تفاؤل حذر

يوسي بيلين يكتب في "إسرائيل اليوم" أن على الإسرائيليين أن يحذروا أكثر من الآخرين من متلازمة الولد المضروب. يقول إنه لم يكن "ثمة شعب عانى مثلما عانينا، دفع ثمنا مجنوناً جداً فقط على مجرد وجوده. ولكن هذا لا يجعلنا جميعاً متحصنين من الوحشية تجاه الآخرين".

يوسي بيلين: نحن ننظر في الساعة الديمغرافية ولا نفعل شيئاً.
          يذكرنا يوم الاستقلال (ذكرى النكبة) في كل مرة من جديد بقصة النجاح المذهلة التي بنيناها هنا. وبقدر ما نقايس أنفسنا بدول اخرى نشأت في عصرنا، نفهم أكثر بانه حصل هنا شيء فريد من نوعه: قصة مميزة لا مثيل لها في مجرد نقل الشعب اليهودي من اماكن مختلفة في العالم الى بلاد إسرائيل، تجديد اللغة العبرية، نجاح استيعاب المهاجرين، قدرتنا العسكرية، مستوى التعليم، الثقافة والاقتصاد.           غير أن خلود هذا النجاح ليس مضمونا، والجلوس على أكاليل الغار هو وصفة للمصيبة. إذ تتحقق سياقات من شأنها أن تعرض وجودنا للخطر، سواء من ناحية أمنية أم من ناحية يهودية واخلاقية. واحساس الكثيرين منا بان الحق معنا، حتى وان كان صحيحا في بعض من المفترقات الاساس لتاريخنا، فليس صحيحا بشكل مطلق، ولا يمكنه أن يشكل ذريعة لافعال غير محقة.           وهو الامر بشأن المقايسات. فمن يقايس الديمقراطية الإسرائيلية بتلك التي في معظم دول العالم، سيجد ان مستواها أعلى. من يقايسها بدول نسعى لان نكون اعضاء في ناديها، لن يستصعب الفهم كم نحن بعيدون عنها. من يقايس وضع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مع وضع المواطنين العرب في معظم الدول العربية، يصل الى الاستنتاج بان وضعهم هنا افضل. ولكن في اللحظة التي تجري فيها هذه المقايسة مع اليهود مواطني إسرائيل (وهذه هي المقايسة الوحيدة التي يمكن اجراؤها)، سنجد أن المسافة بعيدة في كل مجالات الحياة. محظور علينا أن نجعل حياتنا اسهل. 

الأغلبية السوية تبقى في البيت

          صلاة يوم الغفران تتناول الفترة التي بين يوم الغفران الماضي حتى يوم الغفران هذا. وفي يوم الاستقلال (ذكرى النكبة) نحن نجري ميزان السنة الوطنية الماضية، ونجد صعوبة في الاشارة الى التقدم. لا بالنسبة للاقليات، لا في السلوك تجاه الفلسطينيين الابرياء، لا بالنسبة للمحكمة وسلطة القانون، لا بشأن التسامح تجاه من رأيه يختلف عن رأينا، لا في مكانة إسرائيل في العالم الحر، لا نحو السلام، لا نحو ضمان وجودنا على مدى السنين كدولة يهودية وديمقراطية.
          ان حقيقة ان بضعة انظمة دكتاتورية في العالم العربي، قلقة من ايران ومن داعش، تقيم علاقات حميمية مع جهاز الامن لدينا، بينما في شوارعها تتعاظم الكراهية لإسرائيل، لا تدفىء قلبي. نحن يمكننا ان نخدع انفسنا وان نروي لانفسنا بان كل شيء على ما يرام، ولكن حتى الدول ذات الحكم المطلق، التي تقيم علاقات اقتصادية طيبة معنا، غير مستعدة لان تقف الى جانبنا تقريبا في أي بحث في المؤسسات الدولية، وهي تبادر، المرة تلو الاخرى، الى قرارات قاسية ضدنا.           ان التقرير القريب للرباعية سيعرض امامنا مرة اخرى الموقف الحقيقي للدولة الهامة لنا في مسألة سياسة إسرائيل في المناطق، ومرة اخرى سنفهم باننا منعزلين في مواقفنا، حتى لو لم يكن في ذلك ما يمس، فورا على الاقل، بعلاقاتنا التجارية. فلا توجد أي دولة في العالم مستعدة لان تقيم سفارة في القدس (الغربية) واي منها ليست مستعدة لان تعترف بضم هضبة الجولان، القدس او شرعية المستوطنات الاقرب الى الخط الاخضر. العالم غير مستعد لان يلقي بتبعة عدم التقدم نحو السلام على الطرف العربي فقط، ولا يفهم لماذا نحن لسنا مستعدين لان نقبل المبادرة العربية من العام 2002، التي تقول انه اذا ما صنعنا السلام مع جيراننا، فسيكون تطبيع بين العالم العربي (والاسلامي) وبين إسرائيل.           نحن ننظر في الساعة الديمغرافية ولا نفعل شيئا. نحن نحاول أن نقنع انفسنا بانه لا يزال بعيدا اليوم الذي تسيطر فيه اقلية يهودية على اغلبية فلسطينية، وفي اوساطنا من يحاولون ان يعدوا فقط كل فلسطيني ثان، كي يصلوا الى نتيجة تقول اننا سنكون ابدا هنا اغلبية. ولكن هذا لن يجدي نفعا. نحن نقف على شفا هذه اللحظة، ونعرف بانه من أجل منع وصولها، علينا أن نقسم البلاد بالاتفاق او بغير الاتفاق، ولكننا لا نستعد لذلك.           نحن نستمع الى الحماسة العنصرية، نقرأ الاستطلاعات التي تقول ان كثيرين جدا يسعون الى طرد الغريب من هنا ومنع الحقوق عنه، يرون اليهود الذين يقتلون في قرية دوما ومن يسعون الى تقليدهم، نشاهد الجماعات التي تطالب بالفصل بين اليهود وغير اليهود وتستخدم العنف لتحقيق ذلك، ونحاول ان نروي لانفسنا قصصا عن ان هؤلاء هم اشخاص هاذون في هوامش المعسكر. المشكلة هي أن الاغلبية السوية تبقى في البيت، وهؤلاء الاشخاص الهاذون، هم اولئك المستعدون للخروج الى الشارع تحت المطر والكفاح في سبيل ارائهم الخطيرة. 

تشخيص المؤشرات الاولية

عشية يوم الاستقلال يمكن أن نجد شعاع نور في شكل الاقوال الشجاعة والهامة لنائب رئيس الاركان يئير غولان. وقد قيلت الاقوال في عشية يوم الذكرى للكارثة والبطولة، لان هذا كان اليوم السليم لقولها: علينا أن نحذر اكثر من الاخرين من متلازمة الولد المضروب. لم يكن ثمة شعب عانى مثلما عانينا، دفع ثمنا مجنونا جدا فقط على مجرد وجوده. ولكن هذا لا يجعلنا جميعا متحصنين من الوحشية تجاه الاخرين.
          ولما كانت الكارثة وقعت، وليس منذ زمن بعيد، فان من شأنها أن تقع في المستقبل ايضا كنتيجة لقرار جمهور ما من الناس بان جمهور آخر من الناس يمس بجودة حياته او رفاهه. واذا كانت لنا رسالة جماعية فهي الوقوف بالمرصاد كي نعرف، قبل الاخرين، بوجود مؤشرات دالة والحذر منها. لقد نفذ الكارثة اناس عاديون، عادوا ليكونوا مواطنين عاديين بعد بضع سنوات من ذلك، حتى وفاتهم. هذا هو الامر المخيف للغاية: لا حصانة من الكارثة، لا موسيقى بيتهوفن، ولا رقصات كز تشوق. هذا ما ينبغي أن نعلمه، هذا ما ينبغي ان نتذكره.           الان يدعون لاقالة الرسول، ولكن غولان يحذر من الامر الاهم: نحن ايضا لسنا حصينين، واذا كانت في داخلنا اقاويل وافعال فظيعة، فينبغي أن نتذكر – فهي تبدأ دوما في الاقبية. وبدلا من القيام بعمل القردة الثلاثة، يجدر في سنة الاستقلال التالية ان نسير في اعقابه وننفذ احد اهداف دولة اليهود: ليس فقط أن نحاول ان نكون نورا للاغيار، بل قبل كل شيء ان نكون جساس الاثر للعالم، بما في ذلك لانفسنا، ضد العنصرية العنيفة التي لا تحمد عقباها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً