منتخب الجودو الإسرائيلي في بطولة أبو ظبي: ليست الرياضة وحدها

لقد تم اشتراط مشاركة منتخب الجودو الإسرائيلي في بطولة أبو ظبي بالتخلي عن إظهار الرموز الوطنية. وترافق تقليد فليكر بالميدالية بعزف نشيد رابطة الجودو العالمية، في الوقت الذي كانت فيه شفتا اللاعب تتحرك مرددة كلمات نشيد "هاتكڤا" (هاتكڤا / الأمل، النشيد الإسرائيلي).

منتخب الجودو الإسرائيلي في بطولة أبو ظبي: ليست الرياضة وحدها

انتهت هذا الأسبوع بطولة "غراند سلام أبو ظبي للجودو" في الإمارات العربية المتحدة. وهذه ليست المرة الأولى التي يشارك فيها منتخب إسرائيل في البطولة، إلا أنها المرة الأولى التي يفوز فيها طال فليكر بالميدالية الذهبية. وقد ألقت هذه النتيجة الضوء على التحديات الكبيرة التي تقف في وجه العلاقات بين إسرائيل والإمارات.

لقد تم اشتراط مشاركة منتخب الجودو الإسرائيلي في بطولة أبو ظبي بالتخلي عن إظهار الرموز الوطنية. وترافق تقليد فليكر بالميدالية بعزف نشيد رابطة الجودو العالمية، في الوقت الذي كانت فيه شفتا اللاعب تتحرك مرددة كلمات نشيد "هاتكڤا" (هاتكڤا / الأمل، النشيد الإسرائيلي). وعاد ليبرز من جديد الجدل الداخلي في إسرائيل حول مشاركة  لاعبين إسرائيليين في الدول العربية – الإسلامية مع إعطاء دور متواضع لهذه المشاركة. كما سُمعت في العالم العربي انتقادات داخلية ضد المشاركة بحد ذاتها. إلا أنه، وعلى الرغم من كل شيء، فإن مشاركة منتخب الجودو الإسرائيلي في بطولة أبو ظبي هو أمر هام لأسباب كثيرة غير مرتبطة بالشأن الرياضي.

فمن بين الدول المرشحة للتعاون مع إسرائيل في العالم العربي، تحتل الإمارات العربية المتحدة مكاناً متقدماً في القائمة. وقد استطاعت هذه الدولة، خلال العقود الأخيرة، من تثبيت نفسها كمركز هام للكثير من الأحداث العالمية المتنوعة، وانقطاع إسرائيل عن عجلة الفرص التي توفرها هذه الأحداث هو خسارة ضخمة لها.

وعلى الرغم من تبني الموقف العام لجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بإسرائيل فإن المناعة الاقتصادية والسياسية للإمارات العربية، بالإضافة إلى طابعها البراغماتي، يتيحان لها التصرف بشكل مرن ومستقل إلى درجة معينة تجاه إسرائيل. وأحد النماذج على ذلك يتمثل في منح تأشيرات دخول للإسرائيليين الذين يحملون جوازات سفر أجنبية عبر كفالة يوفرها مواطن محلي. ومن الصعب تقدير عدد الإسرائيليين الذين دخلوا إلى الإمارات، إلا أن الكثيرين قد دخلوا بواباتها لأغراض دبلوماسية وتجارية وسياحية.

وتمتاز سياسة الإمارات حيال إسرائيل بإقامة علاقات "تحت السطح" وذلك تفادياً للحساسية المفرطة. فالدولة لا تفرض القيود على التجارة مع إسرائيل في إطار المقاطعة التي تفرضها جامعة الدول العربية، إلا أنها تعمل على إخفاء علامات التعريف بالمنتجات الإسرائيلية المستوردة إليها وتحافظ على مستوى منخفض من الصفقات مع جهات إسرائيلية.

كما تحافظ هذه الدولة، في المجال الدبلوماسي، على ضبابية علاقاتها مع إسرائيل. إذ تم الإبقاء على لقاء نتنياهو مع وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، في نيويورك في إطار السرية إلى أن تم تسريب خبر عنه في صحيفة "هآرتس" هذه السنة. وقد حالت الصعوبة في إقامة تعاون مباشر بين الدولتين ولا زالت تحول دون تحقيق فرص كبيرة للجانبين. إلا أن الإمارات تتمكن بهذه الطريقة من السير بين النقاط دون أن تتبلل.

ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الإمارات بالضرورة المتزايدة لإشراك إسرائيل (كدولة)، أو جهات إسرائيلية، في الفعاليات الدولية التي تجري على أراضيها. إذ أن رغبتها في البروز والتحول إلى لاعب رئيسي ترتبط بالاصطدام بالمشاركة العلنية والرسمية لإسرائيل. وتشكل إقامة المكتب الإسرائيلي للطاقات المتجددة في أبو ظبي أحد نماذج هذا التعاون الذي تم في إطار دولي وتحت سقف الأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى استضافة الأحداث الدبلوماسية والتجارية الدولية تعمل الإمارات العربية المتحدة بشكل نشط لتوسيع استضافة المسابقات الدولية في المجال الرياضي. وقد وضعها هذا المجال في مواجهة معضلات أخرى لجهة علاقاتها بإسرائيل. ففي عام 2009 رفضت الدولة استفاضة شاحر بئير في بطولة التنس الدولية التي أقيمت على أراضيها، إلا أنها تعرضت بسبب ذلك لحملة إعلامية سلبية وللتهديد بمنعها من استضافة مسابقات أخرى فيها. ولهذا السبب تم السماح بمشاركة بئير في البطولة التي جرت في العام التالي، وكانت التغطية الإعلامية لذلك واسعة جداً.                       

 ويبدو أن الصعوبة الكبيرة التي تواجهها الإمارات لا تنبع من دخول الإسرائيليين إليها بل من الثمن الباهظ بالنسبة لها والمتمثل في فقدان الضبابية والخشية من الانتقادات الداخلية. وقادت العبرة التي تم تعلمها في الإمارات إلى تطبيق سياسة موحدة، بدءاً من عام 2010 فصاعداً، في موضوع استضافة الإسرائيليين في المسابقات الدولية الرياضية: منح موافقات الدخول مع تبهيت رموز دولة إسرائيل والانتماء الوطني للاعبين إلى أقصى حد، وذلك بحجة الاعتبارات الأمنية. وتدل هذه السياسة على الطابع البراغماتي لدولة الإمارات العربية المتحدة وعلى إصرارها على الاندماج في المجتمع الدولي.

الرياضيون الإسرائيليون، من جانبهم، أعربوا عن رضاهم بوضع الاعتبارات السياسية جانباً والتركيز على الإنجازات المهنية. ويساهم قرار منتخب الجودو بالمشاركة في البطولة الأخيرة (2017)، وفي البطولة السابقة (2015) في أبو ظبي، يساهم في التخفيف من الاحتكاك الدبلوماسي والمدني بين إسرائيل وبين دولة الإمارات العربية المتحدة، وحتى أنه يفسح المجال أمام وجود نموذج من شأنه أن يشكل مدخلاً لتسويات مشابهة في مجالات أخرى.

وعلى الرغم من أن العلم الإسرائيلي لم يرفرف في الإمارات خلال تقليد فليكر الميدالية الذهبية فإن الانتماء الوطني للاعب كان واضحاً ومعروفاً. وقد اتضح في ما بعد أن المنتخب الإسرائيلي قد حظي بالترحاب وبالتعامل الجيد خلف الكواليس. ونجاح المشاركين الإسرائيليين في "ابتلاع" تبهيت انتمائهم الوطني، والنجاح الموازي للمستضيفين في "ابتلاع" مشاركة إسرائيل، ربما يتطور باتجاه تعميق العلاقات بين الدولتين واتساعها بما يتجاوز مجال التنافس الرياضي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً