حتى الوصول إلى الوطن الموعود

منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة، لكننا بقينا عاجزين. حتى منطق المواطنة كان بعيداً عنا. وكان أكبر هاجس لدى اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، ألاّ يشعروا بالغُبن.

  • منذ
    منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة

ما بين عامَي 1920 و2021 قرن حافل بأحداث كثيرة صبغت العالم بإطارها البارز. امبراطوريات وسلطنات اختفت عن الخريطة. دول جديدة نشأت، وحروب اندلعت، ولاعبون دوليون متحكّمون في مسار العالم، سياسةً واقتصاداً وعسكرةً، غابوا. وحلّ الأميركي، الذي ما إن وطئت قدماه أرض المعركة، حتى بدأ بتصنيف الدول في محاور خير وشرّ. وفي المقابل، تزعَّم الاتحاد السوفياتي المعسكر الشرقي، وبدأت الحرب الباردة، وجاءت خطة مارشال التنموية، والتي رسمت معالم عالم رأسمالي متوحّش، زادت في همجيته العولمة والمدنية المزيفة.

منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة، لكننا بقينا عاجزين. حتى منطق المواطنة كان بعيداً عنا. وكان أكبر هاجس لدى اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، ألاّ يشعروا بالغُبن، أو ما درج على وصفه بـ"التهميش"، بحيث تبادلت الطائفتان الإسلامية والمسيحية، منذ عام 1943 حتى وقتنا الحالي، استخدام هذه المصطلحات وتعميمها مفاهيمَ تترسَّخ في ذهن من لا يخرج من حدود المِلّة.

في العهد الأول، الذي كان يُطلَق عليه عهد "الميثاق الوطني"، اختلفنا على التسمية (الجمهورية اللبنانية، أو الجمهورية العربية اللبنانية)، وعلى استخدام كلمة "لبنان عربي"، بحيث أُردفت جملة لبنان عربي، بـ"ذي وجه عربي". فكان النفيان اللذان لا يبنيان أمة (بشارة الخوري ورياض الصلح)، وكان "السلطان سليم" (شقيق بشارة الخوري) هو الرئيس الفعلي. وبدأت بذرة الفساد تكبر، حتى انتهى عهد بشاره الخوري باستقالته عام 1952. وجاء عهد "فتى العروبة الأغرّ" كميل شمعون، ابن دير القمر الشوفية، ودخلنا في سياسة الأحلاف (وارسو وبغداد)، مع مدّ ناصري اجتاح العالم العربي، بحيث حفلت سنواته الست بكثير من الأحداث، محلياً وإقليمياً ودولياً (استمرار الحرب الكورية، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، وثورة 1958).

هذه الثورة، التي كان أبرز معالمها التضمينية المشاركة وتغيير النهج والنظرة. وجاء ما يُعرَف بعهد الشهابية (فؤاد شهاب) القادم من المؤسسة العسكرية، الذي حاول بناء أسس الدولة، وتعزيز منطق المواطنة، على الرغم من سطوة "المكتب الثاني"، لكننا كنا دوماً نصطدم بجدل داخلي بشأن ماهية هذا الوطن، ودوره، وكثير من المؤثّرات الخارجية التي تؤدّي دوراً كبيراً ومؤثراً في الساحة الداخلية كالعادة. وجاء عهد شارل حلو. وعلى الرغم من حكومة الأقطاب (التي لم تنجح، في أيّ من العهود، في اجتراح حلول، أو حتى الاستمرار)، وعلى الرغم من وجه لبنان السياحي، والذي بلغ أوجه في ستينيات القرن الماضي، فإنّ الضربة الصهيونية تمت لمطار بيروت عام 1968، وكان "اتفاق القاهرة" سنة 1969، بحيث بدأ العد العكسي للانهيار في عهد سليمان فرنجية، مع كثرة المناوشات والمواجهات بين اليمين اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية، حتى وصلنا إلى عام 1975 والحرب الأهلية التي لم تُبقِ ولم تذر.

رفع حينها المسلمون الصوت متذرِّعين بالفلسطيني القوي في مواجهة الانعزالية اليمينية. ثم، على الرغم من وجود رئيس شهابيّ آخر (الياس سركيس)، والمعروف بنظافة كفّه، فإنّه اصطدم بكثير من المعوّقات، ثم كان عهد الرئيس أمين الجميل، الذي انهار فيه البلد على جميع الصعد، مع استمرار المعارك المتنقّلة، والتي دامت خمس عشرة سنة، بدءاً بـ"حرب الفنادق"، مرورا بالاجتياح الإسرائيلي، حتى حربي التحرير والإلغاء وغيرها. بعد الحرب التي وضعت أوزارها، ومهّد لسكون مدافعها "اتفاقُ الطائف" (1989)، كان الأمل كبيراً في إطلاق عجلة الانتعاش الاقتصادي، لكننا استمرَرْنا في السياسة نفسها، تارةً عن طريق الاستدانة وتعزيز الاقتصاد الريعي، وطوراً عن طريق تعزيز دور المصارف (الفوائد المرتفعة)، والدخول في سياسات اقتصادية لا تسمن ولا تغني من جوع، والجنوح أيضاً إلى تثبيت سعر الصرف طوال أكثر من اثنتين وعشرين سنة.

ومن الناحية السياسية، انتقل الشعور بـ"الدونية" من المسلمين إلى المسيحيين، وخصوصاً أن "اتفاق الطائف" قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية، وأعطاها لمجلس الوزراء مجتمعاً، ناهيك باغتيال الرئيس رفيق الحريري وحرب تموز/يوليو، وقبلهما مؤتمرا الدعم (باريس 1 و2)، وبعدهما بردح من الزمن "باريس 3". حدث كل هذا، واقتصادنا هشّ، يتأثّر بالأوضاع السياسية والأمنية، وما يجري في الإقليم. ما الذي يمنعنا من التوجه شرقاً، ورسم هذه الملامح عبر تشريعات تنقل الأمور إلى مرحلة تخفّف وطأة هذا الثقل المتراكم، والذي بلغ ذروته بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019؟

خلاصة القول، كان لدينا بعض رجال الدولة، الذين لم يمتلكوا حيثية شعبية، لكن كانت لهم رؤى وتصورات، ترقب المشهد وتستشرف المستقبل. في المقابل، كان لدينا زعامات تمتلك الحضور الشعبي، لكن منطقها كان تعزيز دولة المزارع والكانتونات الطائفية والمذهبية، وعدم تحقيق الدولة المدنية وإلغاء الطائفية السياسية.

لقد أضعنا فرصاً ذهبية من أجل إعادة أدلجة اقتصاد إنتاجي عصري، يخرج من إطار العولمة الفجة، لكننا أخفقنا. أخفقنا، ليس لأننا حاولنا ولم نستطع وكسبنا شرف المحاولة، بل لأننا لم نُرِد، حفاظاً على مصالحنا وتقوقعاتنا الطائفية والمذهبية. ولْيَبْقَ الوطن الموعود ساكناً أحلامي.. وبئسَ، وبئسَ، وبئس.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سامر كركي

إعلامي وكاتب لبناني

إقرأ للكاتب

ما بين القاهرة وباريس.... ألا من يتّعظ؟

برز في الآونة الأخيرة تحركان أساسيّان؛ التحرّك الفرنسي الذي خرج بمبادرة العام الفائت، والمسعى...