شارل أبي نادر

عميد متقاعد في الجيش اللبناني

لماذا هذا التوتّر الأميركي من الدور الروسي في سوريا؟

بعد أن رأى الأميركيون أن الملف السوري، والذي خلقوه وعقَّدوه من خلال رعايتهم للإرهابيين، وكأنه خرج من يديهم وأصبح برعاية روسية، وهو الآن على طريق الحل الواقعي، بدا التوتّر يصيب سياستهم، وانتقلوا من السياسة المُبطّنة غير الودودة مع روسيا إلى تهديدها مباشرة بأكثر من مناسبة، ومن التواطوء الخفّي في دعم الإرهاب إلى الانخراط المباشر عبر استهداف قاذفاتهم للوحدات الشرعية السورية ولحلفائها، وهم الآن يبحثون عن مناورة خبيثة أخرى، شبيهة بمناورتهم الأولى في خلق داعش والإرهاب، لتأمين ورقة تثبيت احتلالهم، والذي سيبقى دائماً مُهدّداً ومصيره حتماً سيكون الزوال والاندحار.

استطاعت روسيا أن تمتلك موقعاً استراتيجياً في الشرق الأوسط

تقود روسيا مناورة لافتة في دعم الدولة السورية بمواجهة الحرب الكونية التي فُرضت عليها، من خلال العمليات العسكرية عبر وحداتها الجوية ومستشاريها منذ نهاية العام 2015، أو من خلال المعركة الدبلوماسية الشرسة التي تقودها، في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأمام المجتمع الدولي بشكل عام.

من ناحية أخرى، يظهر التوتّر الأميركي واضحاً من دور روسيا ومن المناورة اللافتة التي تتّبعها في مقاربتها للحرب في سوريا وفي مشاركتها بها، ويمكن تلخيص ذلك من خلال المُعطيات والوقائع التالية:

- منذ الدخول الأول للوحدات الجوية الروسية مع بعض المستشارين العسكريين المُتخصّصين بإدارة وتنسيق العمليات الجوية الداعِمة للمعركة البرية، تأثّر الميدان لصالح الدولة السورية بطريقة إيجابية، وحيث كان خطر المجموعات الإرهابية يشتدّ بدعمٍ خارجي، أميركي وأوروبي تركي وخليجي، نجح الجيش العربي السوري في تثبيت مدافعته عن مواقعه الاستراتيجية، وانتقل إلى مهاجمة تلك المجموعات الإرهابية وملاحقتها في أكثر من ميدان.

- أيضاً، لعبت القوات الجوية الروسية دوراً رئيساً في قتال داعش وهزيمته، وساهمت في دحره من أغلب المناطق الحيوية في سوريا، وفي الوقت الذي كان فيه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية يستوعب التنظيم من دون قتاله بفعالية، فضحت الوحدات الجوية الروسية تقاعُس وتواطوء ذلك التحالف في الكثير من الوقائع والمواجهات.

بعد هذه المرحلة، قادت روسيا مناورة دبلوماسية مع دول اقليمية وغربية، ومع المُعتدلين من المجموعات المسلحة، مع محافظتها طبعاً على قتال المجموعات الإرهابية منها (داعش والنصرة والمرتبط معها)، عبرت ومن خلال مؤتمر أستانة برعاية ثلاثية مع إيران وتركيا، إلى اتفاق مناطق خفض التصعيد وفكّ الاشتباك مع المجموعات المسلحة التي يمكن تصنيفها معتدلة، وأسّست مع شركائها، الأرضيةَ المناسبة للحل السياسي، ومن خلال مؤتمر سوتشي الذي حضن أغلب أطياف المعارضة السورية، برهنت تلك المكوّنات أنها مستعدّة للبحث عن حلول واقعية وجدية ومنطقية.

بعد هذه المرحلة، بدا الصراع في سوريا وكأنه في مقلب آخر، انتقلت فيه تركيا، بتسهيل إيراني وبرعاية وتوجيه ودفع روسي، من دور المُتآمر على سوريا والمُنخرِط بدعم الإرهابيين، إلى دور المساهم "مبدئياً" بإيجاد حل دولي - اقليمي للأزمة السورية، ومن دور الحليف الاقليمي - الدولي للولايات المتحدة الأميركية، إلى دور الشريك "المُفترَض" لروسيا ولإيران في البحث عن حل للأزمة السورية ولتداعياتها على الساحة الدولية.

بالتواكب مع هذا الوضع الاقليمي والدولي الذي فرضته روسيا في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا، اكتشف الأميركيون ما يلي:

- لقد استطاعت روسيا سحب تركيا، الحليفة التاريخية للأميركيين والشريكة الأساسية في حلف شمال الأطلسي، إلى مكان أقرب لسياسة موسكو، وحيث دعمت الولايات المتحدة الأميركية الكردَ مُستعينة بهم لتنفيذ أهدافها على الأرض، ساهم ذلك في تعميق خلافها مع تركيا وسرّع من ارتماء الأخيرة في أحضان الروس.

- استطاعت روسيا، بالإضافة إلى دورها الأساس عسكرياً وميدانياً في المعركة الواسعة ضد الإرهاب وداعميه، أن تُشكّل صمّام الأمان في حماية الدولة السورية من قرارات أممية مشبوهة بدفع أميركي، في ملفات الادّعاءات المُفبرَكة باستعمال الأسلحة الكيمياوية أو في غيرها من ملفات التجنّي على الدولة السورية.

- في الوقت الذي لعبت فيه روسيا هذا الدور الفاعِل والفاصِل في الشرق الأوسط، استطاعت أن تحافظ على علاقة مع الأضداد والخصوم في نفس الوقت، كالعلاقة مع إيران ومع إسرائيل، أو مع إيران و السعودية، أو مع تركيا ومع سوريا، الأمر الذي فشلت فيه الولايات المتحدة الأميركية فشلاً ذريعاً.

- استطاعت روسيا أن تمتلك موقعاً استراتيجياً في الشرق الأوسط وعلى مياه المتوسّط الدافئة، وشرّعته بمعاهدات مطابقة للقانون الدولي، على عكس الولايات المتحدة الأميركية التي يُنظر إليها من منظار القانون الدولي كدولة محتلة لأراضٍ سورية، وتواجدها غير شرعي ومخالف لهذا القانون، وهي الآن تحاول جاهدة خلق الذرائع الواهية لتشريع هذا التواجد، ومضطرة لحماية ما تبقّى من تنظيم داعش في الشرق السوري لتبرير هذا الوجود. 

وهكذا، بعد أن رأى الأميركيون أن الملف السوري، والذي خلقوه وعقَّدوه من خلال رعايتهم للإرهابيين، وكأنه خرج من يديهم وأصبح برعاية روسية، وهو الآن على طريق الحل الواقعي، بدا التوتّر يصيب سياستهم، وانتقلوا من السياسة المُبطّنة غير الودودة مع روسيا إلى تهديدها مباشرة بأكثر من مناسبة، ومن التواطوء الخفّي في دعم الإرهاب إلى الانخراط المباشر عبر استهداف قاذفاتهم للوحدات الشرعية السورية ولحلفائها، وهم الآن يبحثون عن مناورة خبيثة أخرى، شبيهة بمناورتهم الأولى في خلق داعش والإرهاب، لتأمين ورقة تثبيت احتلالهم، والذي سيبقى دائماً مُهدّداً ومصيره حتماً سيكون الزوال والاندحار.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً