النضال الكردي بعكس كل الآمال

يعيش حوالي 30 – 40 مليون كردي في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، من إيران في الشرق وحتى شاطئ البحر في سورية في الغرب. والحديث هنا يدور عن طائفة موحدة ومتحدة. وكثيرة هي الفروقات السياسية، وكذلك الثقافية، التي تفرق بين الجاليات الكردية في إيران وتركية والعراق وسورية. ومع ذلك فقد نمت في ما بينهم، خلال القرن الأخير، هوية وطنية توحدهم وهم يطالبون باسمها بحق تقرير المصير، وحتى أيضاً بالحق في إقامة دولة وطنية خاصة بهم.

"ويمكن أن يكون الأكراد قد ساهموا أيضاً في فشلهم في إقامة دولتهم الخاصة بهم".

 إلا أن ما يميز القرن العشرين هو فشل النضال الكردي، وهو القرن نفسه بالذات الذي شهد ظهور دول مصطنعة، تفتقد إلى الجذور التاريخية، وكذلك نشوء شعوب من العدم، مثلما هو حال الشعب السوري والشعب العراقي اللذين يتحولان الآن إلى فتات.

 

ويمكن أن يكون الأكراد قد ساهموا أيضاً في فشلهم في إقامة دولتهم الخاصة بهم، وفي الاستقلال، وذلك بسبب افتقادهم القدرة على توحيد صفوفهم والاجتماع حول قيادة متفق عليها. إلا أنه لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل حقيقة أن الأكراد لا يحظون بالدعم نفسه، ولا حتى بالاهتمام الإعلامي الدولي، ولا حتى بالتعاطف نفسه لدى "الأوساط المتنورة" في العالم، الذي يتم تقديمه بسخاء، على سبيل المثال، للفلسطينيين. فالعالم لا يقف إلى جانب الأكراد. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على الدول العظمى التي تستخدمهم بهدف تحقيق مصالحها الخاصة، إلا أنها تتخلى عنهم في لحظة الحقيقة. ومن المرجح أيضاً أنها ستترك الأكراد، في المستقبل، لمواجهة مصيرهم.

إذاً، هذا هو نموذج لأقلية عرقية كبيرة، لا يستطيع أحد إنكار خصوصيتها التاريخية والثقافية، ومع ذلك لا يوجد أحد في العالم يؤيد نضالها للحصول على دولة خاصة بها، ومن المحتمل أن يبقى حلم الدولة في المستقبل حلماً بعيداً وغير قابل للتحقيق.

ففي العراق خاض الأكراد صراعاً على امتداد سنوات طويلة ضد حكم مستبعد، إلا أنهم، وبسبب انهيار الدولة العراقية فقط، تمكنوا من إقامة حكم ذاتي لهم. وهذا الإطار من الحكم الذاتي قائم، إلى درجة كبيرة، فقط بفضل النية الحسنة لدى واشنطن التي تحتاج للأكراد لكونهم الأرضية الصديقة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في منطقة العراق، وبشكل خاص بكل ما يرتبط بالصراع ضد داعش. ومن المفارقات أن أردوغان يدعم الأكراد في العراق كجزء من التنافس على الهيمنة الإقليمية التي يديرها مع إيران التي تتمتع بالدعم في أوساط الشيعة العراقيين .

أما الأكراد في سورية فهم موجودون اليوم في قلب العاصفة. فهم قد أقاموا على مدى سنوات علاقات من الاحترام القائمة على الريبة مع نظام البعث، وعندما اندلعت الثورة السورية اختاروا تبني سياسة محايدة، وذلك لأنه لم تكن لديهم، منذ البداية، أية آمال من المتمردين السوريين الذين عارضوا بشدة ، مثلهم مثل نظام الأسد، تطلعاتهم الوطنية في سورية.

وفي ظل هذه الفوضى في سورية يحاول الأكراد الاستفادة من كل العوالم معاً والدفع بحذر باتجاه إقامة مؤسسات للحكم الذاتي، وحتى ميليشيات، تحاول السيطرة على المناطق التي يعيش فيها الأكراد في شمال سورية وخلق تواصل إقليمي بينها باتجاه إقامة حكم ذاتي كامل على نحو ما هو قائم في العراق. وقد شكل هذا التحرك في نظر تركيا علامة إنذار حمراء، وهي التي تخشى من انزلاق المشاعر الكردية في سورية إلى تركيا، والتي وصلت فيها العلاقات بين الدولة التركية والسكان الأكراد إلى نقطة الغليان أصلاً.

وبذلك يُجري الأكراد حواراً مع النظام السوري، وفي الوقت نفسه مع الروس، الذين يريدون استخدامهم بهدف ضرب المعارضين السوريين، الذين هم من العرب والمدعومين من قبل دول الغرب وتركية. وإلى جانب كل هذا، جندت واشنطن نفسها لمساعدتهم من خلال الحسابات الباردة لاستغلال القوة الكردية في الصراع ضد داعش. ولكن، مثلما هي العادة، عندما يكون الحديث عن إدارة أوباما فإن الحديث لا يكون عن سياسة أمريكية شاملة تنظر إلى البعيد بل حول خطوة تكتيكية، وحتى غامضة، والتي من شأنها أن تنتهي بترك الأكراد لمصيرهم عندما تتطلب المصلحة الأمريكية ذلك في مواجهة الأتراك، أو كجزء من صفقة مع الروس ومع نظام بشار الأسد لوضع نهاية للحرب في سورية. 

يبدو أن اللعبة الإقليمية والدولية كبيرة على الأكراد. وعندما تتم دعوتهم إلى الوليمة في نهاية الحرب في سورية، يمكن لهم أن يكتشفوا أنه قد تمت دعوتهم كجزء من "المينو" وليس كطرف جاء ليقيت قلبه وليحتفل بالنصر. ولكن هذا هو الواقع المؤلم في منطقتنا، والأكراد هم أحد النماذج البارزة على ذلك. 

ترجمة: مرعي حطيني


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً