حسن لافي

كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي

قضية اللاجئين الفلسطينيين بعد ربع قرن من اتفاق أوسلو

بعد 25 عاماً من أوسلو، تولد لدى الإدارة الأميركية برئاسة ترامب قناعة بأنها قادرة على تصفية قضية اللاجئين، وإزاحتها عن طاولة المفاوضات من خلال صفقة القرن، ورغم ذلك ستبقى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية متمسكة بعملية التسوية مع "إسرائيل".

عملية التسوية انطلقت على أساس قراري مجلس الأمن "242"،"338"
عملية التسوية انطلقت على أساس قراري مجلس الأمن "242"،"338"

الحديث المتزايد من قبل الإدارة الأميركية عن إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، بحيث تقتصر صفة اللاجئ على الذين هُجّروا من أراضيهم عام 1948، دون الاعتراف بأبنائهم أو أحفادهم الذين ولدوا بمخيمات اللجوء بعد التهجير، ناهيك عن الحملة المسعورة التي تشنها إدارة ترامب على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، الأمر الذي يُهدد حق العودة بناءً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم194.
تتزامن التهديدات التي يتعرض لها عمود خيمة الثوابت الفلسطينية "قضية اللاجئين"، مع مرور 25 عاماً على توقيع اتفاق "اوسلو"، لذا من البديهي استيضاح أثر مسيرة التسوية خلال ربع قرن من انطلاقها على قضية اللاجئين الفلسطينيين؟.
الموقف الإسرائيلي الرسمي من قضية اللاجئين على مدار مسيرة التسوية، لم يتغير جوهره الرافض على الإطلاق لحق العودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم التي شردوا منها، واقتصرت المرونة الإسرائيلية على إمكانية مساهمتها في قضية التعويض كدولة من المجتمع الدولي، دون تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذه المسألة.
ذلك الموقف الذي ينزع أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية إزاء لاجئي عام 1948، وتصويرهم على أنهم مسؤولية البلدان العربية، التي يقيمون فيها، وأن حل هذه القضية هو بإعادة توطينهم في البلاد العربية المضيفة، أو أي مكان آخر، كون سماح "إسرائيل" ولو لعدد ضئيل من اللاجئين، سيفسر من قِبلها على أنه اعتراف بالذنب فيما يتعلق بتهجير اللاجئين ونكبتهم يهدم أساسات الرواية الصهيونية، كحركة تحرر عادت إلى أرضها بعد غياب قصري دام 3000عاماً.
أما الأكثر مرونة كانت المواقف الإسرائيلية التفاوضية غير الرسمية، حيث أبدت الموافقة على عودة رمزية لبعض اللاجئين، تحت مسميات لمْ شمل العائلات، أو قوانين الهجرة والإقامة الإسرائيلية.
الجديد على الموقف الإسرائيلي الكلاسيكي، إضافة مكان آخر هو دولة فلسطين المستقلة المزمع إقامتها في الضفة والقطاع، وبعض أجزاء القدس الشرقية، وبذلك تلغي "إسرائيل" حق العودة في مقابل السماح بإقامة دولة فلسطينية "حق تقرير المصير"، وذلك في أحسن الأحوال التفاوضية لدى أقصى حمائم اليسار الصهيوني، بعيداً عن رؤية اليمين الصهيوني الحاكم منذ أكثر من عقد من السنين، الذي يعتبر أن الحديث عن كيانية فلسطينية ما بين البحر والنهر ضرباً من الخيال، وأن الاعتراف بيهودية الدولة أساس أي تفاوض قادم مع الفلسطيني، بل يعتبر الوجود الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، رغم حملهم الجنسية الإسرائيلية خطراً ديموغرافياً، يجب أن يتصدى له برنامج عملي للحكومة الصهيونية من خلال تشريعات قانونية تؤكد على يهودية الدولة، ونقاء عنصرها القومي اليهودي الأمر الذي تجسد في قانون القومية اليهودية للدولة، الذي أوصد الباب أمام مجرد الحديث عن حق العودة للاجئين.
المواقف الإسرائيلية انعكست على استراتيجية المفاوضات منذ بدايات عملية التسوية، حيث استبعدت "إسرائيل" أن تكون المفاوضات على أساس تطبيق قرار 194، أو حتى مجرد ذكره في نصوص أي اتفاق تم توقيعه مع منظمة التحرير الفلسطينية، ناهيك عن تسويف قضية اللاجئين إلى قضايا الحل النهائي.
الموقف الرسمي للمفاوض الفلسطيني التمسك بحق العودة، والمطالبة بعودة اللاجئين، وتعويضهم بناءً على قرار 194، إلا أن المتتبع لسيرورة عملية التسوية من السهل أن تتولد لديه شكوك كبيرة بمصداقية، وأصالة، وصرامة، هذا الموقف.
حيث أن عملية التسوية انطلقت على أساس قراري مجلس الأمن "242"،"338"، ولم يتم إيراد قرار 194 نهائياً في نصوص اتفاق أوسلو، أضف إلى ذلك أن ترحيل قضية اللاجئين إلى قضايا الحل النهائي، دلالة على أن أولوية هذه القضية قد تراجعت على سُلم أولويات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لحساب قضية إقامة دولة مستقلة على حدود عام 1967، بحيث أن الأساس الذي قامت عليه عملية التسوية هو حل الدولتين، الأمر الذي لا يتوافق مع تطبيق حق عودة ستة ملايين لاجئ فلسطيني إلى دولة "إسرائيل" وهم مواطنون في دولة فلسطيني المستقلة!!!
ناهيك أن الموقف الرسمي الفلسطيني المتمسك بحق العودة وتنفيذ قرار 194، موقف فرضته الظروف التفاوضية، وليس موقفا مبدئياً، بمعنى أن عدم التوصل إلى حل نهائي في قمة كامب ديفيد 2000م، أو مفاوضات "أولمرت – عباس" في قضية اللاجئين ارتبط بآلية مفاوضات الحل النهائي، المبنية على حل الرزمة الواحدة "خذه كله أو اتركه كله"، حيث كان من الواضح أن الرفض الفلسطيني للاقتراحات ارتبط بقضايا القدس والحدود أكثر من ارتباطها بقضية اللاجئين، والدلائل كثيرة، أبرزها ترحيب قيادة السلطة بخطة "خارطة الطريق" التي أضافت مفهوم "واقعي" على الحل الخاص باللاجئين، فقط كون هذه الخارطة أوردت كلمة دولة فلسطينية في نصها، ولا يخفى على أحد أن الواقعية بالمفهوم الأميركي تعني التساوق مع المطلب الإسرائيلي بالحفاظ على صفة يهودية الدولة الصهيونية، بمعنى أن إمكانية تنازل المفاوض الفلسطيني عن حق العودة بالمضمون والجوهر، كانت حاضرة، ويلمسها كل من جلس أمامه على طاولة التفاوض، ويكفي أن يصرح الرئيس محمود عباس عن "عدم نيته العودة إلى صفد"، الأمر الذي وصفه "شمعون بيرس" في حينه" أن هذه تصريحات ثقيلة الوزن وذات أهمية" حيث أدرك بيرس من تلك التصريحات حسب تعبيره "أن حل قضية اللاجئين لن يكون داخل "إسرائيل".
لكن الأخطر أن بعد 25 عاماً من أوسلو، تولد لدى الإدارة الأميركية برئاسة ترامب قناعة بأنها قادرة على تصفية قضية اللاجئين، وإزاحتها عن طاولة المفاوضات من خلال صفقة القرن، ورغم ذلك ستبقى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية متمسكة بعملية التسوية مع "إسرائيل".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً