التطبيع ... أوهام المكاسب وحقائق الأثمان

إن أحد أهم نتائج مسار التطبيع في المنطقة هو ربط مصير الكيانات المطبّعة بمصير كيان العدو المؤقت، وسيدفع المطبّعون أثمان هزائم هذا الكيان على مستوى الدور والحضور والقوة.

  • التطبيع السعودي مع
    التطبيع السعودي مع "إسرائيل".

من الواضح أن المنطقة العربية تشهد فصلاً جديداً مما أسماه الصحافي العربي الكبير محمد حسنين هيكل بـ "التهافت على السلام". المصطلح أطلقه هيكل بعد طرح السعودية للمبادرة العربية للسلام في العام 2002، ويبدو أنّ التهافت اتخذ مع مرور السنين أبعاداً جديدة. 

هذا ما تظهره النسخة الحالية منه والتي بانت ذروتها مع حديث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتلفزيون فوكس نيوز الأميركي، وإعلانه اقتراب موعد التطبيع بين بلاده و"إسرائيل"، والذي تلته زيارة وزير السياحة الإسرائيلي العلنية إلى الرياض. 

لم يتأخّر نتنياهو بالإدلاء بدلوه، وقدّم من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك واحداً من استعراضاته. حمل رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية خريطة توضح شكل الشرق الأوسط العتيد، حيث "إسرائيل" جزء طبيعي من التفاهمات الاقتصادية والأمنية مع دول المنطقة خصوصاً الخليجية.

كثرت التحليلات والقراءات على خلفيّة هذه التطوّرات، وبانتظار السياقات والنهايات لا بدّ من الإضاءة على مجموعة من النقاط والحقائق:

أوّلاً: إنّ "التهافت" العربيَّ وتحديداً السعودي نحو التطبيع ليس مستجدّاً. فقد ظهر منذ عقود طويلة على شكل مبادرات سلام مزعومة، من مبادرة الأمير فهد عام 1981، إلى مبادرة الملك عبد الله في عام 2002، وصولاً إلى الحراك الحاصل هذه الأيام. المشترك بين كل هذه المحطات هو أنها تنطلق من قناعة راسخة في عقول أصحاب القرار السعودي، كما لدى كثير من المسؤولين في العالم العربي، وهي أنّ أقصر الطرق لكسب ودّ الأميركيين هو التودّد لـ "إسرائيل" وطرق بابها. 

مبادرة الأمير فهد جاءت إرضاء للأميركيين الذي ضغطوا على الرياض للانخراط في المسار الذي بدأه أنور السادات في كامب ديفيد، مع الإشارة إلى أن السعوديين لم يكونوا معارضين لاتفاقية كامب دافيد. فقد كشفت برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية مؤرّخة بـ 10 آب/أغسطس من العام ذاته بين السفير الأميركي، جون سي ويست، ووزير الخارجية السعودي آنذاك، سعود الفيصل. وتابعت البرقية أن الوزير السعودي قال: "إننا نريد أن ينجح كامب ديفيد، لأن ذلك سيكون نجاحاً لأصدقائنا الأقرب في مصر والولايات المتحدة". وأضاف "سنفعل كلّ ما بوسعنا للمساعدة".

 الأمور كانت أشد وضوحاً في العام 2002، فمبادرة الملك عبد الله أتت بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر التي أساءت لصورة وموقع السعودية لدى واشنطن. أُريد من المبادرة إرضاء الولايات المتحدة الأميركية عبر البوابة الإسرائيلية، وإخراج السعودية من مأزق 11 أيلول/سبتمبر الخطير، والهجمة الإعلامية الكبيرة والشرسة التي تعرّضت لها الرياض بسبب مشاركة 19 سعودياً في تنفيذ العملية.

لم تتوقّف المحاولات السعودية للحصول على الرضى الأميركي، في العام 2008 وبعد إعادة طرح المبادرة في قمة الرياض شارك الملك عبد الله في مؤتمر حوار الأديان في نيويورك، والتقى الرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز.

بعد 10 سنوات وفي السياق نفسه التقى ولي العهد محمد بن سلمان برؤساء المنظّمات اليهودية في نيويورك، وأطلق موقفاً قاسياً تجاه الشعب الفلسطيني، "على الفلسطينيين القبول بما يعرض عليهم أو الصمت والتوقّف عن التذمّر". في العام نفسه حصلت حادثة مقتل جمال خاشقجي لتفتح الأبواب أمام سلسلة تنازلات سعودية بهدف إرضاء واشنطن وإعلامها والرأي العام فيها، الغاضبين على السعودية.

تكثّفت اللقاءات بين عدد من الشخصيات السعودية مع الإسرائيليين، ثمّ طردت الرياض المنتمين لحركة حماس من السعودية، وفتحت المجال الجوي السعودي أمام الطيران الإسرائيلي في العام 2022، وصولاً إلى الاستقبال العلني للوزراء الإسرائيليين، وإعلان الاستعداد للتطبيع من دون أيّ التباس.

ثانياً: إن دور الرياض التاريخي في مواجهة الاتجاهات المقاومة واضح وجليّ في المنطقة منذ أيام الرئيس عبد الناصر، وصولاً إلى تزعّم الرياض ما سمّي بمحور الاعتدال العربي في مواجهة محور المقاومة والممانعة.  

ثالثاً: إنّ التصاق الرياض بالمشروع الأميركي لم يكن سراً، وأدبيات العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين كانت ولا تزال سائدة إلى يومنا هذا، وتطبيقاتها العملية بيّنة وواضحة في كل أحداث المنطقة، وعليه فإن من البديهي أن تكون الرياض أقرب إلى الثنائي واشنطن-"تل أبيب" من أيّ مكان آخر.

رابعاً: إن عدم التطبيع السعودي سابقاً كان نتيجة إدراك حكّام الرياض لخصوصية المملكة من جهة، ولاعتبارهم أنّ ثمن إعلان التطبيع يجب أن ينعكس استراتيجياً على مستوى تعزيز وتكريس دور السعودية القياديّ عربياً وإسلامياً، فضلاً عن اعتمادها كوكيل متقدّم أصيل لواشنطن في المنطقة. 

أما القضايا المركزية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية فلا تبدو أنها في المقدّمة، وقد أدرك الإسرائيليون هذا الأمر، وتم التعبير عنه في الإعلام الإسرائيلي بشكل واضح.

ينقل الصحافي طلال شنايدر في مقال له في موقع "ذا تايمز أوف إسرائيل" عمّا يسمّيه بمصادر مطلعة على قضايا الأمن الإسرائيلي في المنطقة قولها: "إنه من المحتمل ألّا يكون السعوديون مهتمين في الواقع بمساعدة الفلسطينيين، أو اشتراط اتفاق كبير بقيام إسرائيل بالتزام تجاه الفلسطينيين". 

ويرى الكاتب أن السؤال لم يعد حول ما إذا كان التطبيع سيحصل أم لا. الأمر حسم، والسؤال هو حول الثمن الذي تريده السعودية. 

خامساً: تثبت الحقائق التاريخية أنّ "إسرائيل" في الأصل لم تقم وزناً للمبادرات العربية كافة، وتعاطت معها باعتبارها دليل ضعف وعجز. عمدت "إسرائيل" بعد كل مبادرة إلى التصعيد وتكريس وقائع ميدانية جديدة. بعد مبادرة 1981 اجتاحت لبنان واحتلّت العاصمة بيروت، وبعد مبادرة عبد الله عام 2002 أنهت عملياً السلطة الفلسطينية، واغتالت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ثم كان عدوان تموز 2006. 

وبالتالي فإن المتوقّع هو أن يشكّل هذا التطبيع في حال إنجازه عاملاً مشجّعاً للعدو على المزيد من الإجرام والاعتداء وانتهاك حقوق الفلسطينيين.

سادساً: تدرك "إسرائيل" أنّ من يشكّل التحدي الحقيقي لها هو مشروع المقاومة، وهي لم تتراجع إلا تحت ضغط قوى المقاومة عبر تحرير لبنان عام 2000 أو تحرير غزة عام 2005. هذا المشروع يشهد تصاعداً على أكثر من مستوى، وخاصة في الضفة الغربية التي تحوّلت ساحة قتال حقيقية تستنزف العدو بشكل يومي. ويبدو واضحاً أنّ مشروع المقاومة لا يمكن أن يوقفه أيّ طارئ حتى ولو كان بحجم تطبيع سعودي صهيوني، وهو يسير بخطى ثابتة نحو المعركة الكبرى التي يرى قادة محور المقاومة أنها ستكون حاسمة على المستوى الاستراتيجي وصولاً إلى تهديد وجود "إسرائيل" نفسها. 

لذلك فإن أحد أهم نتائج مسار التطبيع في المنطقة هو ربط مصير الكيانات المطبّعة بمصير كيان العدو المؤقت، وسيدفع المطبّعون أثمان هزائم هذا الكيان على مستوى الدور والحضور والقوة.

وكما كان مصير كلّ من ارتبط بالمشاريع الأميركية، ومشهد المتمسكين بطائرات كابول الهاربة لا يزال ماثلاً، سيكون حال المتهافتين على السلام عندما يبدأ كيان العدو بالزوال والتفكّك والانهيار.

 هزيمة "إسرائيل" المرتقبة ستكون هزيمة لأنظمة أدارت الظهر لأصدقائها الطبيعيّين، وارتضت أن تفقد استقلالها وكرامتها وحريتها طمعاً بمكاسب من أعدائها. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي لما أسماه الكاتب الإسرائيلي طلال شنايدر بـ "الانفجار العظيم في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط".