارد الطاقة، والمياه الصالحة للشرب، والموانئ والحاجة إلى تجنب تلوث مناطق العيش المكتظة. وكذلك إلى اللا عقلانية الكامنة في عدم حل هذه القضايا، إذا ما تم اشتراط وربط حلها بتحقيق حل متزامن وشامل لكل المواضيع الجوهرية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. والاتفاقات بشأن المياه والغاز الطبيعي مع الأردن، مثلما هو حال الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في موضوع الكهرباء بين إسرائيل والفلسطينيين (أيلول / سبتمبر 2016)، تثبت أنه بوسع الأطراف التوصل إلى تفاهمات، وحتى إلى اتفاقات كاملة، في الكثير من المجالات، وربما يستطيعون خلق بيئة إيجابية، حتى وإن لم تشكل بديلاً عن التوصل إلى اتفاقيات في المجالات السياسية. ومن المرجح أن الجانب الإسرائيلي قد "دعم" أو خفض كلفة الاتفاقات، المذكورة أعلاه، للجانب الثاني سواء كان ذلك هو الجانب الأردني أو الجانب الفلسطيني. وهذا الدعم مناسب، وذلك لأن إسرائيل تساهم عن طريق ذلك في استقرار البيئة الجيو إستراتيجية القريبة منها.

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً