إننا نتحول في هذه الأيام بالذات إلى دولة أبرتهايد ثنائية القومية

إن لليهود الحق الكامل في الصلاة في الحرم الإبراهيمي، إلا أن هذا لا يشكل سبباً لسحق حقوق الإنسان الأساسية لربع مليون فلسطيني. والسكان الفلسطينيون في الخليل يزدادون تشدداً وينتقلون إلى حماس. والخليل هي مثال لما يحدث في الضفة الغربية.

 لليهود الحق الكامل بالصلاة في الحرم الإبراهيمي، إلا أن هذا لا يشكل سبباً لسحق حقوق ربع مليون فلسطيني

خلال المفاوضات حول اتفاق أوسلو عارضت إسرائيل في البداية نقل الصلاحيات الأمنية في الخليل إلى السلطة الفلسطينية، وذلك خلافاً لبقية المدن في الضفة الغربية. وكان التبرير الذي قدمه الجيش الإسرائيلي هو أن الخليل مكان له خصوصيته وأنه يجب عليه حماية المستوطنين اليهود الـ 500 الذين يعيشون بين السكان الفلسطينيين البالغ عددهم 150 ألف نسمة. وعندما قام وزير الخارجية في ذلك الحين شمعون بيريس، وأنا، بعرض الأمر على ياسر عرفات فَقَدَ الزعيم الفلسطيني ومن معه أعصابهم. فمدينة الخليل مقدسة أيضاً للمسلمين بسبب الحرم الإبراهيمي، وسكانها (الفلسطينيون) متدينون جداً.

لقد كان من المقرر أن يُجري عرفات انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني وهو قد ادعى، وهو محق في ذلك إلى درجة معينة، إنه لا يستطيع إجراء الانتخابات في المدن التي تم تحريرها من الجيش الإسرائيلي بينما تجري الانتخابات في الخليل تحت الحراب الإسرائيلية. وقد تفهم بيريس المنطق القائم خلف أقوال عرفات واعتقد أن تشدداً كهذا سيؤدي إلى الإضرار بأمن الخليل. ولذلك طلب من رئيس الحكومة في ذلك الوقت اسحق رابين عقد جلسة ليليّة للطاقم الوزاري المصغر، والتي حضرها كبار ضباط الجيش.

وقد قال بيريس للمشاركين (في الجلسة) إنه يتوجب علينا اتخاذ قرار دفعة واحدة وللأبد حول من يسيطر على هذه البلاد، الحكومة أم حفنة من المستوطنين المتطرفين. وهو اقترح أن يقيم الفلسطينيون شرطة محلية في كل أرجاء الخليل باستثناء الحي اليهودي والحرم الإبراهيمي. وقد حول التصويت إلى امتحان للديمقراطية الإسرائيلية. ونجح رابين في تمرير القرار بالإجماع، وسافرنا إلى طابا للقاء عرفات، وتم انقاذ الاتفاق.

ولا تزال الخليل والديمقراطية الإسرائيلية يشكلان لب معضلة الهوية والمعضلة العامة في إسرائيل اليوم. ففي الأسبوع الماضي فقط سمعنا أنه قد تم منح التراخيص لبناء وحدات سكنية لليهود في الخليل، والذين يقوم قسم منهم، في كل عام، بزيارة قبر القاتل باروخ غولدشتاين. ويشبه هذا الأمر إلقاء عود ثقاب في برميل بارود. ولا يوجد مكان في المناطق (الفلسطينية) يظهر فيه الاحتلال بشكل فج كما هو في مدينة الخليل. إذ يعيش فيها 220 ألف فلسطيني و 750 ألف مستوطن يهودي، والذين يتصرف الجيش الإسرائيلي بسببهم، وبشكل متكرر، كما يحلو له في المدينة. كما يقوم المستوطنون هناك، بشكل متكرر أيضاً، بالتنكيل بالسكان المحليين.

إن لليهود الحق الكامل في الصلاة في الحرم الإبراهيمي، إلا أن هذا لا يشكل سبباً لسحق حقوق الإنسان الأساسية لربع مليون فلسطيني. والسكان الفلسطينيون في الخليل يزدادون تشدداً وينتقلون إلى حماس. والخليل هي مثال لما يحدث في الضفة الغربية.

هذا هو أصل مشكلة الديمقراطية الإسرائيلية، التي تتعرض مؤسساتها بشكل دائم لهجوم من قبل اليمين، سواء في ذلك المحاكم والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام. وفي ما يتعلق بسؤال بيريس من عام 1994 حول من يسيطر على البلاد، الحكومة أم المستوطنون، فإن الجواب واضح اليوم. فمركز الليكود خضع لعملية سيطرة معادية من قبل المستوطنين، الذين يقومون مع (نفتالي) بينيت والبيت اليهودي بفرض برنامج عملهم السياسي على نتنياهو وعلى الدولة كلها: الثيوقراطية (حكم الدين) قبل الديمقراطية، والمستوطنات قبل السلام. إن الأغلبية اليهودية في البلاد في خطر، والنسيج الديمقراطي في خطر أيضاً, فنحن نتحول في هذه الأيام بالذات إلى دولة أبرتهايد ثنائية القومية.

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً