الفلسطينيون بقوا بدون "ظهر"

في إسرائيل أثارت القمة حالة من الانفعال الكبير، وبشكل خاص في وسائل الإعلام، وذلك بسبب ما بدا أنه تراجع إسرائيلي، بمباركة من ترامب، عن الالتزام بمبدأ الدولتين. وفي الوقت نفسه ما بدا أيضاً أنه تراجع أمريكي، وبتشجيع من إسرائيل، عن السياسة المتبعة منذ سنوات طويلة والتي تنظر بسلبية إلى مشروع الاستيطان في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وترى فيه عقبة رئيسية على طريق السلام.

مدلولات التغيير الدراماتيكي الأمريكي هي كبيرة ليس بالنسبة لإسرائيل فقط، بل قبل شيء للطرف الفلسطيني
 

لقاء القمة، بين رئيس الحكومة نتنياهو وبين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب، فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الدولتين. ومن شأن ذلك أن يتجلى على شكل علاقة أوثق مما كان عليه الحال في الماضي، وحتى على هيئة تنسيق للمواقف والخطوات بشكل ودي بين الحكومة في القدس وبين البيت الأبيض. وإلى جانب الانسجام الشخصي، والتطابق الأيديولوجي الأساسي بين الزعيمين، وهما أمران على جانب من الأهمية في مثل هذه المواضيع، فقد ساعدت في نجاح اللقاء حقيقة أن ترامب متحرر من أي التزام بالمسلّمات والمنطلقات الأساسية التي كانت قد شكلت أساس سياسة واشنطن في القضايا الجوهرية في الشرق الأوسط على امتداد العقود الأخيرة.

 

في إسرائيل أثارت القمة حالة من الانفعال الكبير، وبشكل خاص في وسائل الإعلام، وذلك بسبب ما بدا أنه تراجع إسرائيلي، بمباركة من ترامب، عن الالتزام بمبدأ الدولتين. وفي الوقت نفسه ما بدا أيضاً أنه تراجع أمريكي، وبتشجيع من إسرائيل، عن السياسة المتبعة منذ سنوات طويلة والتي تنظر بسلبية إلى مشروع الاستيطان في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وترى فيه عقبة رئيسية على طريق السلام.

 

إن مدلولات التغيير الدراماتيكي الأمريكي هي كبيرة ليس بالنسبة لإسرائيل فقط، بل قبل شيء للطرف الفلسطيني. ذلك أن ترامب هدم، دفعة واحدة، الإستراتيجية التي بناها الفلسطينيون على امتداد العقدين الأخيرين والقائمة على مبدأ تدويل النزاع ومحاولة استخدام الهيئات والمؤسسات الدولية بهدف الضغط على إسرائيل، وفي نهاية المطاف فرض حل عليها ينسجم مع المصالح الفلسطينية. وما لم يحصل ذلك، تُفرض على إسرائيل عقوبات سياسية واقتصادية، وتتم إدانة قادتها كمجرمي حرب تتم محاكمتهم أمام المحكمة الدولية في لاهاي.

 

وتمثلت قمة الإنجازات لهذا النهج الفلسطيني في القرار الذي تم تبنيه في مجلس الأمن قبل حوالي شهر، والذي أدان الاستيطان. وقد تم تبني هذا القرار بسبب قرار الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل إدارة أوباما حينها، بالامتناع عن التصويت وعدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضده.

 

والآن هناك شك كبير في ما إذا كان الفلسطينيون يستطيعون الإستمرار في المسار الذي اختطوه إلى الآن. وتصميم ترامب على وقف أية خطوات في مختلف المؤسسات الدولية ينسجم، بالمناسبة، مع رؤيته العامة التي ترى في هذه المؤسسات، التي تمول واشنطن غالبيتها وبسخاء، عبئاً على الولايات المتحدة، وعقبة في طريقها، أو حتى كجهات معادية تعمل على تخريب المصالح الأمريكية الحيوية.

 

ولهذا السبب بالذات من المهم أن نتلمس بأنهم، في مختلف أنحاء العالم العربي، لم يُظهروا الكثير من الحماس لقمة واشنطن ولنتائجها، وكأن تغيير النهج حيال مشاكل المنطقة لا يتعلق بالدول العربية، بل ربما يخدم أهدافها بالذات. فالنهج الجديد حيال مشاكل المنطقة، الذي يختلف عن نهج الرئيس أوباما، ينسجم مع مصالح مصر التي تعرضت لانتقادات حادة من جانب الأمريكيين جراء طرد مرسي من الحكم في تموز / يوليو 2013، وحتى مع مصالح السعوديين الذين يتطلعون إلى وقوف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانبهم بشكل أكثر حزماً ضد إيران.

 

لقد أدار العالم العربي إذاً ظهره للقضية الفلسطينية. فهذه القضية لا زالت تشغل بعض الأوساط في الشارع العربي، ويمكن أن تُستخدم دائماً كأداة للتنفيس عن الغضب والانتقادات الموجهة ضد أغلب الأنظمة العربية، أو ضد الغرب. إلا أنه انقضت تلك الأيام التي كانت فيها الدول العربية مستعدة للدفع بالعملة المحلية والتضحية بمصالحها، بدون تروٍ أو تفكير، من أجل القضية الفلسطينية. علاوة على أن الفلسطينيين منقسمون اليوم بين حماس وبين السلطة الفلسطينية، وحتى أن الأخيرة ليست مستعدة لتبني نهج واقعي يقربها من تحقيق أهدافها.

 

وبالتالي، وفي ضوء غياب الدول العربية، تطوعت أوروبا للعمل ضد خطوات ترامب، إذ من شأن هذه الخطوات أن تُفشل مستقبلاً محاولات الأوروبيين للعب أي دور في السياسة الإقليمية. ولكن بدون الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل بوادر انهيار الاتحاد الأوروبي من الداخل، فإن أوروبا هي جهة غير ذات أهمية.

 

وعليه فقد بقي أصحاب الشأن، الفلسطينيون، الذين يجب عليهم اليوم إجراء إعادة تقييم لسياستهم. فقد قامت حماس باختيار طريقها الخاص بها وذلك بعد أن عينت مسؤول الذراع العسكري للحركة، يحيى السنوار، زعيماً لها في غزة. وبوسع السلطة الفلسطينية، في مقابل ذلك، اتخاذ قرارها بتوجيه جل جهدها لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل. فقد ثبُت في السابق أن هذه المحادثات هي الوسيلة الأفضل للتقدم. ولكن إذا ما استمرت (السلطة الفلسطينية) في الانتظار فإنها قد تكتشف بأنها قد تخلفت عن الموعد.

 

ترجمة: مرعي حطيني