الأردن وإسرائيل.. إعادة تقييم

لقد وقّعت المملكة الأردنية على معاهدة السلام مع إسرائيل منذ 1994، إلا أنه منذ سنوات طويلة قبل ذلك كانت هناك علاقات سياسية بين إمارة شرق الأردن وبين "الكيان الصهيوني". وإسرائيل "التي كانت على الطريق"، والتي قامت بعد ذلك، وافقت على أن ترى في عبد الله حليفاً، إلا أنه في أول مناسبة كان يجب فيها على الأمير الهاشمي أن يثبت تمسكه بالاتفاق التقى بغولدا ميئير وقال لها: "أنا آسف، أنا سأنتهك الاتفاق وانضم إلى الدول العربية في حربها ضدكم".

الملك عبدالله الأول بن الحسين
عندما قُتل عام 1951 والد جد ملك الأردن الحالي، عبد الله، والذي سُمي على اسمه، في المكان نفسه تقريباً الذي قُتل فيه شرطيان يوم الجمعة الماضي، فرض رئيس الحكومة الأردنية توفيق أبو الهدى حالة الطوارئ في كل أنحاء القدس الشرقية، وبخاصة في دور العبادة، وعامل مواطني المدينة الخارجين على القانون بيد من حديد. وإذا كانت هناك بعض الآمال خلال الأزمة الحالية في المسجد الأقصى أن يسترعي انتباه الملك عبد الله – ولو من الناحية الإنسانية – أنه في باحة المسجد القصى التي طالب بـ "فتحها بسرعة" لم تجف بعد دماء القتيلين هايل ستاوي وكميل شنان ولم تُستخلص بعد كل التداعيات الأمنية، فإن هذه الآمال قد تبددت. وبدلاً من ذلك ألح على إسرائيل "افتحي! افتحي!"، وكما هي العادة استجبنا لمطالبه. لماذا؟ لأن الأردن ذخر إستراتيجي.

 

يمكن لكل غر في العمل الدبلوماسي أن يكرر الشعار القائل إن معاهدة السلام هي ذخر إستراتيجي. حقاً؟ وكيف يمكن قياس فعالية الذخر الإستراتيجي؟ وإذا كانت هذه المعاهدة تستند بالفعل إلى المصالح، فأين يتجلى المكسب الذي تحققه إسرائيل من ذلك؟ أوَلَيس هناك خطر في أن يتسبب هذا "الذخر" بخيبة أمل شديدة لنا ويهدر سنوات طويلة من الاستثمار فيه؟

  

لقد وقّعت المملكة الأردنية على معاهدة السلام مع إسرائيل منذ 1994، إلا أنه منذ سنوات طويلة قبل ذلك كانت هناك علاقات سياسية بين إمارة شرق الأردن وبين "الكيان الصهيوني". وإسرائيل "التي كانت على الطريق"، والتي قامت بعد ذلك، وافقت على أن ترى في عبد الله حليفاً، إلا أنه في أول مناسبة كان يجب فيها على الأمير الهاشمي أن يثبت تمسكه بالاتفاق التقى بغولدا ميئير وقال لها: "أنا آسف، أنا سأنتهك الاتفاق وانضم إلى الدول العربية في حربها ضدكم".

 

كما أن حفيده، الملك حسين، الذي أقام علاقات سرية مكثفة جداً مع إسرائيل – وهو ما عُرف باسم "قناة الضباط" – ادعى أنه يرفع شعار التعايش العملي. إلا أنه، وهو يدير بظهره بشكل غير متوقع، شارك حسين في حرب الأيام الستة، وقام بأمر من الرئيس المصري عبد الناصر بقصف القدس بالمدافع. وليس هذا وحسب، بل إن أوامره للعملية، بوصفه القائد الأعلى للمملكة، كانت متشددة بمضمونها حتى أكثر من السوريين وذلك عندما طالب ضباطه بألاّ يأخذوا أسرى من اليهود.  

 

لم تقم إسرائيل بالانتقام منه على ذلك. بل حدث العكس، ففي أزمة "أيلول الأسود 70"، عندما أراد السوريون والعراقيون تعليم هذا المارق في عمان درساً في التضامن العربي بسبب قتله حوالي نصف أفراد منظمة التحرير الفلسطينية، توجهت الولايات المتحدة إلى إسرائيل وطالبتها قائلة "قاتلوا من أجل الملك". وفي نهاية المطاف، أدت المبادرة الأميركية والرفض الإسرائيلي إلى وضع قوة مدرعة إسرائيلية على أهبة الاستعداد ("عملية الجمرة الخبيثة"). وتم بوساطة أمريكية خلق تحالف إستراتيجي غير مكتوب بين إسرائيل والأردن، والذي استمر عملياً إلى الآن. وبالمناسبة، فإن إسرائيل قد التزمت أيضاً بمنح الأردن كل عام 50 مليون متر مكعب من المياه من مصادرها.

 

ويتساءل الكثيرون، وبحق، حول مساهمة الأردن في هذا التحالف؟ وما الذي يجب على الأردن أن يفعله في منظومة العلاقات المعقدة هذه؟ إذ أنه لا يوجد لهذه المعاهدة أية ثمار للسلام: فباستثناء العلاقات الدبلوماسية، التي تقتصر على موقع إسرائيلي محصن في عمان، لا توجد تقريباً سياحة إسرائيلية باستثناء رحلات متفرقة إلى البتراء والعقبة، وعلاقات تجارية وأكاديمية ضعيفة جداً.

 

لقد اعتاد دبلوماسيون خدموا في الأردن القول: "إن على الاردن أن يكون الأردن وحسب". فلا يوجد لهذه المملكة أي التزام. وهم يوضحون ذلك بالقول: "يجب أن نتفهم الملك", ويضيفون: "توجد له معارضة إسلامية صلبة وهي تشكل تهديداً دائماً لنظامه، وهي تمنع أيضاً أية محاولة للتطبيع مع إسرائيل". وحتى يمكن الإبقاء على الوضع الداخلي الراهن مع زعماء الحركة الإسلامية في المملكة يقوم (الملك) بين الفينة والأخرى بإلقاء "رأس إسرائيل" باتجاه الجماهير الغاضبة. هذا ما حدث في قضية خالد مشعل عام 1996، وهذا ما حدث أيضاً في أزمات أخرى حدثت في المنطقة. ومن المحتمل أنه قد آن الأوان لإجراء تقييم جديد لفعالية الذخر الإستراتيجي الذي يسمى المملكة الأردنية.

 

ترجمة: مرعي حطيني

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً