مبادرة دحلان

تسود في أوساط الجمهور في المناطق الفلسطينية حالة من التشاؤم الشديد قبيل محادثات المصالحة المرتقبة في الدوحة، في قطر، وذلك لأن الخلافات بين الطرفين، فتح وحماس، تبدو عميقة وغير قابلة للجَسْر بينها.

الهدف المعلن لفتح وحماس هو إقامة حكومة وحدة وطنية
من أصل عشر سنوات، هي مدة حكم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مرّت تسع سنوات منها في الانقسام بين حركة فتح وحركة حماس، وحتى أن حركة حماس قامت خلالها بالسيطرة بالقوة على قطاع غزة.

وتسود في أوساط الجمهور في المناطق (الفلسطينية) حالة من التشاؤم الشديد قبيل محادثات المصالحة المرتقبة في الدوحة، في قطر، وذلك لأن الخلافات بين الطرفين، فتح وحماس، تبدو عميقة وغير قابلة للجَسْر بينها.

إن الهدف المعلن للطرفين هو إقامة حكومة وحدة وطنية، إلا أنهما يجدان صعوبة في وضع البرنامج السياسي للحكومة الجديدة. فمنظمة التحرير الفلسطينية لا تستطيع التراجع عن الاعتراف بإسرائيل وعن مبادرة السلام العربية، بينما ترفض حركة حماس تبني البرامج السياسية الخاصة بمنظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل ووقعت على اتفاقيات أوسلو.

وهناك موضوع خلاف آخر يجعل من الصعب جداً رأب الصدع (بين الطرفين) وهو موضوع دفع رواتب الموظفين التابعين لحركة حماس في قطاع غزة، أي كل الموظفين المدنيين والموظفين العاملين في أجهزة الأمن التابعة لحماس وفي الذراع العسكرية التابعة لها، "عز الدين القسام". فحركة حماس تطالب بدمج كل موظفيها في جهاز الرواتب الخاص بالسلطة الفلسطينية حتى يكون بإمكانهم الحصول على رواتبهم بشكل ثابت في كل شهر. بينما يعارض رئيس السلطة الفلسطينية هذا الطلب، وبخاصة البند الذي يطالب بدفع رواتب عناصر الذراع العسكرية لحركة حماس وذلك خشية أن يتم اتهامه، من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي، بدعم وبمساعدة تنظيم إرهابي.

يوجد لمحمد دحلان مجسّات سياسية حساسة، وهو قد استطاع التقاط المزاج العام المتشائم في المناطق (الفلسطينية) وبشكل خاص بعد تجميد الانتخابات المحلية التي شكلت شعاعاً من ضوء على طريق التفاهم بين فتح وحماس.

لقد سئم الجمهور الفلسطيني من الروتين المتكرر لجولات مباحثات المصالحة بين فتح وحماس، ولا يتعامل أحد معها بجدية. والجمهور في المناطق (الفلسطينية) يبحث عن "تفكير من خارج الصندوق" يؤدي إلى تحقيق اختراق في العلاقات بين الطرفين.

محمد دحلان توصل إلى نتيجة مفادها أن الضغط الجماهيري على قيادتي فتح وحماس هو الوحيد الذي بوسعه فقط أن يدفعهما قُدماً في مفاوضات المصالحة، لذلك دعا في مبادرة تقدم بها في 21 أيلول/ سبتمبر إلى عقد اجتماع لمؤتمر وطني يشمل كل الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، تحت شعار "مؤتمر حماية القضية الفلسطينية". وقد أوضح دحلان مبادرته في لقاءات له مع وسائل الإعلام وقال إن مباحثات المصالحة بين فتح وحماس هي ليست الطريق لإنهاء الانقسام بين الضفة والقطاع وإنه قد حان الوقت لإيجاد آلية جديدة تُفضي إلى توافقات جديدة بما ينسجم مع "وثيقة الأسرى" في عام 2006 والتي حددت الأطر السياسية والتنظيمية التي شكلت القاعدة للاتفاقات بين فتح وحماس. وقال دحلان إن "عقد المؤتمر هو ممر لا بد منه من أجل هزيمة العدو المشترك (إسرائيل)".

هذا ويحاول دحلان أن يقدم نفسه بوصفه الزعيم الجديد للفلسطينيين الذي تشكل مصلحة شعبه مصلحته العليا. وأن يقدم نفسه أيضاً على أنه زعيم صاحب DNA سياسي يختلف عن ذلك الخاص بالقيادات الحالية لكل من فتح وحماس، وبخاصة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي تتحرك شهوته للسلطة وللمنصب بدافع المصالح الشخصية والعائلية.

وكان محمود عباس قد رفض مؤخراً مبادرة "الرباعية العربية" (مصر والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة) لتبني خارطة طريق تقود إلى مصالحة وطنية فلسطينية واستئناف المفاوضات مع إسرائيل استناداً إلى مبادرة السلام العربية.

ويحاول دحلان وضع نفسه كشخص يستطيع التوسط والتوفيق بين الأطراف وذلك لأنه يمتلك المهارات السياسية المطلوبة لذلك. وكان دحلان قد توسط قبل أكثر من سنة بين مصر وأثيوبيا في موضوع مياه نهر النيل وسد "النهضة"، وهو يدعي أن لديه قدرات مثبتة في مجال التوسط ورأب الصدع وذلك أيضاً من خلال معرفته الجيدة للطرفين وللمشاكل الخاصة بقطاع غزة.

إن الفرص أمام القبول بمبادرة محمد دحلان، لدى كل من حركتي وحماس، تلامس الصفر تقريباً. فالحركتان معنيتان بفشله على الصعيد السياسي الداخلي، وباستمرار الوضع القائم. ووفق مصادر في غزة فإن حركة حماس قد منعت مؤخراً عقد اجتماع لشخصيات مستقلة دعماً للمصالحة الوطنية، وهي تحاول بذلك منع أية صحوة جماهيرية في الموضوع وذلك بهدف تأبيد الوضع القائم، على الأقل، حتى رحيل محمود عباس عن الساحة السياسية.

لذلك لا يوجد لمحمد دحلان ما يخسره. وهو يعرض مبادراته لأنه لا توجد فرصة للقبول بها، في الوضع القائم، ولا لدراستها أو لتطبيقها. وبذلك هو يراكم الأرباح على صعيد العلاقات العامة وعلى صعيد شعبيته على ظهر حركتي فتح وحماس اللتين تستمران في الخصام وفي الكباش السياسي بينهما.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً