بعد سنوات من الكتمان إسرائيل تقرر الكشف عن ضرب مفاعل نووي في سوريا

قرار تدمير المفاعل النووي السوري في دير الزور ظل طي الكتمان، بموجب قرار المستويين السياسي والعسكري، والذي نفذه سرب "بطيشيم" (المطارق) في سلاح الجو الإسرائيلي.

بعد سنوات من الكتمان إسرائيل تقرر الكشف عن ضرب مفاعل نووي في سوريا

إن قرار تدمير المفاعل النووي السوري في دير الزور ظل طي الكتمان، بموجب قرار المستويين السياسي والعسكري، والذي نفذه سرب "بطيشيم" (المطارق) في سلاح الجو الإسرائيلي، في حملة أطلق عليها عدة أسماء خلال عمليات التدريب لتنفيذها، بينها "خارج الصندوق" و"عزف هادئ"، وفق ما قال الجنرال "ت"، لمعاريف وهو نائب قائد السرب الذي نفذ العملية، ويشغل اليوم منصب "مدير دائرة المشاركة في وحدة العمليات في سلاح الجو".

ميلمان أشار إلى أنه في ساعات المساء المتأخرة من الخامس من أيلول/سبتمبر عام 2007، حلقت 8 طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي باتجاه البحر المتوسط، وهي محملة بصواريخ دقيقة وقنابل، يرافقها طائرات اعتراض وتجسس وحرب إلكترونية وتحكم وسيطرة. وبعد تحليق دام نحو ساعة ونصف وصلوا الهدف، وخلال غارتين، عن بعد وعن قرب، ألقيت الحمولة المتفجرة على الهدف، وتم تدمير المفاعل لإنتاج البلوتونيوم للسلاح النووي خلال ثلاث دقائق.

وفي طريق عودة الطائرات تم إبلاغ القيادة السياسية والعسكرية في مبنى وزارة الأمن في تل أبيب بإنجاز المهمة عن طريق كلمة السر "أريزونا"، بينهم رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزير الأمن إيهود باراك، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ورئيس أركان الجيش غابي أشكنازي، وقائد سلاح الجو إليعزر شيكدي، ورئيس الإستخبارات العسكرية عاموس يدلين، ورئيس الموساد مئير دغان، وضباط آخرون.

وبحسب ميلمان لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن تدمير المفاعل، وكانت كل التقارير تعتمد على مصادر أجنبية، حتى سمحت الأجهزة الأمنية أخيراً بالحديث عما حصل خلال السنوات والشهور التي سبقت عملية تدمير المفاعل، بإستثناء بعض التفاصيل العملانية والإستخبارية التي تقرر إبقاؤها سرية. حيث تقرر نشر هذه التفاصيل في أعقاب التماس إلى المحكمة العليا من قبل صحافيين ضد الرقابة العسكرية. وبعد إجراء مشاورات مع مسؤولين أمنيين، تقرر السماح لوسائل الإعلام الإسرائيلية بالنشر، خاصة وأن سوريا بحسب ميلمان ليست في وضع يمكنها من الرد العسكري على ذلك.

ميلمان قال إن لدي شيء من السخرية بشأن حقيقة أن الإنجاز العسكري – السياسي – الإستراتيجي، الذي يعد ضمن أهم الإنجازات في السنوات السبعين لإقامة إسرائيل قد أنجز بعد أن بدأ بإخفاق إستخباري، وحتى أن هناك من في أجهزة الإستخبارات يتحدثون عن "قصور بحجم القصور في حرب 1973"، بحسب تمير باردو، الذي شغل منصب رئيس الموساد في السنوات 2011 حتى العم 2016.

وبحسب باردو فإن سوريا عملت لسنوات على بناء مفاعل نووي دون أن تعلم إسرائيل بذلك. ويقول "لم يبن هذا المفاعل على الجانب المظلم للقمر، وإنما في دولة مجاورة اعتقدنا دوما أننا نعرف كل شيء عنها".

رام بن براك، الذي كان أحد المسؤولين في جهاز الموساد، قال إن أحدا لم يكن يعرف بشأن المفاعل، إلى حين حصل عملاء الموساد على "معلومة ذهبية" مفاجئة، الأمر الذي يؤكده رئيس الأركان السابق، غابي أشكنازي، الذي تسلم مهامه في شباط/فبراير من العام 2007، خلفاً لدان حالوتس الذي استقال من منصبه في أعقاب الحرب على لبنان في صيف عام 2006. وبحسب أشكنازي فإنه عندما تسلم مهام منصبه تلقى تقريراً من الإستخبارات العسكرية والشاباك والموساد يتناول شبهات بشأن انشغال سوريا بالنووي، ولكن لم يكن هناك أي إثبات، ولم يكن النووي السوري أمراً ذا أهمية.

ويشير ميلمان إلى أن  الإستخبارات العسكرية التي كان يترأسها يدلين ترفض هذه الإدعاءات. ويقول الجنرال درور شالوم، الذي يترأس اليوم شعبة الدراسات في الإستخبارات العسكرية وفي حينه كان مسؤولاً عن سوريا في الشعبة ذاتها، إن الكشف عن المفاعل هو أحد أكبر إنجازات الإستخبارات العسكرية بشكل خاص، والإستخبارات الإسرائيلية عامة.

وبحسب شالوم، فإن ضباطاً صغاراً في شعبة الدراسات والمجال التكنولوجي اكتشفوا، عام 2003، علامات على "نشاط سوري مشبوه في المجال النووي".

وبحسب ميلمان، ففي كل الحالات فإن نقطة التحول هذه كانت نتيجة لـ"الصدمة الليبية" للإستخبارات الإسرائيلية. حيث أعلن الزعيم الليبي في حينه، معمر القذافي، عشية عيد الميلاد عام 2003 أنه يوافق على التنازل عن برامجه لإنتاج أسلحة دمار شامل، وبضمن ذلك أسلحة نووية. وكان البرنامج النووي الليبي قد حصل على المعرفة العلمية والتكنولوجية والإستشارة من العالم الباكستاني د. عبد القدير خان، الذي أنجز المشروع النووي الباكستاني، وكان له دور في البرنامج النووي الإيراني أيضاً.

ويضيف ميلمان أن شبفتاي شافيط، الذي شغل منصب رئيس الموساد في سنوات التسعينيات، قد قال له قبل عدة سنوات أن إسرائيل كانت تعلم بجولات عبد القدير خان في الشرق الأوسط، والتي عرض فيها خدماته وقدراته على إنتاج أسلحة نووية، ولكن من دون أن تدرك إسرائيل تبعات ذلك. وبحسب شافيط "لو أدركنا ذلك، لكنت قد أوصيت بإغتياله. وسيكون ذلك ضمن المرات القليلة التي يغير فيها اغتيال إنسان مجرى التاريخ".

عدم وجود أي معلومات بشأن البرنامج النووي الليبي أدى بحسب ميلمان إلى تبادل إتهامات بين الأجهزة حول من يتحمل مسؤولية ذلك. وبحسب رئيس شعبة الدراسات في الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إيلي بن مئير الذي خلفه درور شالوم عام 2016، فإن "الحالة الليبية كانت محفزاً لإجراء فحص ذاتي بكل ما يتصل بالأسلحة غير التقليدية". وكان بن مئير قد شغل في عام 2005 مسؤولاً في شعبة الدراسات في الإستخبارات العسكرية، وأحد ضباط الإستخبارات في عملية تدمير المفاعل النووي السوري.

وفي أعقاب ذلك، قرر الموساد والإستخبارات العسكرية، منذ عام 2004 فحص كل معلومة تم جمعها في العقد السابق عن نشاط عبد القدير خان ومحادثاته وجولاته في الشرق الأوسط. وتبين في حينه أنه زار السعودية ومصر وسوريا. وبسبب علاقة السعودية ومصر مع الولايات المتحدة فقد تم استبعاد إمكانية أن تستجيبا لإقتراحات خان. ونتيجة لذلك قرر الموساد والإستخبارات العسكرية التركيز على سوريا وبدأت تصل معلومات "مثيرة للشبهات"، حتى لو كانت تتصل بتحركات أناس ومركبات، وحتى رسو سفن تحمل مواد غذائية، كما بدأ التفكير بمكان محتمل لنشاط نووي سوري.

وبحسب إيلي بن مئير، فإن حزب الله وإيران كانا يشغلان الإستخبارات الإسرائيلية في حينه، وأنه اضطر للتأكيد على أهمية الإنشغال بسوريا أيضا. وأن المعلومات الإستخبارية ظلت تتدفق على الأجهزة الإسرائيلية، ومن بينها صور أقمار إصطناعية، ومعلومات عن تحركات غير عادية في سوريا. ورغم ذلك فإن الإستخبارات الإسرائيلية كانت كمن يتحسس في الظلمة.

ويتابع ميلمان، بناءً على "المعلومات الأولية المقلقة"، توجه الموساد إلى وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية، وجهات إستخبارية أخرى صديقة لإسرائيل، بطلب معلومات عن "نوايا نووية سورية". إلا أن الإجابة كانت بالنفي. وبذلك لم يكن الفشل الإستخباري يقتصر على إسرائيل لوحدها، بل شمل الولايات المتحدة أيضا.

ونقل ميلمان عن باردو قوله إن كوريا الشمالية كانت هدفا للولايات المتحدة، ولكن من دون أن يتضح ما إذا كان بشار الأسد هو الذي يدير المشروع النووي أم كوريا الشمالية. و ذلك يعتبر فشلاً مدوياً للأميركيين.

بموازاة ذلك قإن رئيس الموساد في حينه، مئير دغان، ورئيس الأركان غابي أشكنازي، توجهاً إلى رئيس الحكومة، أريئيل شارون، بطلب تعزيز جهود جمع معلومات إستخبارية عن البرنامج النووي السوري. إاستجاب الأخير للطلب، وقرر تخصيص ميزانية خاصة لذلك. كما واصل خلفه، أولمرت، ذلك، ووفر كافة الموارد المطلوبة لجمع المعلومات.

وقد وضعت طواقم الإستخبارات العسكرية والموساد  برنامج عمل مقسم بينهما، يشمل الأهداف والأشخاص والمواقع التي يجب التركيز عليها. ونشطت الإستخبارات العسكرية في هذا الإطار من خلال "الوحدة 8200" التي اعتمدت التنصت والتحليل، مع التركيز على الأسد، ومستشاره الخاص ومنسق المشروع السري، الجنرال محمد سليمان، الذي اغتيل بعد ستة شهور من تدمير المفاعل في بيته في اللاذقية بنيران قناصة، ونسب ذلك لإسرائيل، وكذلك التركيز على رئيس اللجنة للطاقة الذرية في سوريا، إبراهيم عثمان، الذي كان ضمن الأهداف المركزية لجمع المعلومات.

ويشير ميلمان إلى أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها عن نشاط الموساد في فيينا. وكل ما نشر في حينه يعتمد على مقال في "نيويوركر"، والذي جاء فيه أن عثمان كان يكثر من سفراته إلى أوروبا، وخاصة فيينا، لإجراء محادثات في مقر اللجنة الدولية للطاقة الذرية. وفي حينه، تمكن عملاء الموساد من إقتحام غرفته في فندق في لندن، وبحسب رواية أخرى في فيينا. وبالنتيجة فقد حصل عملاء الموساد في آذار/مارس من العام 2007 على معلومات ذات قيمة من الجهاز الرقمي لعثمان.

وعندما عاد عملاء الموساد إلى اسرائيل، إستغرق تحليل المعلومات عدة أيام. وبحسب رام بن براك، فقد تبين أن الحديث عن "كنز" من المعلومات، بضمنها صور من داخل مبنى المفاعل، والتجهيزات داخله، وصور لعلماء سوريين مع علماء ذرة من كوريا الشمالية، ما يؤكد أن المنشأة ليست لتخصيب اليورانيوم، وإنما الحديث عن مفاعل نووي لإنتاج البلوتونيوم. واستناداً إلى صور القمر الصناعي للتجسس "أوفيك"، والصور من داخل المبنى، تبين أن سوريا تبني مفاعلاً نووياً في دير الزور، على بعد 145 كيلومترا من حدودها مع العراق، مماثلاً للمفاعل النووي الكوري الشمالي "يونغبيون" المخصص لإنتاج البلوتونيوم.

ميلمان أشار إلى أن البرنامج النووي السوري كان سرياً جداً، وفقط عدد كبير من المسؤولين السوريين كانوا يعلمون بشأنه، وبينهم سليمان وعثمان. وبحسب تقديرات الإستخبارات الإسرائيلية فإن إيران، حليفة الأسد، لم تكن تعلم بشأن المفاعل. وعليه فإن تحليل الصور قد أوصل إلى نتيجة قاطعة، مفادها أن سوريا على مسافة زمنية لا تتجاوز بضعة شهور لإستكمال بناء المفاعل ليتحول إلى "مفاعل ساخن"، ويتم إدخال مواد مشعة إليه. وكانت التقديرات قد تعززت في أعقاب صور أقمار صناعية تكشف عن محطة للضخ، وخط مياه من نهر الفرات إلى المبنى لتبريد المفاعل، والتي كانت آخر مراحل البناء قبل بدء العمل.

وكان دغان قد سارع إلى إبلاغ أولمرت بالنتائج التي توصل إليها، قبل إبلاغ رئيس أركان الجيش، أشكنازي. ولم يكن لدى دغان أي جواب على سؤال أولمرت "ما العمل؟"، وهو الجواب الذي كان يفترض أن يقدمه أشكنازي.

ونقل ميلمان عن أشكنازي قوله إنه "لم يكن في آذار/مارس 2007 مستعدا لمثل هذا الوضع المتقدم الذي يقتضي إتخاذ قرارات درامية"، خاصة وأنه لم يمض على تسلمه مهام منصبه سوى بضعة أسابيع. ويقول إن "الجيش كان متضرراً في أعقاب الحرب على لبنان، إضافة إلى تقرير فينوغراد. وكانت هناك ثغرات ونواقص، وحاجة لملء المخازن الفارغة بالذخيرة. والأهم عدم ثقة الجمهور بالجيش والشعور بأن الجبهة الداخلية كانت مكشوفة".وتوصل أشكنازي إلى نتيجة أنه "يجب هدم المفاعل بطريقة لا تؤدي إلى حرب، وإعداد الجبهة الداخلية للحرب إذا نشبت".

ميلمان أضاف أنه بعد وصول "المعلومات الذهبية" نقلت المسؤولية إلى الجيش. وعملت الأجهزة الأمنية على تشكيل مجموعة مصغرة من الخبراء العسكريين في الجيش والموساد واللجنة للطاقة الذرية والشاباك، ممن لهم دراية في المجال النووي والعمليات الخاصة والإستخبارات وسلاح الجو.وبناءً على أوامر من أولمرت، ووزير الأمن حينها عمير بيرتس، الذي إستبدله باراك بعد فترة قصيرة، فقد وقع المطلعون على القضية، بمن فيهم الوزراء في المجلس الوزاري المصغر، على نموذج خاص يقضي بالحفاظ على السر، وعدم كشف أية معلومات عنه.

ولفت ميلمان إلى أنه كان يجب إتخاذ قرار خلال أشهر معدودة، لثلاثة أسباب: الأول تدمير المفاعل قبل إدخال مواد مشعة إليه ويتحول إلى "ساخن"؛ والثاني هو السرية حيث يجب الحفاظ على السرية بأي ثمن، وخاصة في دولة صغيرة مثل إسرائيل إذا تواصل التخطيط والتنفيذ؛ والثالث أنه يجب تنفيذ ذلك قبل الشتاء، أي قبل تشرين الأول/نوفمبر بسبب الخشية من الرد السوري وإندلاع حرب في حال تقرر تدمير المفاعل.

وبحسب أشكنازي، فإن مخاوفه لم تكن بسبب المهمة نفسها، حيث أنه سيكون بالإمكان إيجاد طريقة لتدمير المفاعل، ولكن المخاطرة الكبرى هي في "عدم قدرة الأسد على احتواء ذلك، وتجاوز تدمير المفاعل، ولذلك أجريت مشاورات مع آخرين في أجهزة الأمن، وتبلورت تقديرات مفادها أنه "إذا تصرفنا بشكل صحيح، سواء بطريقة العمل التي نختارها وأيضا بعد العملية، فهناك احتمال بأن ننجح".

وبحسب ميلمان فإن التقديرات تشير إلى أن "الأسد كان يتأرجح بين قطبين: المغامرة أو القدرة على التجاهل والاحتواء". ولتسهيل احتواء الهجوم على الأسد، قررت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية استخدام التعبير "حيز الإنكار".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً