الهجوم الإسرائيلي والبراغماتية الروسية

تأتي زيارة وزير الدفاع الروسي إلى تل أبيب بعد إطلاق الدفاعات الجوية السورية صاروخاً على سلاح الجو الإسرائيلي في وقت يُرجّحُ أن هذا القرار يُتّخذ في القصر الرئاسي في دمشق.

قامت إسرائيل بإطلاع القيادة الروسية في سوريا عن مهاجمة البطارية السورية

ما كان بإمكان وزير الدفاع الرّوسي سيرغي شويغو أن يحلم بتوقيت أكثر دقة لزيارته إلى إسرائيل: بعد ساعات قليلة على حادثة خطيرة بوجهٍ خاص وقعت فوق سماء سوريا بين سلاح الجو الإسرائيلي ونظام الدفاع الجوي السوري – وهي حادثة دفعت برئيس الأركان الإيرانية بعد يومين إلى التهديد بأن إسرائيل لا يمكنها أن تهاجم في سوريا ساعة تشاء.

لم يكن هناك سبيل لتخطيط زيارة شويغو بصورة أكثر مثالية. فبالفعل، فيما كانت عيون كل الشرق الأوسط تتطلّع نحو المجال الجوي بين دمشق وبيروت، الذي يزدحم فيه الإسرائيليون والرّوس والسوريّون والأميركيّون واللبنانيّون والعديد من أسلحة الجو الأخرى، بعد لحظة من حادثة هددت بإشعال المنطقة بأسرها، في حين أن الرّوس أنفسهم مزروعون فيها، ومن المفترض أن يغلي "الخط الساخن" بين الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو الروسي في سوريا في يومٍ كهذا، ها إن وزير الدفاع الرّوسي بجلالته وبنفسه وصل إلى القدس وتل أبيب في الوقت الحقيقي واجتمع بوزير الأمن أفيغدور ليبرمان، وفي اليوم التالي مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (بحضور ليبرمان)، في حين أنه لم يزر "ياد فاشيم" [متحف الهولوكوست].

قبل أشهر، [آذار/ مارس 2017]، وعد وزير الأمن ليبرمان بأنه في المرة القادمة التي يطلق فيها السوريون النار على طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، إسرائيل سوف ترد. وقد تم الوفاء بهذا الوعد صباح يوم الاثنين. وإلى ما بعد ظهر الاثنين، صدر رد رسمي عن الجيش السوري: "ستكون للهجوم الإسرائيلي عواقب وخيمة". ثم وصل شويغو.

في الوقت الذي كان يجتمع فيه الوزير الروسي بنظيره الإسرائيلي في وزارة الأمن في تل أبيب، انتشرت في إسرائيل أخبار تفيد بأن "الروس يسمحون للسوريين ضمناً بإطلاق صواريخ مضادة للطائرات على سلاح الجو الإسرائيلي". على الأقل هذا الخبر، نفوه في إسرائيل نفياً قاطعاً. "لم يكن ولم يحصل أبداً"، قال للمونيتور مصدر في محيط وزير الأمن ليبرمان، وأضاف "الرّوس لا يشاركون في هذه القرارات التي يمكن الافتراض أحياناً انها تؤخذ في القصر الرئاسي في دمشق، وفي بعض الأحيان هي أصلاً قرارات عملية يأخذها مستوى منخفض على الأرض".

في إسرائيل لا زالوا لا يعلمون ما إذا كان الأسد نفسه هو الذي أذن للبطارية السورية بإطلاق صاروخ على الطائرة الإسرائيلية. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنه جهد سوري لإعادة تحديد قواعد اللعبة في المجال الجوي ومحاولة رسم خطوط حمراء لأنشطة سلاح الجو الإسرائيلي. في إسرائيل، بالطبع، يرفضون هذه التحديدات والخطوط الحمراء رفضاً قاطعاً. الهجوم الإسرائيلي وتدمير البطارية يعتبران هما أيضاً خطا أحمراً فاقعاً رسمته إسرائيل في فناء الأسد.

التقدير الأكثر معقولية في إسرائيل هو أن البطارية السورية كشفت الطائرات الإسرائيلية وتم إطلاق الصاروخ بقرار من مستوى منخفض. وقال مصدر إسرائيلي كبير لـ "المونيتور": "انهم لا يزالون يعيشون تحت انطباع تفجير مصنع تحسين دقة الصواريخ قرب دمشق قبل بضعة اسابيع ونُسب لإسرائيل. من الممكن انهم اعتقدوا انه عمل هجومي ضدهم واطلقوا صاروخا".

كائناً ما كان، إسرائيل ترى الحادثة الأخيرة بمثابة إعادة تحديد للقواعد الجديدة للعبة: من الآن فصاعدا، إسرائيل لن تتجاهل محاولات ضرب طائراتها.

كل ما تبقّى هو شرح الوضع للروس. وكما هو معروف، قامت إسرائيل بإطلاع القيادة الروسية في سوريا عن مهاجمة البطارية السورية في الوقت الحقيقي، مباشرة مع تنفيذها أو بعدها بقليل. وقد طُرح هذا الموضوع مطوّلاً في محادثات وزير الدفاع شويغو في إسرائيل. الرّوس طلبوا توضيحات وحصلوا عليها.

مصدر إسرائيلي كبير جداً قال للمونيتور: "عندما نتحدث معهم بمنطق ونشرح لهم المبررات والاعتبارات، يتفهمون ويُبدون براغماتية. انهم يعلمون ان طلعاتنا التصويرية فوق لبنان هي من أجل الدفاع وجمع المعلومات الاستخبارية عن الترسانة الصاروخية التي تمت مراكمتها هناك ضدنا، وشرحنا لهم انه لا توجد لدينا نية لتحمّل هجمات ضد طائراتنا".

وفقا للإسرائيليين، الروس يعملون في المنطقة انطلاقاً من اعتبارات باردة ودون مشاعر لا لزوم لها. وحسب مصدر اسرائيلي في حديثٍ مع المونيتور: "انهم معجبون بثباتنا ويتفهمون كل اعتباراتنا".

خلال المحادثات مع شويغو، طُرحت أيضاً، بإسهاب، مسألة النفوذ الإيراني المتنامي في سوريا. "لن نقبل وجودا إيرانيا على حدودنا، هذه ذريعة حرب وخط أحمر واضح"، قال ليبرمان للجنرال الروسي ثم تلاه نتنياهو.

طبقا لما نشرته صحيفة الشرق الأوسط، وافق الروس على ان يقتصر الوجود الإيراني على مسافة 15 كيلومترا من الحدود الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. الإسرائيليون يطالبون بما لا يقل عن 40 كيلومترا. ليس لهذه الأخبار تأكيد رسمي، لكن ليس هناك شك في أن الطرفين يناقشان هذه المسألة بتفصيل كبير. بعد ظهر أمس الأربعاء ، ذكر الكرملين، في سياق تهديدات رئيس الأركان الإيرانية، أن نتنياهو اتصل ببوتين وأن محادثتهما تناولت إيران وسوريا.

مسؤول إسرائيلي كبير قال للمونيتور انه "لن يكون هناك أي وجود إيراني على سياجنا، لا في هضبة الجولان ولا في لبنان. إما ان يتم هذا باتفاق وإما ان يتم توضيحه بالقوة. نحن من جهتنا نوضح لكل الأطراف أننا لن نساوم على هذه المسألة".

من أجل استكمال الجولة، يزور وزير الأمن ليبرمان واشنطن حيث سيجتمع بنظيره جايمس ماتيس وغيره من كبار مسؤولي الإدارة. ليبرمان سيحاول ترسيخ السياسة الإسرائيلية التي ذكرناها، وتشجيع الإدارة في سياستها الجديدة ضد إيران وضد الاتفاق النووي، كما تجلّت في خطاب الرئيس ترامب في الأسبوع الماضي.

برميل مسحوق الاشتعال الشرق الأوسطي بحاجة لصيانة مستمرة وحذِرة على مدار الساعة حتى لا يشتعل. وفي هذا الوقت، على الأقل من الزاوية الإسرائيلية، هذا ينجح.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً