متى نقلع عن كذبة "القدس الموحدة"؟

إن الإسرائيليين القاطنين في القدس يعرفون الحقيقة: المدينة كانت ولا زالت مقسمة. وهناك عدد قليل فقط من الإسرائيليين الذين يزورون القرى التي ضُمت إليها، وبخاصة في الشمال: كفر عقب وبيت حانينا وشعفاط. ولكن كل سكان هذه القرى، الذين يمتلكون بطاقات هوية زرقاء، يستطيعون الوصول إلى كل مكان يريدونه في إسرائيل. وما لم يتم تحديد حدود عاصمتنا فهي ستواصل نزيفها.

الإسرائيليون الذين يقطنون في القدس يعرفون الحقيقة وأن المدينة كانت ولا زالت مقسمة
الإسرائيليون الذين يقطنون في القدس يعرفون الحقيقة وأن المدينة كانت ولا زالت مقسمة
كم هو عدد اليهود الذين سيُقتلون أيضاً في القدس، وكم عدد العمليات التي ستترك ندوبها على هذه المدينة المقسمة، حتى يقوم هنا زعيم ليمزق عنها قناع "المدينة الموحدة"؟ عاصمة إسرائيل الموسعة، مع حوالي 300 ألف فلسطيني ابتلعتهم في قلبها، لم تكن موحدة يوماً. والسنة الأخيرة مزقت آخر خيوط القُطَب القاسية التي حاولوا الربط بها بين القرى ومخيمات اللاجئين، التي قمنا بضمها، وبين عاصمة دولة إسرائيل.

صحيح أن الفلسطيني الذي جاء من سلوان في رحلة القتل هذا الأسبوع هو صاحب ماضٍ غني بالعنف والتحريض، إلا أنه لم يتم تحديده كشخص يمكن أن يتحول إلى قاتل. ومثل الكثيرين من سكان القدس الشرقية، رأى في نفسه عضواً في الحرس الأمامي المدافع عن المسجد الأقصى، وممثلاً عن كل المسلمين في وجه اليهود الذين يهددون (من وجهة نظرهم) بالاستيلاء على هذا المكان المقدس. والمشكلة هي أنه لا يشكل خروجاً عن الباقين: فهناك المئات من أمثاله، ما لم يكن أكثر من ذلك، من الفلسطينيين المقدسيين الممتلئين بالكراهية والذين لا يتوانون عن التحريض والعنف، وكلهم يمتلكون بطاقة زرقاء (إسرائيلية).

من المحتمل أن يكون "الشاباك" (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي) قد فوت بعض المؤشرات التي كان يمكن لها أن تدل على الخطر الكامن في هذا الفلسطيني. إلا أنه ليس من الواضح إذا كانت هناك مؤشرات كهذه. والكثيرون صبّوا غضبهم على القاضية التي وافقت على تأجيل تنفيذ عقوبة السجن البالغة أربعة أشهر الصادرة بحقه، ولكن من المشكوك فيه إذا ما كان التعجيل في تنفيذ العقوبة سيغير من خططه شيئاً – ربما كان ذلك سيغير فقط تاريخ تنفيذها. والأمر الذي يثير القلق بشكل أساسي هو أنه منذ اللحظة التي حصل فيها على السلاح بشكل سري - فإنه لم يكن بوسع أي شيء أن يقف في طريقه، فهو قد دخل إلى سيارته التي تحمل لوحة صفراء، وكانت كل القدس مفتوحة أمامه، وكان عليه هو فقط أن يختار أين يوجه ضربته.

إننا نواصل دفع ثمن حماقة تطبيق السيادة الإسرائيلية على أكثر من عشر من القرى والبلدات التي لم تكن تاريخياً جزءاً من القدس. فالمساحة التي ضمتها إسرائيل إلى القدس بعد حرب الأيام الستة كانت أكبر بعشرة أضعاف من المساحة البلدية للقدس إبان الحكم الأردني. وتحت الأسطورة الكاذبة للقدس الكبرى والموحدة واصلت الحكومات الإسرائيلية الإبقاء على الحدود العبثية للمدينة، إلا أن أجزاءً كثيرة من القدس الشرقية لم تُطبَق عليها السيادة الإسرائيلية في الواقع.

وعلى بعد مسافة دقائق معدودة بالسيارة عن المؤسسات القومية الخاصة بنا - الكنيست ومكتب رئيس الوزراء – تقع قرى فلسطينية، ومخيمات للاجئيين، مليئة بالسلاح، والتي لا تقدم لها إسرائيل أية خدمات اجتماعية، وهي مثل عبوة ناسفة يمكن أن تنفجر في وجهنا.

إن الإسرائيليين القاطنين في القدس يعرفون الحقيقة: المدينة كانت ولا زالت مقسمة. وهناك عدد قليل فقط من الإسرائيليين الذين يزورون القرى التي ضُمت إليها، وبخاصة في الشمال: كفر عقب وبيت حانينا وشعفاط. ولكن كل سكان هذه القرى، الذين يمتلكون بطاقات هوية زرقاء، يستطيعون الوصول إلى كل مكان يريدونه في إسرائيل. وما لم يتم تحديد حدود عاصمتنا فهي ستواصل نزيفها.

 


درجة المصداقية

بعد يوم واحد من العملية في العاصمة نُشر في شبكات التواصل الاجتماعي بوست جاء فيه أن الفلسطيني الذي نفذها كان متعاوناً مع "الشاباك". وسارعت، مثلي مثل كل أصدقائي، للتأكد من هذا الادعاء وتمّ الرد عليّ بنفي قاطع من قبل "الشاباك". لذلك لم تقم أية وسيلة إعلام رسمية بنشر هذا الخبر الكاذب أو الاهتمام به. فالصحفيون لا يزالون يؤمنون بأن مهمتهم هي نشر الحقائق وليس الشائعات، ومن الممكن الافتراض أن هناك الكثيرين من بينهم يؤمنون بها.

في الغرب يتحدثون عن أننا نعيش في عصر لم تعد فيه الحقائق والجوهر مناسبة له. وأصبح البشر يستمدون، بشكل متعاظم، معلوماتهم الخاصة من الشبكة (الإنترنت) وهم في الحقيقة لا يهتمون بمدى مصداقيتها. فشبكات التواصل الاجتماعي، التي كان من المفترض، للوهلة الأولى، أن تجعل من نشر الحقيقة عملية أسهل وأسرع، تقوم بفعل العكس. فكل مستخدم (للإنترنت) يختار ما يحب هو أن يطلع عليه، وما لا يحب. والحسابات على الفيس بوك صُممت بشكل يسمح بعرض المعلومات التي يحبها كل واحد منا، والقريبة من رأيه، بدون أية علاقة بمصداقيتها. وبدلاً من أن تجعل القرية الكونية منا أناساً مطلعين ومثقفين أكثر فإنها تحولنا إلى جهلة يتبنون، دون تدقيق، أي ادعاء أو موقف يقوى آراءنا المسبقة.

وإلى جانب تآكل المصداقية التي يمنحها المواطنون للمؤسسات الاجتماعية والديمقراطية، فقد خلقت الشبكة (الانترنت) أيضاً الشعور بالاستخفاف والاستهانة بالمتخصصين. فكل الآراء متساوية، تلك التي جرى البحث والتدقيق فيها، وتلك التي تمّ تلفيقها. وبالنسبة للسياسيين الفارغين يحول هذا الأمر الساحة السياسية ـ الإنترنتية إلى جنة عدن يمكن فيها نشر كل الأكاذيب، والاقناع بها، والمطلوب من أجل ذلك فقط أن يتم تكرارها عدد كافٍ من المرات. فالمؤيدون لـ "خروج" بريطانيا (من الاتحاد الأوروبي) أداروا حملتهم التي اعتمدت على الادعاء القائل بأن بريطانيا تعطي في كل أسبوع للاتحاد 350 مليون جنيه إسترليني - وهو الإدعاء الذي لا يعرفون كيف يدعمونه بالأساس المناسب. وفي مثل هذا العصر يستطيع أن يظهر سياسيون مثل دونالد ترامب، الذين يديرون معركتهم الانتخابية والتي يمكن يقال عنها، في أحسن الأحوال، أن العلاقة بينهما وبين الحقائق هشّة تماماً.

لقد تحولت الشبكة (الانترنت) أيضاً إلى ساحة مناسبة جداً للجهات الأجنبية المعنية بالتدخل في العملية السياسية لدولة ما. فهناك اليوم عدد غير قليل من الوسائل السيبرانية (الإنترنتية) التي تجيد خلق المزاج العام على شبكات التواصل الاجتماعي: فهناك كيانات وهمية تستطيع إغراق الشبكة بموقف ما، أو بأي ادعاء، وتنجح بالتأثير على المزاج العام للجمهور المستهدف في الدولة الأجنبية. ويتضح أن البشر يميلون بسهولة إلى تصديق "الحقائق"، حتى وإن كانت مشكوك فيها، عندما تكون تخدم آراءهم.

وعندما تبدأ الصحافة الرسمية باللهاث وراء إعجاب مستخدمي الإنترنت، فإن المنحدر الزلق يتحول إلى مسار متعرج. ففي السنة الماضية انشغلت بريطانيا على مدى يوم كامل في قصة تمّ نشرها في إحدى صحفها. وحسب هذه القصة فإن رئيس الحكومة في ذلك الوقت، ديفيد كاميرون، قد افتعل الفاحشة بجثة خنزير ميت، وذلك عندما كان طالباً. وحتى أن كاميرون نفسه اضطر لتكذيب القصة. وقد اعترفت الصحفية التي نشرتها، بعد فوات الأوان، بأنها لم تنجح في التأكد منها، أو في الحصول على أدلة تثبت صحتها، إلا أن هذه القصة كانت قد حُفرت في الذاكرة الجماعية للكثير من البريطانيين كحقيقة واقعة.

تقوم الشبكة (الانترنت) أيضاً بتقوية الشعور بالقبليّة: فالناس ينغلقون في جماعات على الواتس آب، وفي دوائر الفيس بوك، وهم يفعلون ذلك مع أشخاص يشبهونهم في الآراء حتى يتجنبوا الاطلاع على معلومات قد تقوض معتقداتهم. وبدلاً من استغلال التكنولوجيا من أجل نشر القيم العالمية للانفتاح والتنوير، فإن هذا الانغلاق يشجع، بشكل أكبر، تيارات الشوفينية والعنصرية والكراهية. والمجتمعات الديمقراطية، المعنية في أن تبقى هكذا، عليها اليوم أن تناضل من أجل إعادة المكانة للحقائق وللجوهر في الخطاب العام.

وهذه هي إحدى الحقائق التي يجب أخذها بالحسبان على المستوى القومي الخاص بنا في شهر تشري هذا – الشهر الأول في السنة العبرية - (ومن الواضح لي أنه سيكون هنا أيضاً من سيتعرض على هذه المعطيات التي تستند إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء والإدارة المدنية): في قطاع غزة ولد هذا الأسبوع الفلسطيني رقم 2 مليون. وسكان قطاع غزة سينضمون إلى 2.9 مليون فلسطيني يقطنون في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). وإذا ما أضفنا إليهم أيضاً 1.786مليون عربي آخرين داخل دولة إسرائيل فإننا سنحصل على مجموع 6.68 مليون عربي يعيشون بين النهر (نهر الأردن) والبحر – وهي أغلبية تتفوق بوضوح على اليهود الموجودين في إسرائيل والذين يبلغ عددهم 6.419 مليون نسمة. والآن، وبدون هذه الأرقام: في عام 5777 (حسب التقويم العبري) توجد أغلبية عربية واضحة بين النهر والبحر. وعلى كل من هو صهيوني ويهمه مستقبل هذه الدولة كدولة يهودية – عليه أن يعترف بهده الحقيقة.

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً