"هيئة تحرير الشام" تنشئ "حكومة إنقاذ" في إدلب

تسعى "هيئة تحرير الشام" إلى السيطرة على القطاعات الإدارية المهمة في إدلب من خلال هيئة تسميها حكومة الإنقاذ، والتي تحصّل إيرادات من طريق فرض رسوم على السكان لمنحهم الكهرباء والمياه.

تحاول "هيئة تحرير الشام" كسب قلوب الناس من خلال تقديم الخدمات
تحاول "هيئة تحرير الشام" كسب قلوب الناس من خلال تقديم الخدمات

قالت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها اليوم إن مجموعة متطرفة جديدة وخطرة إنبثقت من تنظيم القاعدة ترسّخ سلطتها في شمال غرب سوريا، بينما ركزت الولايات المتحدة على محاربة بقايا "داعش" في أماكن أخرى من البلاد، وضربت منشآت نظام الأسلحة الكيميائية التي يستخدمها نظام الأسد.

منذ بروز "هيئة تحرير الشام"، باعتبارها أكثر الجماعات المتشددة قوة في البلاد، قاتلت الهيئة الجماعات المتمردة المدعومة من الغرب لتوسيع سيطرتها على محافظة إدلب، وفرض نسختها من تطبيق الشريعة وجمع الأموال عن طريق فرض ضرائب على تدفق الأشخاص والسلع.

وتعهد زعيم الجماعة، أبو محمد الجولاني، وهو مقاتل سابق في تنظيم القاعدة، بغزو دمشق وفرض الحكم الإسلامي في جميع أنحاء سوريا. في خطاب ألقاه في يناير كانون الثاني الماضي، حض الجولاني أتباعه على المشاركة في "حرب الأفكار، حرب العقول، حرب الإرادات، حرب المثابرة"، وفقًا لموقع إنتليجنس غروب.

ويقول محللون إن آلافاً من المقاتلين مع الجماعة، وهي تشعّب من جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، قد حفروا أنفاقاً في جميع أنحاء إدلب، بينما تركز الولايات المتحدة على المعارك الأخرى في سوريا والتحرك نحو ما قال الرئيس دونالد ترامب إنه سيكون خروجاً سريعاً من سوريا.

وقال حسن حسن، وهو محلل مقره واشنطن في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط وهو مركز أبحاث: "المنطقة تبدو خارجة عن تركيز اهتمام القوى الغربية. الجهاديون ينعمون بشهر عسل هناك".

وقد حاربت "هيئة تحرير الشام" بشراسة ضد الخصوم. في فبراير – شباط الماضي، بعد أربعة أشهر من القتال، أعلنت الهيئة عن استسلام خلايا "داعش" التي هزمتها في إدلب. وفي مارس - آذار، زعمت الهيئة السيطرة على نحو 25 قرية في محافظتي حلب وإدلب، وأسر دبابات وعربات مدرعة. وهذا الشهر، كانت المجموعة تقاتل قوات الحكومة السورية بالمدفعية والقناصة في حمص وحماه وحلب.

وقد أقامت "هيئة تحرير الشام" في المناطق الخاضعة لسيطرتها قوات شرطة دينية مماثلة لتلك التابعة لـ"داعش"، كما يقول السكان. في البداية كافأت الهيئة الأطفال بالحلويات لحفظهم القرآن، ولكن سرعان ما تحركت إلى كسر أنابيب الشيشة كجزء من حظر التدخين والطلب من متاجر الملابس لتغطية رؤوس عارضات المانوكان. ويقول سكان إدلب إنه تم إخبار صالونات التجميل بتجنب المكياج.

في دعايتها، تشبه الهيئة سوريا بسفينة ضعيفة لا يمكن أن تظل عائمة إلا بحكم القانون الإسلامي. الشريعة تضمن أن "السفينة لا تغرق"، يقول شعار الجماعة. في التعبير عن شكواهم من نقص الخدمات في ظل حكم الهيئة، يرد السكان: "لا توجد مياه، لذلك لا يمكن للسفينة أن تغرق".

يقول السكان إن هذا الفصيل قام بسجن رجال ونساء يختلطون اجتماعياً من دون أن يكونوا أقرباء، وأغلقوا جامعة في بلدة الدانا في أواخر العام الماضي لأنها كانت تقوم بدروس مختلطة بين الجنسين. وفي بلدة سراقب، حيث واجه السكان العام الماضي تهديدات من المتطرفين وأجروا أول انتخابات مباشرة في سوريا منذ عام 1953، سيطرت الهيئة على المجلس المحلي.

وقال أحد الشباب المقيمين في إدلب: "نعم، نحن مجتمع محافظ، لكن هذه الإجراءات متطرفة للغاية".

وقالت وول ستريت جورنال إن حال الفوضى قد تفاقمت في إدلب، بعد وصول نحو 50 ألف شخص، بمن فيهم المتمردون، من الغوطة الشرقية في ريف دمشق. وقد أدى وصول القادمين الجدد إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في إدلب، التي تضم بالفعل نحو مليون من النازحين السوريين. وقد برهنت الظروف السيئة ونقص فرص العمل عن وجود أرضية خصبة لجهود التجنيد التي تبذلها الجماعات المتطرفة، التي تعد بدفع لأي شخص مستعد للقتال من أجل أجر للعيش.

وزعمت وول ستريت جورنال أنه حتى الآن، ركز النظام السوري على سحق الجيوب الصغيرة للمقاتلين، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية المشتبه بها في الغوطة الشرقية في 7 أبريل - نيسان، وهو الهجوم الذي أودى بحياة العشرات من المدنيين. لكن من المتوقع الآن أن توجه دمشق اهتمامها في نهاية المطاف إلى التركيز الكبير على المتشددين في إدلب في معركة يمكن أن تكون دموية مثل معركة حلب التي سقطت في عام 2016.

وقالت الصحيفة إنه بعد أسبوع من الهجوم المزعوم بالأسلحة الكيميائية، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضربات عسكرية على أهداف عدة للنظام إلى جانب حليفيه البريطاني والفرنسي. وقد ضرب الهجوم منشآت مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية لسوريا، ومن غير المرجح أن يقلل من قدرات النظام العسكرية التقليدية.

وكان ترامب قد وعد قبل أيام بسحب القوات الأميركية من سوريا، مع اقتراب هزيمة "داعش". وبعد هجمات نهاية الأسبوع، كثفت إدارة ترامب الجهود الرامية إلى استبدال الكتيبة العسكرية الأميركية في سوريا التي يبلغ قوامها ألفي جندي بقوات من دول الشرق الأوسط الحليفة. 

في غضون ذلك، أعرب بعض المسؤولين الأميركيين عن قلقهم بشأن مرونة الجماعات المتطرفة الأخرى التي تحل الآن محل "داعش". وقد وصف بريت مكغورك، المبعوث الرئاسي للتحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم "داعش"، إدلب بأنها "أكبر ملاذ آمن للقاعدة منذ 11 سبتمبر – أيلول(2001)".

تركز القوات الأميركية في سوريا في الأغلب على شرق سوريا، وهي قد انضمت إلى المقاتلين الأكراد والمقاتلين الآخرين الذين يقاتلون جيوب مسلحي تنظيم "داعش". وتركز تركيا على منع الميليشيا الكردية التي تعتبرها إرهابية من التوسع على حدودها الجنوبية.

ونتيجة لذلك، ازدهر خليط من الجماعات المسلحة، العديد منها ذات أجندات متطرفة، في إدلب، مما ألحق ضرراً بالقوى الأخرى التي تعارض نظام الأسد. وقال مسؤول غربي كبير يتابع سوريا عن كثب "الفضاء مستمر بالنسبة للمعارضة المعتدلة في الشمال الغربي."

تسعى "هيئة تحرير الشام" حالياً إلى السيطرة على القطاعات الإدارية المهمة في إدلب من خلال هيئة تسميها حكومة الإنقاذ، والتي تحصّل إيرادات من طريق فرض رسوم على السكان للحصول على الكهرباء والمياه. كما تسيطر الهيئة على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

وقالت الصحيفة إنه لا يمكن الوصول إلى أعضاء "هيئة تحرير الشام" للتعليق على هذه المعلومات.

وقال رجل يبلغ من العمر 27 عاماً في إدلب: "تحاول حكومة الإنقاذ كسب قلوب الناس من خلال تقديم الخدمات. في الوقت نفسه، يحاولون الهيمنة على الناس".

وقالت الصحيفة إن بعض الناس يقاومون بحذر. فطلاب الجامعة يحضرون دروساً في العراء، والمستشفيات هددت بالإغلاق إذا تدخلت الهيئة في عملها. ومن بين العديد من الانتقادات لها، تُعرف "هيئة تحرير الشام" اختصاراً باسم "هتش"، وهو صدى للاسم المختصر "داعش" الذي يطلقه الناس بازدراء على تنظيم "الدولة الإسلامية".

 

ترجمة: هيثم مزاحم - الميادين نت