لا أستطيع التنفّس .. "أنا بدون"

لا تعطي الجنسيات والمُسمّيات القومية قيمة إضافية للإنسان. لكن في عالم مقلوب المفاهيم والقِيَم، تصبح بعض الجنسيات مرام الفرد ليحصل على مقوّمات العيش بالحد الأدنى.

  • لا أستطيع التنفّس ..
    لا أستطيع التنفّس .. "أنا بدون"

نالت قضية جورج فلويد تعاطفاً عالمياً وأعادت إنعاش النقاش حول المُمارسات العنصرية المستمرّة في الولايات المتحدة والغرب بشكلٍ عام. إضافة إلى ذلك، كشفت قضية فلويد بأنّ القوانين الوضعية الحالية قد تساعد في الحد من الجرائم والمُمارسات العُنصرية وإدانتها، لكنّها ليست حلّاً نهائياً ما دامت بنية المؤسّسات والثقافة السياسية قائمة على التفرقة. 

"لا أستطيع التنفّس"، هكذا كان نداء فلويد الأخير، والذي تحوّل إلى شعارٍ شعبي حرَّض الناس على إعادة قراءة التاريخ الوحشي، وامتداد العذابات الإنسانية التي عاشها الأميركيون الأفارقة سابقاً، وما زال يعيشها الكثير من الأعراق، تارة تحت إسم الملوّنين، وطوراً تحت إسم الوافدين أو المُهاجرين الجُدُد. 

نداء فلويد الأخير كان وما زال حاضراً في المشهد العربي بشكلٍ واضحٍ وفاضحٍ منذ زمنٍ طويل. لكنّه لم ينل التفاعُل العالمي الذي حظي به فلويد. وما رِكْبة الشرطي الأميركي التي خنقت فلويد سوى صورة حيّة لرِكْبة البوليس السياسي الذي يخنق "البدون" المحرومين من أبسط حقوق الإنسان في دول الخليج، ومنهم "بدون" الكويت كمثال.

ولمَن لا يعرف مَن هم "البدون"، نقول إنهم فئة "عديمي الجنسية". وتعرِّف الأمم المتحدة الشخص "البدون" بأنه "الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطناً فيها بمُقتضى تشريعها". (1). وفرضت المنظمة الدولية على الدول المعنية بهذه القضية الموافقة والمُشاركة في إعطاء "البدون" كامل الحقوق التي شرَّعتها الأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان. غير أنَ أوضاع "البدون" في الكويت تدلّ على أنّ أبسط الحقوق المناسبة لعيش الكائن، غير معمول بها على الإطلاق! 

ورغم الجدل حول الفئة الموجودة في الكويت ومن له الأحقيّة في الحصول على الجنسية، فضلاً عن الاتهامات التي تشير إلى أنّ بعضهم يحمل جنسيات بلدان أخرى معروفة، أو أن البعض الآخر لا علاقة له بأصول العائلات في الكويت قبل الاستقلال عام1961، إلّا أنّ "البدون" في المُحصّلة إنسان يستحق أن يعيش حياة كريمة. وكذلك أن يمتلك كامل الحقوق التي تسهّل معيشته وحمايته من الأذى. 

وما استحضار الحِجَج والتبريرات لمنع "البدون" من حصولهم على حقوقهم سوى شكل من أشكال العُنصرية. 

إن امتلاك السكن والحصول على العمل من أهم العوامل التي تساعد الإنسان على الاستقرار. وتشير المادة 17 في اتفاقية الأمم المتحدة إلى حق "عديمي الجنسية" أو "البدون" بالحصول على عملٍ مأجورٍ ومعاملتهم معاملة مُحتَرمة ومُتساوية مع مواطني البلد الذي يتواجدون فيه. كما تشير المادة 21 من الاتفاقية إلى حق "البدون" في الحصول على سكن. 

لكن "بدون" الكويت لا يحق لهم امتلاك سكن بأسمائهم، كما لا يحق لهم الحصول على وظائف في القطاع العام بغضّ النظر عن الكفاءات والإمكانيات التي تمتلكها هذه الفئة. 

إضافة على ذلك، تشير المادة 22 في اتفاقية الأمم المتحدة إلى أنّ على الدول منح "البدون" المعاملة ذاتها التي تمنحها لمواطنيها في التعليم الأساسي، وكذلك حق إكمال دراستهم وحصولهم على المِنَح الدراسية وإعفائهم من الرسوم الدراسية. وكل هذا يهدف إلى تطوير مستوى أبناء "البدون" المعرفي وبناء مستقبلهم المهني. 

في آب/أغسطس 2019، أوقفت وزارة التربية في الكويت دخول أبناء "البدون" إلى المدارس الحكومية – أي منعهم من التعليم الأساسي. كما أنّ خرّيجي الدراسات العُليا من "البدون" لا يحصلون على الوظائف التي أفنوا سنوات دراستهم من أجلها، بل يقدّم العمّال الأجانب عليهم، ويعاملون معاملة من دون مستوى التقدير والاحترام. 

كل هذا عبارة عن جزءٍ من مُعاناة "البدون" اليوميّة في الكويت. فالجهاز المركزي، الجهة الحكومية المسؤولة عن إصدار وتسهيل معاملات "البدون" الرسمية، بدلاً من العمل على تسهيل وتسريع معاملات الأفراد، يُسيء معاملتهم ويُفاقم من الصعوبات التي تعيشها هذه الفئة. 

من جهةٍ أخرى، تزعق بعض الأصوات العُنصرية بوجه هؤلاء حيناً، وبطردهم من البلاد حيناً آخر. وقد يحتجّ بعضهم بالقول إنّ هذه التعامُلات في الجهاز المركزي والأصوات العُنصرية ليست سوى سلوك فردي. 

لكن الواقع يوضِح بأنّ هذه السلوكيات نتيجة عُنصرية مؤسّساتية في النظام الحكومي وقوانينه. فجميع المُخالفات غير الإنسانية التي تقوم بها السلطات تعزِّز السلوكيات غير الأخلاقية التي يقوم بها بعض العُنصريين، وتساهم في تعزيز عنصريّتهم ونقلها إلى أجيالٍ قادمة. 

وما كان انتحار بعض "البدون" في السنوات الأخيرة سوى نتاج هذه المعاملة العُنصرية. هذا إذا استثنينا الاعتقالات التعسّفية ومُعاقبة مَن ينتقد شكل التعامُل الحكومي. 

قد يُحاجج البعض بالقول إن غالبية "البدون" متواجدون بطريقةٍ غير شرعية في البلد، مما لا يُلزم السلطات مساعدتهم. وقد يقول آخرون بأنّ مَن لديه حق عليه تقديم الدليل، وكأنّ مكانة الإنسان وحقّه في العيش تحتاج إلى إثبات!

لا تعطي الجنسيات والمُسمّيات القومية قيمة إضافية للإنسان. لكن في عالم مقلوب المفاهيم والقِيَم، وعقول مليئة بالأيديولوجيات والأوهام، تصبح بعض الجنسيات مرام الفرد ليحصل على مقوّمات العيش بالحد الأدنى، ليكون إنساناً له حقوقه ومكانته. وكأنّ هذه الجنسيات والمُسمّيات القومية ليست سوى سجون يُصارِع الكائن إلى دخولها، حتى يبدأ صراعاً جديداً داخل هذه السجون التي نُطلق عليها مُسمَّى "الأوطان". 

"لا أستطيع التنفّس" هكذا كان نداء جورج فلويد الذي حرّك مشاعر العالم وأشار إلى خَلَل البنية المؤسّساتية العنصرية في الولايات المتحدة. هذا النداء الذي تفاعل معه الكثير في العالم العربي هو ذاته الذي يصدح به "البدون" منذ سنوات من دون تفاعل معهم. كأن نداء "لا أستطيع التنفّس" يعادل جملة "أنا بدون". 

علي عاشور

كاتب من السعودية