بالعودة إلى طريق الحرير: الصين تشدد قبضتها على إيران

إن الدعم لإيران، النابع من موقف مناهض للسياسة الأمريكية، والذي يشكل الخط الناظم الثاني للسياسة الصينية، يظهر بشكل دائم في التبريرات الصينية للنهج الذي تتبعه حيال العقوبات المفروضة على إيران في الموضوع النووي.

الشعور بشراكة المصير مع إيران لا يقتصر على التاريخ القريب
الشعور بشراكة المصير مع إيران لا يقتصر على التاريخ القريب

"مع إقامة الصين الجديدة فرضت عليها الولايات المتحدة الأمريكية حظراً تجارياً شديداً والذي تم رفعه فقط بعد زيارة الرئيس نيكسون للصين عام 1972. والصينيون الذين عاشوا مرارة المعاناة الإنسانية التي تسببت بها العقوبات لن يوافقوا على فرض معاناة مشابهة على مواطنين أبرياء في دول أخرى".

هذا الاقتباس الوارد أعلاه مأخوذ من مقال كان قد نُشر في صحيفة "الشعب" اليومية لسان حال الحزب الشيوعي الصيني في كانون الثاني/ يناير 2012. صحيح أن المقال كان قد كُتب في زمن مختلف، عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية دفع الصين للانضمام إلى فرض دفعة جديدة من العقوبات على إيران إلا أن روحية هذه الأقوال تعكس جيداً أحد المبادئ الصينية في الفترة الراهنة أيضاً. وأكثر من ذلك، هي تدل على أن الدعم الذي تقدمه الصين لإيران لا يمكن تفسيره فقط، كما جرت العادة، باعتبارات توفير مصادر الطاقة للاقتصاد الصيني المتنامي.

وكما كان متوقعاً، في أعقاب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن انسحابها من الاتفاق النووي، أعربت الصين الرسمية عن أسفها للقرار ودعت كل الأطراف إلى التمسك بتطبيق الاتفاق من أجل الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط والحيلولة دون انتشار السلاح النووي. وفي المقال الذي كتبه خوا لي مين، السفير الصيني السابق في إيران، تبنى لهجة أقل ضبطاً للنفس وقال إن قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب يشعل عملياً فتيل أزمة جديدة في الشرق الأوسط.

واستمراراً للطرح الوارد في المقال من عام 2012، يتهم خوا لي مين الولايات المتحدة الأمريكية بشيطنة إيران خلال العقود الأربعة الأخيرة. وهو يذهب إلى أكثر من الإشارة إلى أن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي تسيطر، حسب قوله، على السياسة الخارجية الأمريكية كرهينة، هم الذين يقفون وراء قرار ترامب.

إن الدعم لإيران، النابع من موقف مناهض للسياسة الأمريكية، والذي يشكل الخط الناظم الثاني للسياسة الصينية، يظهر بشكل دائم في التبريرات الصينية للنهج الذي تتبعه حيال العقوبات المفروضة على إيران في الموضوع النووي. ووفق هذا النهج، فإنه وإن كانت الصين الرسمية تعارض بشدة إيران نووية، فهي غير معنية بتبني الموقف الغربي بشكل عام، والأمريكي بشكل خاص، والقائم على فرض عقوبات كثيرة وقاسية، وهي تمتلك نهجاً خاصاً بها لمعالجة القضية النووية الإيرانية عبر الحوار.

إن الشعور بشراكة المصير مع إيران لا يقتصر على التاريخ القريب، مع العقوبات الأمريكية الخانقة والتي نجحت الصين في ظلها بتنفيذ تجربتها النووية الأولى عام 1964، بل يمكن تعقب جذور هذا الشعور في التاريخ البعيد وفي رؤية الصين لنفسها بوصفها حضارة قديمة ذات حضور مديد. ووفق الرؤية الصينية فإن إيران أيضاً هي صاحبة حضارة مجيدة وذات جذور قوية، والتي استطاعت، مثل الحضارة الصينية، الصمود أمام تقلبات الزمان ونجحت في الحفاظ على ثقافتها القديمة على قطعة الأرض نفسها. وهذا على خلاف الحضارة الغربية، والحضارة الأمريكية بشكل خاص، التي يميل الكثيرون في الصين إلى رؤيتها على أنها ثقافة سطحية وضعيفة وغير راسخة.

ومنذ العصور القديمة ، تجاوزت العلاقة التاريخية بين هاتين الحضارتين التشابهات المجردة، وانعكس ذلك في الروابط التجارية الواسعة على طول طريق الحرير. وتتواصل هذه العلاقات التجارية اليوم أيضاً، حيث تشكل الصين منذ ما يزيد على عقد من الزمن الشريك التجاري الأول لإيران.

هذا ومن المعتاد أن يُنظر إلى الارتباط بالنفط الإيراني على أنه السبب الذي يقف وراء الدعم الصيني لإيران، إلا أنه ومنذ تشديد العقوبات عام 2012 بالذات تراجع تصدير النفط الإيراني إلى الصين، وعلى خلاف المتوقع، لم يؤدِ التوقيع على الاتفاق النووي إلى تنشيطه. ومن المرتبة الثالثة في قائمة مصدري النفط للصين (حوالي 11% من واردات النفط) في عام 2011، تراجعت إيران إلى المرتبة السادسة (أكثر بقليل من 7%) اليوم. وبالفعل، في فترة ولاية شي جين بينغ، يخيل أن الأهمية الرئيسية لإيران بالنسبة للصين لم تعد كونها مصدراً رئيسياً من مصادر الطاقة، بل دورها في إحياء طريق الحرير بين الحضارتين في الماضي البعيد، وكونها سوقاً هاماً للبضائع الصينية.

إيران هي دعامة حيوية في تنفيذ مبادرة "الحزام والطريق"، والتي هي أحد المشاريع الهامة للرئيس شي جين بينغ الذي يتطلع إلى تنفيذ خطين تجاريين ـ بري وبحري ـ على أساس طريق الحرير التاريخي. وكما كان الحال في السابق فإنه من المقرر الآن أيضاً أن تُشغِّل الصين هذين الطريقين التجاريين. وهكذا، فإنه إلى جانب التراجع النسبي في استيراد النفط الإيراني توطد التعاون بين الدولتين وذلك عبر الاستثمارات الصينية الضخمة في مشاريع البنى التحتية الإيرانية، وبخاصة المشاريع المرتبطة بالبنى التحتية للمواصلات المحلية مثل مترو القطارات في طهران، والبنى التحتية للمواصلات مع الدول الأخرى، مثل الخط الحديدي الذي يمر عبر آسيا الوسطى ويربط بين ييوو ، وهي مدينة (صينية) تضم جالية إيرانية كبيرة، مع طهران.  

وفي إطار هذه المبادرة يتوطد التعاون الثقافي والأكاديمي بين الدولتين، وهو يأتي أيضاً على أساس تجديد الروابط الثقافية المتبادلة التي ازدهرت في أيام عز طريق الحرير. وعلى سبيل المثال، كانت إيران ضيفة الشرف في المعرض السنوي للكتاب الذي أقيم في العاصمة بكين في آب/ أغسطس الماضي.

صحيح أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي قد تعرض للإدانة من جانب الصين، إلا أن من شأن هذه الخطوة، عملياً، أن تخدم مصالحها وأن تزيد من تعزيز قبضتها، القوية أصلاً، على محميتها، إيران. وهكذا نجد أن الصين قد حافظت في المجال الإعلامي على موقف متحفظ، ما لم نقل رافضاً، لفرض العقوبات على إيران. ولكن، في المجال العملي، نجد أن عزلة إيران بسبب العقوبات تضع الصين في موقف مساومة أفضل في التجارة بين البلدين. ويرى رجال الأعمال الصينيون العاملون في إيران في هذا الوضع فرصة ذهبية لملء الفراغ الذي خلفه الغرب.   

الإشارة الأولى بعثت بها الصين بعد يومين فقط من إعلان ترامب عن الانسحاب وكانت مع ربط خط السكة الحديدية بين منغوليا الداخلية وبين طهران. وبعد يومين من ذلك أيضاً قام وزير الخارجية الإيراني (محمد) جواد ظريف بزيارة بكين التي كانت محطته الأولى في جولته المكوكية في أعقاب التطورات التي حصلت. والقطارات المحملة بالبضائع لا تزال، في هذه الأثناء، تقطع المسافات على امتداد طريق الحرير الذي ينبض بالحياة أكثر من أي وقت مضى، وفي غياب الحضور الأمريكي، تعزز الصين من قبضتها على المنطقة البرية الشاسعة الممتدة بين شرق آسيا والشرق الأوسط.

ترجمة: مرعي حطيني