التركيز على فرض قيود على إيران – خطوة إسرائيلية صحيحة

تدور في هذه الأيام معركة حساسة وخطيرة بين إسرائيل وبين إيران. فهذه هي المرة الأولى، خلال 40 عاماً، التي ترسم فيها طهران جبهة مباشرة بيننا وبينها. فهي كانت قد ركزت، إلى الآن، على نموذج فريد كانت لها فيه حدود معنا بدون أن تكون لنا حدود معها. وذلك عن طريق استخدام جهات مدعومة من قبلها، تمولها وتوجهها وتسلحها وتشغلها، مثل حزب الله في الشمال وحماس والجهاد الإسلامي في الجنوب.

التركيز على فرض القيود على إيران - خطوة إسرائيلية صحيحة

لقد شكلت زيارة رئيس هيئة الأركان الإيراني إلى دمشق، ووقوفه إلى جانب رئيس هيئة الأركان السوري وقوله بأنه لن يكون بوسع إسرائيل أن تتصرف كما يحلو لها، شكلت صرخةَ تحدٍ، وصرخةً تحدد الاتجاه: تريد إيران أن تعزز تواجدها في سوريا عن طريق قوات عسكرية ومصانع أسلحة وتشكيل هجومي. وهي قد حققت موطئ قدم لها بمباركة من الروس، الذين استغلوا ضعف الولايات المتحدة الأميركية، وهي لا تنوي إخراجها.

وتقوم إيران بخلق واقع أمني جديد لإسرائيل في الشمال، وهذا هو الأمر الذي يشكل أرضية النشاط الإسرائيلي على المستويين العسكري والسياسي. فالتهديد الآخذ بالتشكل هو الدافع المحرك الذي يقف وراء الخطوة السياسية الهامة جداً في نظر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: محاولة إيجاد صفقة جديدة، حتى ولو بشكل متأخر، مع إيران وذلك بدلاً من الصفقة التي كان يجب التوصل إليها قبل عامين.

إن الصفقة الرئيسية بسيطة: تبقى الولايات المتحدة الأميركية ملتزمة بالاتفاق النووي وذلك شريطة أن يتم في الواقع تشديد الرقابة على المنشآت النووية، ويتم إلى جانب ذلك خلق ضغط عليها لاحتواء المواضيع الأخرى التي ظلت خارج إطار الاتفاق. والرسالة الأميركية للشركاء الأوروبيين هي التالية: عليكم تأييد لجم إيران وستحصلون في مقابل ذلك على ضبط النفس من جانب دونالد ترامب.

إن الأمل في التوصل إلى صفقة كهذه ضئيل، إلا أن أقوال الرئيس الأميركي قد خلقت فرصة. فأولاً هي قد هزت الاستقرار الاقتصادي النسبي في إيران. ففي الاقتصاد ليس هناك حاجة إلى أكثر من قدر ضئيل من عدم اليقين لتقويض الاستقرار. وبالإضافة إلى ذلك فهي قد أفرزت جدولاً زمنياً: فترة شهرين من المداولات في الكونغرس والتي يجب في نهايتها التوصل إلى تعديل أو تغيير أو إلغاء الاتفاق من جانب الولايات المتحدة الأميركية.

وإسرائيل، بطبيعة الحال، هي ليست طرفاً في الموضوع، بل هي كمستشار لا يملك حق التصويت. وقد عُرض هذا المبدأ من قبل نتنياهو في الخطاب الشهير الذي ألقاه أمام الكونغرس بشقيه (الشيوخ والنواب /المترجم) والذي اُعتبر عملاً خارجاً عن المألوف وتحدياً للولايات المتحدة الأميركية. وقد قال نتنياهو حينها: "نحن نستطيع أن نصر على ضرورة عدم رفع القيود عن البرنامج النووي الإيراني طالما أن إيران تواصل عدوانيتها في المنطقة والعالم. ويجب على العالم قبل رفع تلك القيود أن يطالب إيران بفعل ثلاثة أمور: وقف عدوانها ضد جيرانها في الشرق الأوسط، ووقف دعم الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، ووقف التهديد بتدمير دولتي".

هذا ما قاله نتنياهو في ذلك الوقت، ومن الواضح الآن أن إيران قد فعلت العكس: فهي قد عززت من تدخلها في الإرهاب، وفي تقويض الأنظمة، وفي إنتاج الأسلحة وتطوير الصواريخ الباليستية. والخطوة الإسرائيلية المطلوبة الآن هي تشجيع فرض العقوبات الأميركية التي تستهدف تطوير الصواريخ ودعم الإرهاب وذلك حتى يتم دفع إيران للتوصل إلى اتفاقات وتفاهمات، أو أن تضبط نفسها ذاتياً في هذه المواضيع من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي وعلى الانفتاح الاقتصادي.

ولن يكون من الصعب إقناع الأوروبيين بهذا الموضوع, فهو يقلقهم أيضاً. فالفرنسيون والبريطانيون لم يدركوا خلال المفاوضات التفسير الأميركي الخاص بكل من جون كيري وباراك أوباما، ولم يكن من الصعب تجنيدهم لهذه العملية. على نتنياهو أن يواصل الصراخ ضد الاتفاق النووي حتى وإن كانت هناك بعض الأصوات على الساحة التي ترى أنه يجب الحفاظ عليه. إلا أن السؤال يرتبط بالظروف.

يا خسارة الزمن 

بعد عام من التوقيع على الاتفاق النووي عُقدت ندوة "محفل الاستخبارات" التي نظمها كل من مركز إرث الاستخبارات والمجلة الفصلية الأمنية "إسرائيل ديفينس". وفي هذه الندوة قال اللواء (احتياط) نمرود شيفر ما يلي: "إن الرؤية الإسرائيلية الرسمية للاتفاق، بطبيعة الحال، هي أنه سلبي. لكن رؤيتي، التي لا تمثل رسمياً الرؤية الإسرائيلية، هي أن الاتفاق جيد لنا. فهذا الاتفاق، بالنسبة لإسرائيل، يمنحها الكثير من الزمن، والسؤال الحقيقي هو ما الذي نفعله نحن بهذا الزمن. فالسنة يمكن لها أن تكون طويلة، كما يمكن أن تكون قصيرة، والأمر مرتبط بما نفعله خلالها".

وأضاف شيفر: "إيران هي دولة عظمى ليس فقط في الموضوع النووي. فهي قد نجحت حتى خلال عقد من الحصار المفروض عليها أن تصبح عضواً في نادي الفضاء المقلَّص. وهي تطلق الأقمار الصناعية إلى الفضاء، ووتيرة تقدمها في الإطلاق إلى الفضاء أسرع من وتيرة تقدمنا، وكل هذا أيضاً في عشر سنوات صعبة من الناحية الاقتصادية. وعدد الطلاب في كليات الهندسة، والعلماء في إيران، قد ازداد خلال عقد واحد فقط بأكثر من عدد الطلاب في إسرائيل في السنوات الثلاثين الأخيرة في الاختصاصات نفسها. إن علينا نكون متواضعين جداً في تطلعاتنا عندما نتحدث عن احباط البرنامج (النووي). إذ لا يمكن تدمير المعرفة".

وتابع شيفر: "إن انتهاك الاتفاق هو أمر يصعب تحديد طبيعته. فمن الواضح أنه إذا ما قاموا ببناء 20 ألف جهاز طرد مركزي فإن هذا يعني انتهاكاً فظاً للاتفاق، ولكن ما الذي سيحدث إذا ما قاموا بتركيب 5.060 جهاز طرد مركزي بدلاً من 5.000، فهل يُعتبر هذا انتهاكاً له. نعم! ولكن ماذا سيفعلون حيال ذلك؟ هل سيقومون بحرب عالمية؟ وهل سيتوقف البنك الدولي عن تقديم المال لهم؟ وهل سيقومون بطردهم من نظام المقاصة العالمي؟ يبدو أنهم لن يفعلوا ذلك. فانتهاك الاتفاق هي عملية تحدث ببطء، وهي عملية لن تجري أمام عيوننا جميعاً".

وقال شيفر: "ما الذي يجب على إسرائيل فعله؟ يجب علينا، قبل كل شيء، أن نعرف ما الذي يحدث في البرنامج النووي الإيراني في كل لحظة، دون أن نكون مرتبطين في ذلك بالوكالة الدولية للطاقة النووية. فنحن بحاجة إلى منظومة مراقبة قوية جداً. والمرحلة الثانية هي عملية اتخاذ القرارات: علينا أن نطور منظومة منظمة لاتخاذ القرارات، بحيث يكون واضحاً من يشارك في اتخاذ القرار، وبمن يجب الاهتمام وما هي المواضيع التي يجب أخذها بعين الاعتبار.. إلى آخر ما هنالك. والمرحلة الثالثة هي الأدوات التي ستمكننا من العمل ضد البرنامج النووي الإيراني".

لقد كشف شيفر، من خلال هذه الأقوال، النقاب عن المشكلة الرئيسية: إن إيران موجودة من ناحية المعرفة عند نقطة اللاعودة، لذلك على إسرائيل أن تركز على القدرات المادية (العملية) والتي لا تقل إشكالية عن ذلك. وكان نتنياهو قد تحدث عن الأمر في خطابه في الكونغرس قائلاً: "إن المعرفة النووية بدون بنية تحتية نووية لا تساوي الكثير... فبدون آلاف أجهزة الطرد المركزي، وبدون أطنان من اليورانيوم المخصب أو معامل الماء الثقيل، لن يكون بوسع إيران إنتاج قنبلة نووية. ومن الممكن تحقيق إعادة المشروع النووي إلى الوراء بشكل أكبر بكثير من الاقتراح الحالي بالإصرار على صفقة أفضل وذلك عن طريق الاستمرار في ممارسة الضغط على النظام الذي يعاني من الضعف، وبخاصة في ظل التدهور الأخير في أسعار النفط".

لقد اعتقد نتنياهو أن المزيد من الضغط سينجح. إلا أنني لست واثقاً من أنه قد أصاب في ذلك. والأمريكيون اعتقدوا أن المزيد من الضغط سيدفع الإيرانيين للهروب من الغرفة. وهم قد قالوا إن نتنياهو حكيم جداً وبخاصة في تقديم النصائح حول الاتفاقات الدولية مقارنة بزعيم لم ينجح مطلقاً في التوصل إلى اتفاق دولي موضع خلاف.

إن الأمر المهم الآن هو قضية الزمن. فما الذي سنفعله بالزمن الذي وفره لنا الاتفاق؟ إن الخطوة السياسية الإسرائيلية لفرض قيود على نشاط إيران في مجالي الإرهاب والصواريخ هي خطوة في الاتجاه الصحيح، حتى وإن كانت الآمال في نجاحها غير كبيرة. وفي موازاة ذلك يجب القول في تحليل بارد وقاسٍ إنه يمكن لظهور ساحة إيرانية في سوريا أن تكون الشرارة لمواجهة عسكرية شاملة.

تخيلوا هجوم سلاح الجو في الأسبوع الماضي في سوريا. وتخيلوا أن الصواريخ السورية التي أُطلقت قد نجحت في إصابة الطائرات وسقوط طيار إسرائيلي أسيراً لدى سوريا. فهل كانت إسرائيل ستخرج إلى الحرب؟ أوَلَم يكن من شأن هجوم مضاد ضد القوات الإيرانية أن يتحول إلى مواجهة شاملة؟ وألم يكن لهذا الأمر أن يمنح الولايات المتحدة الأميركية الذريعة للبدء في معركة عسكرية ضد إيران، التي يتم في إطارها "تعديل" الاتفاق النووي وذلك بقصف منشأة فوردو، أو بمهاجمة المختبرات في نتانز، وربما أيضاً، بشكل أبعد من ذلك، بتوجيه ضربة قاسية للنظام الإيراني التي من شأنها أن تؤدي إلى استبداله؟ هذا احتمال واحد وحسب. وهو سيجبي منا ثمناً فادحاً، لكن علينا أن نستعد له أيضاً.        

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً