الضربة الأميركية لسوريا.. الهجوم الذي يغير كل شيء

كلما أظهرت الولايات المتحدة الأميركية حزماً أكبر في سوريا، وفي كوريا الشمالية، فإنه سيكون من السهل عليها أيضاً أن تفرض على إيران التغييرات الضرورية في الاتفاق النووي – وفي مقدمتها إلغاء البنود الضبابية في القيود على الصناعة النووية الإيرانية خلال عدة سنوات.

"أوباما تسبب في زيادة قوة الأسد وشعوره بالحرية"
"أوباما تسبب في زيادة قوة الأسد وشعوره بالحرية"
أن يتم إطلاق 58 صاروخاً مجنحاً من طراز "توما هوك" وتدمير قاعدة سورية – تضم 14 طائرة سوخوي متطورة على الأرض، ومستودعات وقود وذخيرة – فهذا أمر، بطبيعة الحال، أكثر من رسالة واضحة. ومن غير الممكن ألا تتم مقارنة هذه الخطوة الأميركية، في الليلة الماضية، مع السلوك المتردد لسلف الرئيس ترامب، باراك أوباما، في شهر آب / أغسطس 2013. فترامب سطحي وجلف وأقل قدرة على التفكير المنظم. إلا أنه على الرغم من كل شيء، أثبت أن لديه صفة، يمكن بدونها إظهار استعراضات الزعامة، ولكن لا يمكن بدونها أن يكون رئيساً أميركياً وهي: الوضوح الأخلاقي.

لقد قرر أوباما بأن المفاوضات السرية مع الإيرانيين حول الاتفاق النووي أهم بكثير بالنسبة له، وقام الإيرانيون بابتزازه. وعندما قام السوريون بقتل أكثر من ألف إنسان في الصيف نفسه في هجوم للغاز السام، قرر عدم الرد. وعندما نفكر في الاستفتاء حول خروج بريطانيا فإنه من المناسب أن نتذكر تصويت البرلمان في لندن ضد نية رئيس الحكومة كاميرون الانضمام إلى الهجوم على سوريا عام 2013. وكانت هذه  هي القرارات الفاشلة لزعماء المؤسسة الغربية، التي دفعت الجمهور في الولايات المتحدة الأميركية وفي بريطانيا لتحقيق التغيير في الزعامة. وقد ساهمت قرارات فاشلة كهذه في تقوية زعامة بنيامين نتنياهو في 2015.

هناك نقطتان تجب دراستهما في أعقاب الهجوم الأميركي. في الوضع الناشئ، نفذ ترامب عملية حاسمة. فهل سيكون لها تتمة؟ وفي نهاية المطاف فإنه من الأسهل التعامل مع حاكم متهالك يمكن توقع تصرفاته مثل بشار الأسد من التعامل مع كيم جونغ أون، المجنون من بيونغ يانغ، والذي أصبح لديه عدد من القنابل النووية. فهل هناك طريقة ما للتعامل مع كوريا الشمالية؟ إن بوسع الأسد الرد ضد إسرائيل، على سبيل المثال، إلا أنه سيتلقى التعامل الذي يستحقه. ولكن من الذي سيردع كيم جونغ أون؟

أما النقطة الثانية فهي النظرة التي كانت سائدة بأنه من الأفضل الإبقاء على نظام الأسد على حاله لأنه يجب أن يكون هناك من يفرض النظام في سوريا. حقاً؟ لقد طُرح هذا السؤال مراراً وتكراراً خلال السنوات لأخيرة.فإسرائيل كانت قد تبنت رؤية تقوم على أن هدفها هو منع انتقال الحرب الأهلية إلى ما داخل الحدود الإسرائيلية، وعدم التورط. ولكن، في الوقت نفسه، رَسْم خطوط حمراء بالنار. وعدم السماح بنقل سلاح متطور مضاد للدبابات إلى حزب الله، وعدم السماح أيضاً بنقل صواريخ بر – بحر متطورة، وعدم السماح بنقل صواريخ متطورة مضادة للطائرات، وعدم السماح بنقل صواريخ أرض - أرض ذات قدرة توجيه دقيقة جداً، وعدم السماح بتواجد إيراني أو لحزب الله بالقرب من حدود الجولان. والتدخل الإسرائيلي في هذه الحالات، ويمكن أن نرى هنا أنه منذ صعود ترامب تشعر إسرائيل بأنها متحررة أكثر لشن الهجمات، هذا التدخل يتيح لإسرائيل خلق الاحتكاك المطلوب من أجل خلق الردع. ولإظهار أنها جاهزة للإقدام على المخاطرات، كما جرى في قطاع غزة، على سبيل المثال، عندما تمت تصفية (مازن) فقها.

ولكن ما هو الحال بالنسبة لمصير بشار الأسد نفسه؟ قبل أكثر من عام أجرينا في موقع "مِدا" مقابلة مع محلل "وول ستريت جورنال" بيرت ستيفنس وهو قد قدم وجهة نظر لم تتم مناقشتها في الأوساط العامة في إسرائيل – وذلك بسبب حرية التعبير القائمة عندنا. وحسب أقواله فإن إسرائيل قد أخطأت حين لم تعمل بشكل حازم لإسقاط الأسد. صحيح أن إسقاط الأسد كان سيزيد من حالة عدم الاستقرار، إلا أنه كان سيكسر محور الشر طهران – دمشق – حزب الله.

وفي مرحلة معينة ظهر بوتين، بشكل كبير، وأطلق تصريحاً. ودعونا نتذكر من جديد: إن من دعا روسيا عملياً للدخول إلى سوريا كان أوباما، الذي يقوم رجاله الآن بإضرام نيران الروسوفوبيا في أميركا. وبعد عدم الهجوم في آب / أغسطس 2013، تقرر تفعيل خطة دولية لتجريد نظام الأسد من سلاحه الكيميائي. ونحن نرى كم ساعد ذلك الأمر. إلا أن العنصر الفعال في الموضوع كان روسيا بوتين ووزير خارجيته لافروف. وقد مرت سنة قامت روسيا خلالها بغرس أوتاد وقواعد في الأراضي السورية على هيئة ميناء بحري، وقواعد مضادة للطائرات مزودة بالصواريخ الأكثر تطوراً، وقواعد جوية. ناهيك عن الحديث عن الموضوع الاستخباراتي.

ولكن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن بحاجة منذ البداية للوصول إلى وضع تبدأ بالدخول فيه في احتكاك مع روسيا على الساحة السورية. وعند هذه النقطة يدخل التأثير الروسي على اضطرابات المعارضة في واشنطن. إلا أنهم قد نسوا أن ترامب كان قد صعد (إلى منصبه) على ملف التقارب والتفاهم مع روسيا بوتين. والولايات المتحدة الأميركية بزعامة ترامب كان من المقرر لها أن تتوصل إلى صفقة واسعة مع الروس حول الشرق الأوسط، وحول أوكرانيا. وكان سيرغي لافروف قد أجرى قبل أسبوعين لقاء مطولاً وصريحاً مع (مجلة) "ناشيونال إنترست"، عبر فيه، بشكل رئيسي، عن خيبة أمله من الجنون الذي سيطر على الولايات المتحدة الأميركية، وأوضح بصورة منطقية الأمر الذي أزعج الروس جداً في تصرف هيلاري كلينتون. وإذا ما كانت الهزة الداخلية في موضوع مراقبة حملة ترامب واتصالاته مع جهات روسية قد حققت شيئاً ما فهي قد نجحت في تعديل السياسة التي خطط لها  ترامب وطاقمه على مستوى القوى العظمى العالمية. وبدلاً من التفاهم مع بوتين، حلت المواجهة.

وأوباما نفسه الذي أتاح للأسد وبوتين العربدة في سوريا وفعل كل ما يخطر ببالهما في حلب، والآن في إدلب، وبعد ذلك حارب ضد سياسة خلفه في موضوع روسيا، قد تسبب في زيادة قوة الأسد وشعوره بالحرية إلى درجة إعادة استخدام الغازات السامة من جديد. وكانت النتيجة أزمة واحتكاك محتمل بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. ومع ذلك، فإن أية أزمة ذات طابع عسكري يمكن أن تكون خطة جيدة لمفاوضات جدية حول التسوية في سوريا. وكلما أظهرت الولايات المتحدة الأميركية حزماً أكبر في سوريا، وفي كوريا الشمالية، فإنه سيكون من السهل عليها أيضاً أن تفرض على إيران التغييرات الضرورية في الاتفاق النووي – وفي مقدمتها إلغاء البنود الضبابية في القيود على الصناعة النووية الإيرانية خلال عدة سنوات.

 

ترجمة: مرعي حطيني   

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً