خطأ أحادي الجانب

أصداء مفاجئة رافقت مقال عضو الكنيست ايتان كابل في الأسبوع الماضي في صحيفة "هآرتس". مفاجئة لأنه لم تكن في أقواله صيغة جديدة باستثناء الفكرة الشارونية القديمة الداعية إلى تحديد حدودنا بشكل أحادي الجانب، والتي اضطر معسكر السلام أيضاً لتأييدها لأنه لم يكن بوسعه رفض هذه الخطوة التي وضعت نهاية لجزء من الاحتلال.

لم تكن في أقوال كابل صيغة جديدة باستثناء الفكرة الشارونية القديمة الداعية إلى تحديد حدودنا بشكل أحادي الجانب

كابل محق في طرحه الرئيسي وهو الخطر الكامن في فقدان طابع إسرائيل، بوصفها دولة يهودية وديمقراطية، ما لم نُقْدِم على فعل أي شيء. وهو قد نجح أيضاً في العودة لطرح الموضوع على جدول الأعمال قبل طرح خطة ترامب، وهذا أمر هام أيضاً. وحتى أنه محق كذلك (في رأيه) بأن الشعور بأن "الحكم الذاتي الفلسطيني مستقر وأنه يمكن الاستمرار في الوضع القائم" من شأنه أن يقودنا إلى واقع ثنائي – القومية، الذي تخسر فيه إسرائيل هويتها اليهودية.

إلا أنه (كابل) قد أخطأ، في الحقيقة، وذلك لأنه يعزو إلى عملية أوسلو مفهوماً نموذجياً لحركة العمل. فعملية أوسلو، في أحسن الأحوال، تنبع من نموذج آخر تماماً وهو نموذج اتفاق كامب ديفيد الموقع في أيلول/ سبتمبر 1978. فالفكرة التي تتحدث عن إجراء حوار مع ممثل عن الفلسطينيين، يفضي إلى خمس سنوات من الحكم الذاتي لهم مع شرطة قوية، قد وُضعت هناك. وهذا النموذج جرت حياكته على مقاس رئيس الحكومة في ذلك الوقت، مناحيم بيغن، الذي عارض طيلة حياته تقسيم أرض إسرائيل الغربية واستمر في تمتمة شعار "ضفتان لنهر الأردن".   

لقد كان (بيغن) يعتقد أنه ما لم يتم بعد السنوات الخمس، التي يتم خلالها إجراء مفاوضات حول التسوية الدائمة، التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين فإنه سيكون بالإمكان عندها تأبيد الحكم الذاتي بوصفه خياراً إجبارياً للجانبين. كما أن القول "وتهدأ الأرض أربعين عاماً" لم يتم اختراعه في اليسار. فقد كان مناحيم بيغن هو الذي أخذه مباشرة من سفر القضاة مع عودته من كامب ديفيد.  

وكان نموذجنا في عملية أوسلو كالتالي: مناطق مقابل ضمان إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية. كما أن اسحق رابين لم يتبنَ رؤية بيغن التي كانت تقول إنه لن يحدث شيء بعد خمس سنوات من الحكم الذاتي وبذلك يتم تأبيده. فهو كان يؤمن أنه سيكون بالإمكان التوصل إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين. وهو قد واصل أيضاً، في عملية أوسلو، المسار الذي بدأ في كامب ديفيد وتواصل في الدعوة إلى مؤتمر مدريد (بعد 13 عاماً من ذلك)، وذلك لأنه كان يرى (وفق مشورتي) أنه إذا ما سار مباشرة إلى التسوية النهائية وفشل فيها فإنه سيُفشل الأمل في تسوية مرحلية. وهو أيضاً آخر شخص يمكن أن تُنسب إليه الأحلام الوردية حول السلام المثالي مع جيراننا. وهذا الأمر لا يمكن أن نعزوه أيضاً إلى الشخص الذي بادر بهذه العملية.   

يضع كابل خارطة المستوطنات التي يقترح ضمها بشكل أحادي الجانب. ومن الصعب أن نفهم اضطراره للضم، ولماذا هو بحاجة إلى منطقة كبيرة إلى هذه الدرجة من الضفة الغربية في الوقت الذي لا تمتلك فيه إسرائيل إمكانية تعويض (الفلسطينيين) عنها في إطار مستقبلي محتمل لتبادل الأراضي. إن اقتراحه – إذا ما تم تحقيقه لا قدر الله – سيمنع التوصل إلى أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين.

إن ما سيحدث مع تنفيذ خطة كابل هو أن العالم لن يعترف بها على النحو الذي لم يعترف به برفع مسؤوليتنا عن قطاع غزة، وهو لن يعترف برفع مسؤوليتنا عن المناطق التي سننسحب منها بدون اتفاق، وبذلك لن يتم حل المشكلة الديمغرافية. كما أن العالم لن يعترف بضم مناطق إلى إسرائيل، وبذلك نبقى بدون أوراق مساومة إقليمية وبدون ضم معترف به والذي يمكن القيام به في إطار اتفاق.

ويورد كابل اقتباساً من أقوال بيرل كاتسنيلسون، وهو أحد الأسلاف الحكماء لحركة العمل، حيث يقول إن صهيونيتيه لم تكن مجردة في يوم من الأيام. إلا أنه بالذات كان هذا كاتسنيلسون الذي ارتكب خطأً فظيعاً عندما صوت في الاقتراع الشهير في حزب "مباي"، في الكونغرس الصهيوني عام 1937، ضد تقسيم البلاد لدولتين وفق مقترح لجنة بيل البريطانية. وغولدا ميئير، التي انضمت هي الأخرى للتصويت ضد موقف دافيد بن غوريون للحوار مع بريطانيا حول هذا الاحتمال، قالت بعد ذلك إنها كانت طيلة حياتها تحمد الله على أن سقوط هذا الاقتراح لم يكن بسبب تصويتها وتصويت كاتسنيلسون بل بسبب رفض العرب ومُنع الكثير من اليهود من الوصول إلى البلاد والفرار من براثن النازية.

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً

"نيويورك تايمز": الأوهام القاتلة لجنون...

المونيتور: فيروس كورونا يضرب الجيش...