محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

مرجعيات العُنف في صناعة الواقع

إن واقعنا تتحكّم فيه عقلية الفكر الوراثي بالحُكم السلالي أكثر مما تتحكّم فيه العقلانية التي بإمكانها إعطاء تفسيرات موضوعية للمفاهيم الجديدة، وللتطوّر قَصد الاحتواء المباشر والسريع لها..

مرجعيات العُنف في صناعة الواقع
مرجعيات العُنف في صناعة الواقع

إن السياسة لا تنظر للمفاهيم فقط ولكن تحاول إدراكها بما لها وما عليها، وإن الاعتقاد بأن الحُكم وفق نظرية التوارث السلالي لها، من دون تفاعُل مع مُنتجات الواقع ووفقاً للآليات التي تطرحها يدفع إلى الأخذ بمبرّرات الأخطاء بدلاً من الإلغاء لها.. لقد قالت أميركا إن الإرهاب ظاهرة إسلامية؟ !! وقولها هذا ليس حَصْراً عليها لأنها تُدرِك أن هذا الادّعاء الخطأ يجد صداه لدى بعض الحكَّام الأعراب أكثر مما يجده في الأوطان الأخرى وأنها - بالتالي - تحاول من خلاله عَقْد صفقة سياسية جديدة تمرّر من خلالها إشكاليات التخلّف التي كرّستها في سياستها تجاه الأنظمة العربية أملاً في ثرواتها.. إن الموقف الأميركي واحد من عهد إيزنهاور، إنه موقف الاستعمار السياسي للمنطقة من خلال دَفْع الواقع إلى التحرّك فيها باتجاه الأصنام البشرية ووضعها موضع الوصيّ على العقل العربي.. فإذا جاءت مُتغيّرات الواقع ضد رؤيتها أوجدت إشكالية جديدة تجعل من التنافُر الداخلي أو الإقليمي إشكالية ضاغِطة وضامِنة لمصالحها ولربما تزيد من حدّة نفوذها كما هي الحال الآن في إشكالية الحرب على سوريا واليمن وهي حرب عبثيّة بكل المقاييس فضلاً عن كونها تُعيد العقل العربي إلى العصر الحجري، والمستفيد طبعاً وقطْعاً إسرائيل.. إن إتاحة الفرصة للتغيير وسقوط نظرية التحكّم السلالي (أحياناً عن جهل وأحياناً عن قوَّة الفعل الخارجي) بإمكانها أن تخرج المنطقة كلها من مخزون الماضي إلى الحاضر والقفز نحو المستقبل.. إن الشعوب ليست أنعاماً تأكل في صمتٍ وتتقلَّب مع الظروف وفق المناخ الذي يصنعها من وراء الجدران.. إن افتراض الخيرية في أسرة أو جيل من دون سواهما يدفع الجميع إلى فَهْم الواقع وفق رؤى ليس لها حق مُلامسة الواقع، أو حتى محاولات توصيفه توصيفاً حضارياً.. ولسوء الحاضِر فإن ظاهرة العنف السياسي من دُعاة الرأي الآخر على قسوتها وخروجها عن منطق العقل أحياناً أوجدت إشكالية سياسية تحمل في طيّاتها قوَّة التغيير بالعنف ولو تداخلت لوقتٍ ما مع إشكالية الفوضى كما هو حاصل اليوم.
    وبالتأكيد حين تتحكَّم مرجعيات العنف في صناعة الواقع يصير كل شيء قابلاً للمراجعة، فتكون الثوابت السياسية المزعومة مُجرَّد توصيات تزول بزوال الظروف التي صنعتها.. وحين يكون العمل السياسي صورة واعية ترسم على منوالها كل الاحتمالات وبالتالي يصير الممكن مُتاحاً وفاعلاً.. إن الوطن العربي بالسياسة المُنتهجة فيه اليوم يرفض هذه الصورة، بل ويتلاعب بها، و كأنها وَهْم، و ليست حقيقة، إن الموقف السياسي الذي يصنع الدولة ،   ويبرّر وجودها على مستوى الواقع وعلى مستوى التاريخ، لا يأخذ قوّته إلا من الواقع ومن تحدّياته، وإلا فإن الأحكام الجاهِزة تصير مثل الثوابِت، بَيْدَ أن التطوّر يأخذ قوَّته من مراحل قوّة تلائم مُحصلاته ومُستجداته، فأين إذن صورة الواقع الذي نحن للتعامُل معه و نترجّاه ؟   وأين حصّتنا من المُتغيرات التي يشهدها العالم في كل لحظة تقريباً ..؟ أكيد إذا كانت السياسة تأخذ من مشتقّات الماضي وحفرياته، لتحصين محيط الحاكِم ومن دون الاعتراف بمُحصّلات الوضع الاجتماعي والثوابت التي استقرّت ضمن ناتِج هذه المُحصّلات فإنها تصير وَهْماً.. إننا ولسوء الحظ لا زلنا نؤمن بالقداسة البشرية و تسوّي بينها وبين المفاهيم الدينية أحياناً مع أن القداسة لله وحده.

  إن اجترار الكلمات للتدليل على قوَّة الماضي والحُكم به من دون وعي الحاضِر لا تعني في الواقع أية إضافة للفعل البشري، إن الفعل المُتعدّي للمستقبل هو ذلك الفعل الذي ينشىء من  خطأ لماضٍ واقعاً أفضل يهمّ المجتمع وليس العكس ،إذا تمكَّن السياسي من استقطاب هذا المفهوم وحرّر قُدرة الواقع من امتياز التيار الفئوي غير الأخلاقي وغير الإنساني وأعطى هذا الامتياز لأهله بأخلاقيات التاريخ والدين ،فإنه بالتأكيد يكون قد وضع خارطة الفكر السياسي في مساحة العلوم الإنسانية القائمة على أضلاع المستقبل ،إن إتاحة الفرصة للذين يؤمنون بأن السياسة في الحُكم وخارجه هي خدمة عامة ومصالح عامة وليست انغلاقاً على الذات وتسلّطاً بلا ضمير هي وحدها القادرة على فكّ خيوط اللا استقرار للإنسان والمجتمع معاً.. إن المعجزة في السياسة لا تبرّر وجودها بالظروف الصانِعة لها، ولكن بالتغيير الناتج منها، والتغيير عندنا في الوطن العربي والإسلامي يتطلّب إيجاد آليات جديدة لنظامٍ جديدٍ يكون الشعب فيه صانِعاً له وفق مبدأ الديمقراطية وليس وفق هاجِس الخوف منها، وإذا حدث واختار الشعب فإن الخدمة العمومية المبنية على التصوّر السياسي ذي المنظور المستقبلي ستكون إحد اهتمامات هذا الاختيار ولن يكون للصوص السياسة مجال للحُكم بالافتراء على العامة ونعتهم بالمواطنين من دون حق المواطِنة أو الادّعاء بأنهم أمَّة غير ناضِجة سياسياً لفَهْمِ حقائق الواقع ومُتغيّراته. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً