خطاب إيهود باراك

أنا لست محامياً لنتنياهو وحكومته. بل العكس: في السابق عبرت عن قلقي العميق وتحفظي من سياسته وتعاطيه مع الكثير من المواضيع، لكن أقوال باراك مع محاولته الظهور بأنه من يحذر، خصوصاً على ضوء السيرة السياسية القليلة له، يمكن اعتبارها ما بين الهذيان والاساءة.

باراك يعول على ذاكرة الجمهور القصيرة وعلى إخفاء ما حدث في حكومته
قمة التفاهة التي وصلت إليها النقاشات الجماهيرية في إسرائيل، انعكست بشكل جيد أثناء مؤتمر هرتسليا قبل أسبوع، خصوصاً في أقوال إيهود باراك الذي هاجم بشكل فظ غير مسبوق الحكومة.  ولشدة السخرية فإن ولاية باراك كرئيس للحكومة كانت الاقصر في تاريخ الدولة، مع أداء خاطىء في كل المجالات، ولا سيما في المجال الامني الذي يفترض أن يكون من اختصاصه.

من الواضح أن "الاحترام المشكوك فيه" لم يمنعه من توجيه اللوم إلى من هو عكسه، حيث أنه موجود في هذا المنصب مدة تفوق أي رئيس حكومة آخر باستثناء بن غوريون.

أنا لست محامياً لنتنياهو وحكومته. بل العكس: في السابق عبرت عن قلقي العميق وتحفظي من سياسته وتعاطيه مع الكثير من المواضيع، لكن أقوال باراك مع محاولته الظهور بأنه من يحذر، خصوصاً على ضوء السيرة السياسية القليلة له، يمكن اعتبارها ما بين الهذيان والاساءة.

باراك يعول على ذاكرة الجمهور القصيرة وعلى إخفاء ما حدث في حكومته عن مواطني إسرائيل، حيث كان هناك الكثير من الاخطاء والاخفاقات. مثلاً اتهامه لحكومة نتنياهو بـ "الفشل مرة تلو الاخرى من أجل ضمان الامن".

وأذكر هنا أن باراك هو الذي بادر إلى الهروب المتسرع أحادي الجانب للجيش الاسرائيلي من الحزام الامني في جنوب لبنان، ليترك المكان لسيطرة حزب الله الذي تسلح وانتشر في السنوات التالية على الحدود. بعد ذلك بست سنوات اندلعت حرب لبنان الثانية التي كان فيها كثير من المصابين، وفي أعقابها زادت كمية السلاح لدى العدو بعشرة أضعاف مع تحسن نوعيته.

أيضاً في ظل حكم باراك اندلعت الانتفاضة الثانية التي استمرت نحو خمس سنوات وجلبت القتل والرعب إلى شوارع الدولة، وبعد عودته إلى السياسة أيضاً، حينما كان وزيراً للدفاع في حكومة ايهود اولمرت (2007 – 2009) وفي حكومة نتنياهو (2009 – 2013) تدهور الوضع الامني في الجنوب إلى درجة، أضطر فيها الجيش الاسرائيلي إلى العمل مرتين من أجل إعادة الهدوء في عمليتي الرصاص المصبوب وعمود السحاب.

للأسف الشديد، حماس خرجت بعد ذلك غير مهزومة وزادت قوتها. يصعب الامتناع عن الاستنتاج أن انتقادات باراك للفشل المتواصل في ضمان الأمن، ما هي إلا وقاحة.

فشل بنفس الحجم ميز طريق باراك في ادارة الشؤون السياسية الداخلية مع هزائم كبيرة في الانتخابات لرئاسة الحكومة في 2001 وللكنيست في 2009 (الهزيمة الاصعب لحزب العمل مع 13 عضو كنيست فقط). أيضاً في مجال القيم الجماهيرية يبدو أنه لا يوجد لباراك ما يتفاخر به: مراقب الدولة قال في التقرير الذي نشر في 2011 إن العملية التي نقل في سياقها باراك اعماله الخاصة لبناته الثلاث "كانت فيها أخطاء. أعمال باراك لم تلائم المعايير المتوقعة من وزير". وبلهجة مشابهة قالت صحيفة "ذي ماركر": "التقرير هو توبيخ جماهيري خطير للوزير باراك".

إن هجومه على الحكومة يتسبب بضرر كبير لصورة دولتنا واستقامة الحكومة المنتخبة. اتهاماته الكاذبة يستغلها اعداؤنا الذين يعملون على تشويه صورتنا. ما الذي سيأملونه أكثر حينما يحذر رئيس الحكومة السابق من وجود "بوادر فاشية" في أوساط النظام في اسرائيل؟

إن إمكانية اسماع انتقادات شديدة إلى هذه الدرجة وظهورها في وسائل الاعلام الاسرائيلية، تضع انتقاداته موضع السخرية حول الفاشية التي تقترب. وبنفس القدر ليس من الصعب وصف العاصفة الاعلامية التي كانت ستثور لو كان نتنياهو بدلاً من باراك هو الذي ينتقد خصومه بشكل مشابه.

كان يمكن قول كل جملة وكل تحريض في خطاب باراك اليائس الذي كان من أبرز القادة الفاشلين في تاريخ الدولة. ولكن في سياق مقال آخر، توجد حدود لكمية السخافات التي يمكن دحضها. وفي نهاية المطاف، آمل أن الجمهور الاسرائيلي يكون مستعداً ومجرباً بما يكفي، كي لا يتم أغراءه وتضليله بالاكاذيب التي يبثها الشخص الذي أثبت مرة تلو الاخرى أنه لا يستطيع بالفعل.

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً