هل تمرر الإدارة الأميركية قراراً دولياً لتسوية إسرائيلية – فلسطينية

الوضع المستقر والقوي لرئيس الحكومة نتنياهو يسمح له بخلق ميزان قوى مختلف عن الميزان القائم اليوم في حكومته، وكذلك إظهار الاستعداد لتبني خطوات حقيقية تُرضي موقف الإدارة الأمريكية. فالقضية الإيرانية لم تعد تشكل نقطة خلاف جوهرية بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك قضية المساعدات الأمنية لإسرائيل يبدو أنها على وشك الحل. وبالإضافة إلى ذلك فإن حكومة نتنياهو قد استطاعت إلى الآن، وعلى خلاف الماضي، الحفاظ على صورة عدم التدخل في حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية. كل هذه الأمور تعزز الأمل في أن تستطيع حكومة نتنياهو تحقيق الهدف الهام في إقناع الإدارة الأمريكية بمنع استصدار قرار في مجلس الأمن الدولي في موضوع العملية السياسية.

الوضع المستقر لنتنياهو يسمح له بخلق ميزان قوى مختلف عن اليوم
على خلفية "النشاط الإرهابي" الفلسطيني المتعاظم، والضغوط الشديدة من جانب أوساط اليمين السياسي في إسرائيل، يلاحَظ وجود توجه لدى الحكومة الإسرائيلية لتسريع، بعض الشيء، حجم البناء في المستوطنات. 
فقد ورد في التقارير أن الحكومة قد صادقت على وضع مشاريع لبناء 650 وحدة سكنية في مستوطنة معاليه أدوميم و 240 وحدة سكنية في راموت وغيلو وهار حوما (جبل أبو غنيم). كذلك تمت المصادقة على إقامة حوالي 600 وحدة سكنية للفلسطينيين في منطقة غفعات هماطوس (بالقرب من بيت صفافا) في القدس الشرقية. 
وكانت الحكومة قد قررت قبل ذلك أيضاً الموافقة على نقل 82 مليون شيكل للمستوطنات في يهودا والسامرة والسماح ببناء  42 وحدة سكنية في كريات أربع (في الخليل).

 

وفي رد على ذلك الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي، في 10 تموز / يوليو 2016، رداً مفصلاً وخارجاً عن المألوف، في حدته، جاء فيه: "نحن مطلعون على التقارير حول نية حكومة إسرائيل القيام ببناء مئات الوحدات السكنية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية. وإذا ما صدقت هذه التقارير فإن الحديث يدور عن خطة أخرى في ما يبدو أنه عملية منهجية للسيطرة على الأراضي لتوسيع المستوطنات وشرعنة النقاط الاستيطانية غير الشرعية، وهو الأمر الذي يقوض بشكل رئيسي الآمال في تطبيق رؤية الدولتين". 
وأكد الناطق أن الإدارة قلقة من تخصيص مناطق في الضفة الغربية للاستخدام الحصري من قبل إسرائيل. وذكّر أيضاً ببيان اللجنة الرباعية الدولية، الذي نُشر في  تموز / يوليو 2016، والذي أوضح أنه منذ اتفاقيات أوسلو ازداد عدد المستوطنين في يهودا والسامرة بأكثر من الضعف. بينما تضاعف ثلاث مرات في المناطق "سي": إذ يعيش اليوم في مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية ما لا يقل عن 570.000 مستوطن إسرائيلي. 
وبالإضافة إلى ذلك فإنه تم بناء ما يزيد على مائة نقطة استيطانية غير شرعية في المناطق C بدون موافقة رسمية من الحكومة الإسرائيلية، حيث أنها غير شرعية وفق القانون الإسرائيلي. ومثل هذه الإجراءات، حسب أقوال الناطق باسم الخارجية الأميركية، تخلق مخاطر لنشوء واقع الدولة الواحدة، وتطرح أسئلة جدية حول النوايا بعيدة المدى لحكومة إسرائيل. 
وحسب أقواله أيضاً فإن الإدارة الأميركية تُجري في هذه القضية "مداولات حادة" مع القيادة في إسرائيل. وأنها تبحث طرق مواجهة المعضلة التي تشكلها مع أعضاء الرباعية الدولية وأعضاء آخرين على الساحة الدولية.

 

إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتجاهل بشكل عام بيانات الإدارة الأميركية، التي احتجت على مدى سنوات طويلة على قرارات المصادقة على البناء في المستوطنات، وبخاصة خلال ولاية الرئيس أوباما.  
إلا أنه اختار هذه المرة أن يرد عليها بتحدٍ: "إننا نعرف الموقف الأميركي"، قال نتنياهو وأضاف: "هو ليس جديداً، وهو [أيضاً] غير مقبول علينا. فالبناء في القدس، والبناء في معاليه أدوميم، مع كل الاحترام، ليس  هو ما يبعد السلام. إن ما يحول دون السلام، قبل كل شيء، هو التحريض المتواصل ضد وجود دولة إسرائيل في أية حدود، وقد حان الوقت لكي يعترف العالم بأجمعه بهذه الحقيقة البسيطة".

 

وفي 27 تموز / يوليو نشرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً آخر، أكثر حدة، ضد النشاط الاستيطاني في إسرائيل. وبعد أن أورد البيان سلسلة من قرارات المصادقة على البناء في يهودا والسامرة، قال الناطق جون كيربي إن الإدارة "قلقة جداً" و "تعارض بشدة" [هذا النشاط] "الذي يتعارض مع هدف السلام" [والذي يجسد] "عملية متعمدة لتسريع النشاط الاستيطاني الذي يضر بفرص تنفيذ حل الدولتين". 
كذلك تطرق الناطق إلى "العدد المتزايد من عمليات هدم منازل الفلسطينيين في مناطق الضفة (الغربية) والقدس الشرقية والتي تترك عشرات الفلسطينين، بما في ذلك أطفال، من دون مأوى". وذكّر الناطق بما قالته اللجنة الرباعية الدولية بأن هذا النشاط يعبر عن "عملية متواصلة من السيطرة على الأراضي وتوسيع المستوطنات وتأهيل النقاط الاستيطانية غير المشروعة ومنع تطور الفلسطينيين، الأمر الذي يشكل خطراً باتجاه تعزيز واقع الدولة الواحدة، والاحتلال الأزلي، والمواجهة". 
ورد على البيان هذه المرة رئيس بلدية القدس نير بركات. وحسب أقواله، التي يمكن الافتراض أنه تم تنسيقها مع نتنياهو، فهو قد رفض هذا الادعاء وكأن الحديث يدور عن عملية مستفزة. وقال بركات إن بلدية القدس تعمل على أساس موضوعي لصالح أبناء كل الأديان في المدينة، وتحافظ على حقوق مواطنيها، على النحو الذي تفعله الولايات المتحدة.

 

وفي 10 آب / أغسطس 2016 وجهت اليزابيث ترودو، التي حلت محل كيربي في منصبه في الخارجية الأميركية، وجهت نقداً لنية الحكومة الإسرائيلية هدم منازل للفلسطينيين في بلدية سوسيا. وقد أكدت الناطقة أن الإدارة الأمريكية تنظر بقلق بالغ إلى هذه الخطوات التي ستحلق ضرراً كبيراً بالفلسطينيين القاطنين في المنطقة. 
وفي غداة اليوم التالي نشرت الناطقة احتجاجاً على الأخبار حول نية حكومة إسرائيل إيجاد حل لمشكلة النقطة الاستيطانية عامونا "غير الشرعية" (illegal) على قاعدة نقلها إلى مكان آخر، من خلال مصادرة أراضٍ خاصة للفلسطينيين. وحسب أقوالها فإن الحديث يدور عملياً عن إقامة مستوطنة جديدة، وهذا بعد أن أعادت الحكومة الإسرائيلية خلال العام الأخير تأهيل 32 نقطة استيطانية غير شرعية – وذلك بما يتعارض مع حل الدولتين.

لقد جاءت هذه التصريحات بهدف نقل رسالة واضحة وقاطعة لإسرائيل مفادها: إن قضية المستوطنات بوصفها جزء من دفع عملية السلام "تشغل جداً" الإدارة الأمريكية وهي ستواصل الاهتمام بها حتى انتهاء فترة ولايتها القانونية. وقد أدلى وزير الخارجية الأميركية جون كيري بأقوال شبيه بهذه وذلك خلال لقائه بأبو مازن في 29 تموز / يوليو 2016. 
وبالإضافة إلى ذلك فإن الإدارة الأمريكية تربط بالبيانات التي تصدرها، وبرزمة واحدة، عمليات البناء في القدس وفي بقية أجزاء يهودا والسامرة، وكذلك ظاهرة النقاط الاستيطانية غير الشرعية. وهي عملياً توضح أنها لا تعترف بصلاحية الادعاء الإسرائيلي حول وجود "تفاهمات" معها في موضوع حجم ومواقع البناء في المستوطنات. 
وعلاوة على ذلك، فإن تصريحات الإدارة تدل على أن التدخل في موضوع الاستيطان من جانب السلطة القضائية في إسرائيل، التي تتمتع بشكل عام باحترام دولي، لا تمنحها مناعة في وجه الإدانة من قبل الإدارة الأميركية.

 

تجب دراسة مدلولات هذه الرسائل سواء من الجانب المرتبط بالموضوع الداخلي الأميركي أو من ناحية العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فرسائل الإدارة الأمريكية في موضوع الاستيطان، وبخاصة استعدادها ليس فقط لرفض سياسة الحكومة بل أيضاً مواجهة إجراءات السلطة القضائية في إسرائيل، تثير الاستغراب وذلك بسبب نقلها في فترة الحملة الصاخبة لانتخابات الرئاسة. وهناك احتمال، ويجب الافتراض أن الإدارة لا تتغاضى عنه، وهو أن يقوم المرشح الجمهوري باستغلال هذه التصريحات للإشارة إلى العلاقة غير الودية من جانب إدارة أوباما تجاه إسرائيل وذلك على أمل أن ينقل إلى صفه أصوات الناخبين، وبخاصة اليهود منهم. 
في مقابل ذلك، فإنه يمكن في الظروف الراهنة، وعلى خلفية التقليد الذي يعود إلى سنوات طويلة من تأييد غالبية اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية للحزب الديمقراطي، وعلى خلفية النقد القائم في أوساط الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية ضد سياسة الاستيطان التي تتبعها الحكومة (الإسرائيلية)، يمكن أن يكون تقدير الإدارة بأن غالبية أصوات اليهود ستُعطى في كل الأحوال للمرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، التي يؤيدها الرئيس أوباما.

 

إضافة إلى ذلك فإنه من شأن هذه التصريحات أن تشير إلى وجود توجه لدى الإدارة لإعداد الأرضية وتوفير المبررات الدبلوماسية – الإيديولوجية لامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن حول تبني قرار يضع أرضية جديدة، أقل راحة لإسرائيل، لدفع عملية السلام. 
وتتركز النقاشات في الإدارة الأميركية حول مقترح قرار سيعرض على مجلس الأمن في تشرين الثاني / نوفمبر 2016 - كانون الثاني / يناير 2017، أي الفترة الممتدة بين الانتخابات التي ستجري لانتخاب الرئيس الجديد وبين أدائه للقسم، والتي لا تكون فيها ضرورة لأخذ الاعتبارات الانتخابية بالحسبان.

إن إدارة الرئيس أوباما تصل إلى نهاية ولايتها ولديها إحساس كبير من الإحباط حيال انشغالها في دفع العملية السياسية – وهو الموضوع الذي حصل على أفضلية كبيرة خلال ولايتها. وتصريحات الرئيس أوباما ومسؤولين آخرين في الإدارة تدل بشكل واضح على إلقاء غالبية التهمة على حكومة إسرائيل ومن يقف على رأسها، حتى وإن لم تكن السلطة الفلسطينية معفية من المسؤولية. ويبدو أن الإدارة تريد أن تنهي ولايتها بتقديم إنجاز يتمثل في خلق أرضية سياسية جديدة لدفع عملية السلام.

 

الآن، على حكومة إسرائيل واجب الاعتراف "بعظمة الساعة" وبالمدلولات الخطيرة وبعيدة الأثر التي يمكن أن تكون لاتخاذ قرار جديد في مجلس الأمن وذلك في أعقاب نشوء واقع سياسي - استراتيجي جديد، وهو بشكل شبه مؤكد، غير قابل للعكس وغير مريح لإسرائيل. لذلك فإنه في الظروف القائمة يجب على حكومة إسرائيل أن تبذل جهداً مكثفاً بهدف الوصول إلى تفاهمات مع إدارة أوباما في موضوع عملية السلام والمستوطنات. والتهديد بـ "خطوات انتقامية"، مثل ضم مناطق في يهودا والسامرة وإلغاء الالتزام باتفاقيات أوسلو وخطاب بار إيلان وكذلك تحويل موقف الإدارة في هذه القضايا إلى نقاط خلافية في معركة الانتخابات الرئاسية، لن تخدم مصلحة دولة إسرائيل في هذه المرحلة.

 

إن الوضع المستقر والقوي لرئيس الحكومة نتنياهو يسمح له بخلق ميزان قوى مختلف عن الميزان القائم اليوم في حكومته، وكذلك إظهار الاستعداد لتبني خطوات حقيقية تُرضي موقف الإدارة الأميركية. 
فالقضية الإيرانية لم تعد تشكل نقطة خلاف جوهرية بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة، وكذلك قضية المساعدات الأمنية لإسرائيل يبدو أنها على وشك الحل. 
وبالإضافة إلى ذلك فإن حكومة نتنياهو قد استطاعت إلى الآن، وعلى خلاف الماضي، الحفاظ على صورة عدم التدخل في حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. كل هذه الأمور تعزز الأمل في أن تستطيع حكومة نتنياهو تحقيق الهدف الهام في إقناع الإدارة الأميركية بمنع استصدار قرار في مجلس الأمن الدولي في موضوع العملية السياسية.

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً