وداعاً للسلطة الفلسطينية، مرحباً بالفوضى

إن مقولة وزير الأمن التي اتهم فيها محمود عباس بالفساد تكشف عن الافتراض الإسرائيلي القائل بأنه من الممكن التعتيم على التطلعات الوطنية الفلسطينية، وحتى تأجيل تحقيقها، عن طريق استبدال تطلعات الفلسطينيين السياسية بجدول أعمال مدني يدمج بين الرخاء الاقتصادي ودرجة غير قليلة من الإدارة الذاتية.

اتهم أفيغدور ليبرمان محمود عباس بالفساد
في نهاية الشهر الماضي اتهم وزير الأمن أفيغدور ليبرمان رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن، بالفساد الذي يُثقِل على فرص الازدهار الاقتصادي على الساحة الفلسطينية. وهذا القول، الذي مر دون أن يأبه إليه أحد، هو قول مثير وذلك لأنه يعكس القاعدة التي تستند إليها منظومة العلاقات بين إسرائيل وبين الفلسطينيين، وكذلك نمط التفكير لدى المؤسسة الإسرائيلية لجهة ما يتعلق بمجمل الخيارات الإسرائيلية في السياق الفلسطيني.  

وحتى الآن كان الساسة الإسرائيليون هم العنصر الأساسي الذي هاجم الزعامة الفلسطينية. إذ طالما تم اتهام قيادات السلطة الفلسطينية، وبخاصة أبو مازن، بالتورط في التحريض والتشجيع على العنف، وبطبيعة الحال، بإدارة حركة دبلوماسية تهدف إلى إدانة إسرائيل والإساءة إلى سمعتها الطيبة. وحتى أن إسرائيل، منذ اندلاع الانتفاضة الثالثة، ألقت بالمسؤولية عن اندلاع العنف على القيادة الفلسطينية ونجحت في ترسيخ هذا الادعاء في أوساط الرأي العام.  

إلا أن الذريعة السياسية، هذه المرة، كانت مختلفة. فللمرة الأولى يتم اتهام الزعيم الفلسطيني بالتورط ليس في خطوة معادية لإسرائيل فقط، بل أيضاً في الفساد الذي يضر بالاستقرار الاقتصادي للمنطقة. وهذا هو اعتراف علني دراماتيكي بأهمية الاقتصاد في رؤية إدارة الصراع مع الفلسطينيين. وعملياً فإن ليبرمان قد كشف عن الافتراض الإسرائيلي القائل بأنه من الممكن التعتيم على التطلعات الوطنية الفلسطينية، وحتى تأجيل تحقيقها، عن طريق استبدال تطلعات الفلسطينيين السياسية بجدول أعمال مدني يدمج بين الرخاء الاقتصادي ودرجة غير قليلة من الإدارة الذاتية.  

إن نظرية "السلام الاقتصادي" متجذرة بشكل عميق في تاريخ العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ليس إلى الشرق من الخط الأخضر فقط بل أيضاً لجهة ما يتعلق بالأقلية العربية في إسرائيل. وهي قد عادت وعززت نفسها خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة على خلفية مقولة "عدم وجود شريك" في أوساط الجمهورين الفلسطيني والإسرائيلي. والبديل لنظرية التسوية ولفكرة الدولتين، اللتين تلاشت آمالهما بعد الانتفاضة الثانية (أيلول / سبتمبر 2000)، استند إلى أسس التعاون الاقتصادي بين النخب الإسرائيلية والفلسطينية. وكان أحد الأوجه الواضحة لهذا البديل هو حجم السكان الفلسطينيين الذين جرى تشغيلهم في إسرائيل، وهو ما يعيد إلى الأذهان "العصر الذهبي" الذي سبق الانتفاضة الأولى.

وقد ساهم تجذر تيارات الفكر الليبرالي الجديد، الذي يعتمد على السعي لتطوير الاقتصاد حتى وإن كان ثمنه تحطيم الحواجز الوطنية التي تشكل عائقاً أمام التدفق الحر للبضائع والخدمات ورأس المال البشري، ساهم في إحياء نظرية "السلام الاقتصادي"، وقد حوّل هؤلاء الحيز اليهودي – الفلسطيني الواقع بين البحر والنهر إلى منطقة اقتصادية مشتركة تجري فيها عملية تعايش وثيق بين الأطراف، إلى جانب المكونات المألوفة للنزاع الوطني. إلا أن هذا النظام الليبرالي الجديد لم يخلق منظومة عادلة بين المجموعات السكانية، فاستفادت مجموعة من ثماره، بينما اكتفت المجموعات الأخرى بالفتات.

لم تندلع الانتفاضة الثالثة على خلفية التطلعات الوطنية للاستقلال بل للتعبير عن احتجاج أولئك الذين جرى إقصاؤهم إلى خارج النظام الاقتصادي، وبخاصة بين أوساط السكان في الأحياء المهملة في القدس الشرقية. وليس من قبيل الصدفة أن الأسلوب الأساسي الذي استخدمته إسرائيل للتغلب على المشكلة كان تشغيل الفلسطينيين في إسرائيل. وكان الهدف من ذلك هو توسيع الجماعات المستفيدة من النظام الليبرالي الإسرائيلي – الفلسطيني الجديد، وعبر ذلك، زيادة خسائرها إذا ما عادت لإدارة الصراع الوطني.

وعليه فإن مقولة وزير الأمن تشكل اعترافاً هاماً بنموذج "السلام الاقتصادي" الذي يشكل بوصلة لسياسة اليمين في ما يتعلق بالساحة الفلسطينية. وأبو مازن متهم، عملياً، بالسعي لتخريب النظام الاقتصادي الإسرائيلي - الفلسطيني، والذي كانت القيادة الفلسطينية شريكة في إنشائه منذ البداية. وهي لها أسبابها المحقة في ذلك: اليأس من فكرة الدولتين في ضوء المواقف الإسرائيلية وسلبية المجتمع الدولي، وتحسين مكانتها في واقع من عدم الاستقرار الإقليمي عن طريق تحسين الوضع الاقتصادي للسكان الفلسطينيين. ولم تغير الانتفاضة الثالثة المنطق الناظم لهذه الشراكة بين النخب الحاكمة الإسرائيلية والفلسطينية.

إن الإشارة الحالية إلى أبو مازن، بوصفه عنصراً يقوم بتخريب النظام الاقتصادي، من شأنها أن تشير إلى اهتمام جهات إسرائيلية بقطع شوط آخر في إطار استراتيجية "السلام الاقتصادي": استبدال التعاون مع الزعامة التاريخية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفتح، والتي لا زالت تمثل التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني، بالتعاون مع زعامات محلية فلسطينية ذات مصالح ضيقة. وكانت نظريات كهذه قد انتشرت في الخطاب الإسرائيلي الرسمي في السبعينيات، ويبدو أنها قد عادت لتثير الشهية، ليس في إسرائيل فقط بل أيضاً في الشرق الأوسط، الذي يحل في أجزاء منه النظام الطائفي، وما دون الدولة، محل الأنظمة الوطنية. ويبدو أنه يُنظر إلى استنساخ النظم الطائفية، الخاصة بـ " الشرق الأوسط الجيد"، على أنها جذابة في مرآة جهات في إسرائيل، والتي تريد أن تقوّض، بشكل مطلق، مكانة ممثلي الحركة الوطنية الفلسطينية.

إلا أن من شأن استنساخ هذه النماذج الطائفية، ونقلها إلى داخل الفضاء الفلسطيني، أن يكون له أثر سلبي: فقدان السلطة السياسية المركزية في الضفة الغربية. وقد يكون لهذا الأمر آثار مدمرة جداً، لأسباب عديدة منها أن هذا الواقع إذا ما نشأ، وبخاصة في سياق الشرق الأوسط الجديد، سيشكل منصة مريحة لنمو جهات متطرفة عابرة للوطنيات. ولا بد أن إسرائيل عندها ستتذكر، بالكثير من الحنين، أبو مازن والثلة المحيطة به.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً