لا يمكن تجاهل بوتين

إن كل الشرق الأوسط يسمع ويرى ما يحدث. فالعرب، وكذلك إسرائيل، يستمعون إلى التصريحات القوية التي يطلقها ترامب ضد طهران، إلا أنهم لا يستطيعون تجاهل الحقيقة وهي أن واشنطن تسلم على الأرض عملياً، في العراق وسوريا، بالتواجد الإيراني المتزايد، وهي لا تعمل على لجم إيران.

من الصعب الافتراض أن الروس، أو الأوروبيين، سيقتنعون بدعم واشنطن

التقارير الواردة من واشنطن والتي تتحدث عن نية الرئيس ترامب الإعلان عن عدم التزام إيران بالاتفاق النووي الذي وقعت عليه قبل عامين، هذه التقارير لا تحمل في طياتها أية مفاجاة. فمنذ دخوله إلى البيت الأبيض لا يخفي ترامب رأيه بأن إيران تشكل خطراً وتهديداً على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى أمن أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة وفي مقدمتهم إسرائيل ودول الخليج. وهذا الأمر يمكن أن يقودنا إلى نتيجة أخرى، يكررها ترامب في كل فرصة ومن على كل منبر، وهي أن الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إدارة أوباما مع طهران لم يكن إلا مساومة خاطئة وأن الحديث يدور عن اتفاق سيء لم يحقق هدفه، وتحت عنوان لجم إيران هو قد شجعها على الاستمرار في طريقها.

إلا أنه في واشنطن كما هو الحال في واشنطن دائماً، بوسع الرئيس أن يقول ما يشاء إلا أن للمسؤولين في وزارة الخارجية وفي وزارة الدفاع رأيهم الخاص بهم. وعليه فقد سارع وزير الدفاع ماتيس، وقائد الجيش دنفور، إلى القول إن المصلحة الأمريكية هي العليا. وحسب أقوالهما فإن الاتفاق مع إيران بالذات قد أوقف السباق الإيراني إلى السلاح النووي، وإن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية هي في تنفيذه وليست في إلغائه.

وعليه فإن المخرَج الذي يلوح في الأفق هو إعلان رئاسي مفاده أن إيران لم تلتزم بالاتفاق. ومع ذلك فإن ترامب سيمتنع عن القيام بأية خطوة عملية ضد إيران، وسيواصل السعي بهدف إقناع شركاء الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا والدول الأوروبية – بتعزيز الضغط على طهران.

ومن الصعب الافتراض أن الروس، أو الأوروبيين، سيقتنعون بدعم واشنطن. فالأوروبيون يرون في الاتفاق إنجازاً، وحتى خطوة حيوية في الجهود من أجل استقرار الشرق الأوسط. بينما روسيا تدخل في شراكة إستراتيجية مع طهران، والتي نجح الطرفان في إطارها في إنقاذ نظام بشار الأسد، وحتى في ضمان سيطرتهما في سوريا.

إن كل الشرق الأوسط يسمع ويرى ما يحدث. فالعرب، وكذلك إسرائيل، يستمعون إلى التصريحات القوية التي يطلقها ترامب ضد طهران، إلا أنهم لا يستطيعون تجاهل الحقيقة وهي أن واشنطن تسلم على الأرض عملياً، في العراق وسوريا، بالتواجد الإيراني المتزايد، وهي لا تعمل على لجم إيران.

ولا عجب أن ملك السعودية سلمان سارع هذا الأسبوع للقيام بزيارة تاريخية، هي الأولى من نوعها، إلى موسكو. وهو قد كرس جلّ زيارته للمخاوف السعودية من إيران. ومثله مثل الكثيرين غيره في المنطقة، مثل الرئيس السيسي، وحتى رئيس الحكومة نتنياهو، يرى الملك السعودي كيف أن بوتين هو اللاعب الرئيسي والذي يمتلك تأثيراً حاسماً في المنطقة اليوم. وإذا كانت الولايات المتحدة قد سلمت المفاتيح في سوريا وفي العراق إلى موسكو، فربما يكون من المناسب الحصول على ضمانات لأمن السعودية من صاحب البيت الجديد، فلاديمير بوتين. إذ سيكون لها (الضمانات) وزن أكبر من التصريحات القوية، لكنها خالية من المضمون، القادمة من واشنطن.

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً